كيف يمكننا قراءة أفكار الآخرين من خلال حركات أيديهم أو الأعضاء الأخرى في أجسادهم، سواء تعلق ذلك بتعابير الوجه أو بالمصافحة أو حتى بطريقة المشي، وحركة الجفنين وحك الأنف وغيرها؟ وماذا يمكن أن تعكس هذه الحركات أو الإيماءات في شخصيتنا وشخصية الآخرين؟ وهل هذه الإيماءات فعالة لفك رموز هذا الشخص أو ذاك، إذا ما أراد أن يتقدم إلى وظيفة جديدة أو أن يلقي خطبة على مسامع الناس؟ وهل بالفعل تكشف حركاتنا إن كنا صادقين أم كاذبين؟ أسئلة مهمة حاول العلماء الإجابة عنها في السطور التالية:
النصف الأيسر يفضح العواطف
"شيفرة الوجه" سر يكشفه العلماء
يكفي أن نقرأ عبارة جون لوي، وهو مدير أحد البنوك، لنعرف أهمية الحركات الشخصية أثناء المقابلة التي يجريها مع المتقدمين إلى عمل جديد، حيث يقول لا أوظف شخصاً يحاول أن يدير نظراته عني عندما أجري معه المقابلة، فأنا ألاحظه بكل حركاته وسكناته فإذا ما وجدت أنه يحاول الابتعاد إلى الوراء إن كان واقفاً أو يرجع بجسمه إلى الخلف، فأحاول من ناحيتي أن أشعره بالهدوء وبالراحة . أما كارول وهي مديرة تعمل لدى شركة بورتو المتخصصة في تنظيف المنازل الفخمة فتقول أنا صارمة جداً مع فريق البائعين بخصوص مسائل الصيانة وأنا لا أحب الأيدي المتشابكة أو تكتيف الذراعين ويجب أن يبتسم البائع للزبون بعيونه، لأن ذلك من الأمور المهمة عند استقباله .
وتشير كارول إلى أن المديرين مثل الساسة ينتبهون كثيراً إلى حركاتهم وإيماءاتهم سواء أرادوا إلقاء خطاب رسمي أو إجراء عرض تجاري أو إجراء مقابلة للتوظيف . ولا يهتمون عادة إلا بتهذيب أسلوبهم وخطابهم من أجل إجراء تدريبات في التواصل مع الآخرين، ويمكن لهذه اللغة الجسدية في التعبير أن تتعزز وتتأكد أو أن تخالف الكلام الذي يتفوهون به والتجربة خير برهان .
وتقول باتريسيا غليفيل إن التعبير غير الشفوي يمثل أكثر من 50% من الرسالة المراد إيصالها إلى الآخر، ولذا فإن مهنة المدرب في لغة التواصل لا يمكن الاستغناء عنها، ومن هذا المنطلق نجد أن فك شيفرة لغة الجسد غدت موضة في هذه الأيام، حيث نجد أن المتخصصين في مجالات عدة كالاتصالات وأطباء النفس وخبراء الأعصاب يسهمون في هذه المسألة، لا سيما في المؤسسات والشركات، كما أن الكتب المؤلفة في هذا المجال تلقى رواجاً في المكتبات والمعارض، بهدف تثقيف الناس بلغة الجسد، فضلاً عن أن البرامج التثقيفية تكاد لا تنقطع على بعض المحطات المتلفزة، وكلها تعمل على إدخال لغة الجسد في المجالات كالشرطة والبحث الجنائي حيث تسهم لغة الجسد في كشف الكاذبين .
ولكن ماذا يمكن للغة التواصل التي تعد الصورة الجديدة للحقيقة أن تكشف عن شخصيتنا أمام الآخرين؟
يقول الخبراء إنه فيما يتعلق بالحركات أو الإيماءات، فإن ما تعبر عنه وضعيتنا الجسدية يؤدي بنا إلى حسن القبول أو سوئه من الآخرين ويشجع على التواصل معنا أو يحد من اهتمام الآخرين بنا .
ويذهب بعض المتخصصين بعيداً عندما يرون أن كل إيماءة، وكل وضعية، وكل حركة يؤديها جسدنا تترجم المسكوت عنه، أي ما لم نتفوه به، وتترجم بذلك انفعالاتنا وبالتالي حالة أفكارنا وعواطفنا فعلى سبيل المثال نجد أن حك الأنف ووضع اليد على الوجه وقرص شحمة الأذن لها معانيها عند المتخصصين في لغة الجسد، ويمكن لهؤلاء من خلالها أن يقدموا صورة مشجعة أو غير مرضية عن هذا الشخص أو ذاك، وبالتالي يستطيعون توجيه الحوار لمصلحتهم أثناء إجراء حوار معه أو مشاورة أو مناقشة ما . ومن هنا يرى الباحثون أن فك شيفرة هذه اللغة الفسيولوجية يعد المفتاح الأساسي لتواصل متفائل مع الشخص .
ويعمل فيليب تورشيه المستشار في لغة الجسد وصاحب كتاب لغة الجسد الكونية منذ عشرين سنة على فك رموز اللغة التي نحت لها اسماً هو السينرجولوجي أي معنى حركات الجسد (وهي طريقة لقراءة الحوار غير اللفظي أو تفسير حركات الجسم الإرادية) . واستطاع إحصاء 3000 حركة جسدية مع تصنيفها وترتيبها وفق الحالة التي يوجد عليها الشخص، فلو أن شخصاً قام بحك الجهة اليسرى من طرف أنفه مستخدماً السبابة اليسرى، فمعنى ذلك أنه يريد القول إنه منزعج مما يراه ولا يتفق في رأيه مع ما يراه الآخرون . أما إذا حك بسبابته اليسرى أنفه من الأعلى وغطت يده جزءاً من الوجه فمعنى ذلك أن هذا الشخص يسأل نفسه كيف لي أن أحقق ربحاً من الشخص الماثل أمامي أو من الموقف كله؟ . ويمكن للشخص نفسه أن يميل برأسه إلى الجانب المعاكس لليد، مما يدل على قلقه أو عدم موافقته على ما يقال وإذا أغلقت السبابة اليسرى الفم فيعني ذلك عدم الاتفاق وكأن لسان حاله يقول ما يجري أمامي مهم جداً ولكن هناك ما يزعجبني .
ويشير فيليب تورشيه إلى أن بعض الحركات أو التصرفات كالغضب والفرح والحزن سلوك عام، وتظهر بالطريقة نفسها أياً كان عمر الشخص وبلده أو ثقافته التي ينتمي إليها . ويرى تورشيه أن بعض الانفعالات تبدو واضحة جداً ويسهل التعرف إليها، في حين يبدو البعض الآخر غير واضح، لأنه من الضروري من الناحية الاجتماعية أن تبقى بعض انفعالاتنا وعواطفنا غير جلية، ولذا تعد هذه الانفعالات هي أهم ما يجب أن نفسره أو نفك شيفرته من خلال قوانين لغة الجسد .
ويقول تورشيه لنبدأ عشوائياً بمراقبة وجه محاورنا وبشكل محدد النصف الأيسر منه الذي يفضح سرنا أو الأكثر الذي يكشف حقيقة انفعالاتنا وعواطفنا . وعندما تكون هذه العواطف إيجابية، يميل هذا الجزء من الوجه إلى الانفراج والتألق، في حين يميل إلى الانكماش والتجهم إذا كانت عواطفنا وانفعالاتنا سلبية . ويضيف بأنه لا بد من الاهتمام بكل إيماءة وارتعاشة عضلة، لأنها يمكن أن تكون ماكرة وعابرة وخفية، فلو ارتفع الحاجب الأيسر وتحرك فيعني ذلك أن الشخص الذي أمامك يعبر عن شعور يتضمن حياء أو شعوراً بالضيق، أما إذا اهتز الحاجب الأيمن فيعني ذلك ترجمة لشعور بالارتياب أو الشك . ويقول تورشيه: لا تترك للحظة أن تتابع عيني الشخص الماثل أمامك، ولاحظ أي انفراج أو انقباض في قزحية العين ويبدو ذلك واضحاً من خلال نسبة بياض العين، التي تزداد إذا كان رد الفعل بالنسبة إليه سلبياً أو يتضمن شكوكاً إزاء الشخص المستجوب .
تفسيرات مؤكدة
يرى الباحث تورشيه أنه إذا كان الشخص المحاور يتحدث وينظر إليك بعينه اليمنى مع ميلان خفيف بالرأس إلى الجانب، فمعنى ذلك أنه يحمل شعوراً بالعناد والضيق . أما إذا انخفض الذقن بشكل خفي فيعني ذلك أن الشعور بالضيق آخذ بالازدياد، أما إذا كانت عيناه تميلان نحو اليمين ويريد أن يعبر عن شيء للمستقبل لكنه يعلن عن حدث في الماضي، فمعنى ذلك أن حالة الضيق لديه آخذة بالازدياد الطردي، وبالتالي فإن الشخص المحاور في خلاف كلي مع الآخر .
ويعتقد تورشيه أن هذا الضرب من التنافر أو عدم الترابط يمكن أن يدل على كذب الشخص . وهنا لا بد للشخص المحاور أن يستعيد السيطرة على زمام الحوار أو المناقشة . وفي ذلك يقول حاول أن تكون مقنعاً إلى أن ترى انبساطاً في الجزء الأيسر من وجه الشخص الذي تحاوره، فإذا ما نظر إليك بعينه اليسرى فمعنى ذلك أن حالته في تحسن وانفعالاته بدأت تميل إلى الإيجابية .
ويرى الباحث أنه إذا آثرت لدى الشخص الذي أمامك حاجة إلى أن يحك خده الأيسر، فهذا يعني أنه يشعر بالارتياح لكن إذا كان الحك على الخد الأيمن، فيعني ذلك أنه قلق ويشعر بالسخط . وإذا حك الشخص معصمه الأيسر، فيعني ذلك أنها دعوة منه للتقارب والتفاهم، ويتضح هذا الشعور إذا مدّ الشخص رجله اليسرى، وهذا يدل على أنه موافق تماماً على اقتراحاتنا أو التعامل معنا في مسألة ما .
وفي الإطار نفسه يرى أخصائي طب النفس بول إيكمان الذي تلاقي كتبه نجاحاً كبيراً في الولايات المتحدة لا سيما كتاب أعرف أنك تكذب أنه بالإمكان كشف أكاذيب الأشخاص الذين نحاورهم وكلامهم المنمق المخادع أو الحماقات التي تصدر عنهم، ويتم ذلك باختبار التعابير اللامتماثلة للوجه، وهنا يمكننا أن نلاحظ ذلك من خلال ملامح الوجه المتشنجة والحركات الصريحة من جانب دون آخر، فكل ذلك يشير إلى الخداع . وإذا كانت الحركة في الوجه ليست متناغمة مع الإيماءات وتستمر لأكثر من 5 ثوان، فمعنى ذلك أن هذا الشخص مخادع ومطلوب الحذر من ابتساماته، فإنها القناع الأكثر استخداماً للتخفي، لأن الابتسامات المخادعة أو الاجتماعية تكون عادة أكثر تماثلية من الابتسامات الصادقة، وفترة اختفائها تكون عادة غير متناسبة . ويرى ايكمان أن حركة الحاجبين في لغة الجسد لا تخطئ أبداً .
وإذا كانت هذه التحليلات نتيجة لمشاهدات تجريبية تمت من خلال مراقبة مئات التسجيلات التلفزيونية (فيديو) فهناك فريق من باحثين آخرين يسيرون وفق طريقة أكثر حرفية في مشاهدة التجارب، على الرغم من أن ذلك لا يمنعهم من وضع الكلام المرمز أو الدلالي ضمن العلوم البحتة .
ويعد البروفيسور جوزيف مسينجر من بين أكثر الباحثين الحاسمين الذين يؤكدون في كتاباتهم هذا النوع من الدلالات الحتمية ويقول إذا جلس شخص أمامك ووضع يديه على ركبتيه بكل هدوء وسكينة، فمعنى ذلك أنه في وضعية الخاضع، أما إذا اتكأ على حافة الكرسي، فإن ذلك يعني أنه محبط، في حين أنه إذا جلس بعرض الكرسي فيعني ذلك أنه يعبر عن الحاجة إلى الحماية .
من جهته ينظر البروفيسور باسكال لارودلييه أستاذ علم المعلومات والاتصالات في جامعة بورجوني ومؤلف كتاب كفى تلاعباً بلغة الجسد إلى هذا الأمر على أنه نوع من الفنتازيا البحتة أو النفاق العلمي، ويقول الحركات الجسدية والإيماءات تصدر ضمن نطاق اجتماعي معين ولذا معناها يكون تخمينياً أو قائماً على الافتراض ومرتبطاً بقرائن معينة وثقافات مختلفة، وذلك بمقتضى التفاعل بين الأشخاص الذين نتعامل معهم، فعلى سبيل المثال نجد أن حك الأذن يمكن أن يكون له عشرات التفسيرات المختلفة وذلك وفقاً للثقافات والموقف نفسه، ولذا لا يوجد لغة سرية للجسم تكشف عن نيات الشخص، وأعتقد أن مساندة هذه الألعوبة التي يجب تسميتها الديكتاتورية الحركية أو الإيمائية تعني أننا نشجع البعض على ممارسة أعمال لا علاقة لها بالعلم، ونعمل على تجريد العلم من أي مضمون صحيح، بل ويمكن أن يؤدي بنا هذا الأمر إلى إفشال أشخاص جيدين وجعلهم يهذون أو فاشلين في العمل .
الحنجرة والعنق منطقتا الثقة بالنفس
انفعالات تترجم الحالة النفسية
في حياتنا الخاصة ثمة انفعالات وعواطف تترجم حالتنا النفسية والجسدية، وتجعلنا على هذا الأساس نستخدم لغة خاصة في حركاتنا، فلو وجدنا شخصاً يضع مرفقيه على الطاولة ويشابك بين أصابعه، ثم يضع سبابتيه بشكل عمودي على فمه، فمعنى ذلك حسب البروفيسور جوزيف ميسينجر، أنه يشعر أنه في حالة تشويش وتعطل لعدم توافر الحجج الدامغة لديه ولذا يجلس متسائلاً كيف له الخروج من المأزق المحرج .
يشير ميسينجر إلى أن الشخص المعني إذا كان امرأة فمعنى ذلك أن حركتها هذه دلالة على دعوة حقيقية إلى إنشاء علاقة عاطفية، وأن هذه الرغبة هي جزء فعلي من اللقاء، وأن الباب مفتوح على مصراعيه من أجل إقامة جسور لهذه العلاقة، لأنها يمكن أن تنقطع في وقت فجائي وغير متوقع . وأما التفسير الثالث فهو التفسير الانتهازي بمعنى أن الشخص الذي يقوم بهذه الحركة يتساءل كيف يمكنه الاستفادة من الشخص الذي يقف أو يجلس أمامه إلى أقصى درجة .
عندما يقف أحد الأشخاص واضعاً يديه في جيبيه فلهذا الأمر بالنسبة لفيليب تورشيه أهمية بالغة، فإذا طرحت سؤالاً على شخص ما ثم يجيبك بوضع يديه في جيبيه فلا تثق بإجابته كل الثقة، أما إذا كانت يداه في الجيبين وهو في وضع الجلوس، فمعنى ذلك أنه لا يريد تبادل أي حديث مع الآخر أو يفضل الاحتفاظ بأفكاره لنفسه كي لا يبوح بأسراره .
وإذا ما عدنا إلى اللغة الرمزية للجسم، نجد أن الرقبة أو العنق ومؤخرة العنق والحنجرة تعني جميعها المنطقة التي تشير إلى الثقة بالنفس . ويضيف جوزيف ميسينجر أن المنطقة المعنية بالتحديد من الرقبة تقع عند مستوى الفقرات السبع الأخيرة في العنق . ويعتقد ميسينجر أن الآلام التي تصيب هذه المنطقة والأيدي التي توضع فيها أو الحلقة التي تحيط بها، كلها علامات تشير إلى اهتزاز ثقة الإنسان بنفسه وظهور نوع من القلق، أو أن محاورك يضرب صفحاً عن حديثك . ويرى ميسينجر أن الشخص عندما يكون في مأزق ما، فإنه يضع يده عند قاعدة العنق بشكل ميكانيكي وهذه هي الحركة النمطية للشعور بالقلق المتزايد .
يرى الخبير فيليب تورشيه في حركة وضع الاصبع على الشارب تعبيراً عن الخجل والتحفظ اللذين يقودان الشخص إلى الاحتفاظ بمسافة ما إزاء الشخص الذي يحادثه . ويرى بأنه من المهم جداً مراقبة كيفية وضع اليد على الشارب أو كيفية تحركها، فإذا انتصب اصبع السبابة، فمعنى ذلك أن هذا الشخص لا يوافقك الرأي فيما تقول، أما إذا ابتعد الاصبع عن الفم، فيعني ذلك أن الشخص المعني منفتح كلياً على الحديث . وأياً كانت الحال، فاليد المقفلة تدل على توتر خفيف لدى الشخص، لكن إذا كانت اليد اليمنى هي التي توضع على الفم أو الوجه بشكل عام، فهذا يعني أن الجو غير مشحون . ولا يهم إن كانت اليد اليمنى أو اليسرى هي التي توضع على الفم، فالمعنى هو واحد بشكل عام .
يقول تورشيه إن تسعة أنواع من الحركات المختلفة يمكن تمييزها عندما يضع شخص ما يده أو اصبعه على طرف أنفه، فالشخص الذي يريد قرص منخريه يعاني موقفاً محرجاً أو مشكلة ما، ويعتقد أن الضحك في هذه الوضعية لا يعني بالضرورة الشعور بالفرح، خاصة إذا كان مصحوباً بحك طرف الأنف، فالشخص الذي ينفذ هذه الحركة يعاني أو يواجه مشكلة ولا يدري كيف يحلها .
وإذا وجدت شخصاً واقفاً يشابك بين قدميه، واضعاً القدم اليمنى على اليسرى ويتجه بها نحو الأرض بطرفها، فاعلم أنها الوضعية النرجسية بامتياز فهذا الشخص يريد أن يقول أنا هنا . وهذا التصرف هو بالنسبة إلى بعض الأشخاص (نساء ورجال) دلالة على أنهم لا يهتمون بالآخرين (أصدقائهم ومحاوريهم) .
يرى أخصائي علم حركات الجسم تورشيه أن رسغ القدم اليمنى (الكاحل) هو مكان الإخفاق في علم حركة أعضاء الجسم، ومن السهل أن نتخيل وأن نتنبأ بحالة الشخص الماثل في هذه الوضعية، أما رسغ القدم اليسرى فهي موطن الحرمان .
ويرى جوزيف ميسينجر أنه لو أخذنا القدمين في مجموعهما بالنسبة إلى بقية أعضاء الجسم، فنرى أنهما يدلان على دوافعنا وتحفزنا نحو الإخفاق والخسارة، وكل ذلك يظهر من خلال طريقة وضع القدم على الأخرى، فلو شاهدنا شخصاً يشابك بين قدميه تحت الكرسي مثلاً، ولا يمدهما إلى الخلف كلياً، فذلك يدل على الحالة الذهنية له وعلى مقاساته ومعاناته في الحياة . والمشابكة بين القدمين تحت كرسي وذلك في حالة أن يكون الشخص بمفرده في مكان عام، تشير إلى إحساس عميق بالضيق والرغبة في الابتعاد عن الآخرين الذين لا يعرفهم والذين يحيطون به لا محالة . وعندما يجلس شخص ما بشكل مستعرض على كنبة فهذا يعني أنه يقف ضد التقاليد والأمور المتعارف عليها في عملية التواصل مع أفراد المجتمع . وهذه الوضعية نجدها كثيراً عند المراهقين الذين يميلون دوماً إلى اغضاب والديهم .
ويشير فيليب تورشيه إلى أن الشخص يمارس هذه الحركة لأسباب عدة: فإما أنه يريد أن يظهر للآخرين أنها شخصيته المختلفة عنهم، وإما أنها طريقة كي يظهر للمحاور أنه يريد أن يخرج من الإطار الرسمي في الحديث إلى الإطار العامي أو غير الرسمي .
قراءة أفكارهم عبر حركات أياديهم
الرؤساء في مصيدة الأصابع والملامح
يؤكد فيليب تورشيه مؤلف كتاب لغة الجسد الكونية أن لعالم السياسة حركاته وإيماءاته الخاصة، ويمكن لنا أن نقرأ أفكار العديد من الساسة الكبار من خلال مراقبة حركة أيديهم أثناء إلقائهم للخطابات أو وجودهم في حوارات مباشرة . فعلى سبيل المثال نجد أن إصبع السبابة الذي يرفعه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مشدوداً ومستقيماً يدل على التأكيد والسلطة والقيادة .
يرى تورشيه أن ساركوزي برفعه السبابة يسعى إلى أن يكون في الطليعة، كما أن رفع السبابة بشكل مستقيم مع تعابير الوجه التي تظهر الجفن الأيس للرئيس أقل ارتفاعاً من الجفن الأيمن، يدل على أن الانفعال الذي يؤثر في الرئيس في هذه اللحظة ليس إيجابياً، ومن الممكن جداً أن يكون في حالة ضيق أو محنة .
وبالنظر إلى صورة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك نجد أنه يضع يديه في جيبي سرواله، وهذا يعني بالنسبة للبعض أن الشخص يسعى إلى التخفي من شيء ما، ولكن هل يعقل أن جاك شيراك يجهل هذا الأمر؟ وإذا كان غير ذلك فلماذا يقوم بهذا التصرف؟ وهل يريد أن يثبت أنه فوق الشيفرات السرية؟ الحقيقة أن البعض يرى أن هذه اللامبالاة الظاهرة جداً لا يمكن أن تفسر في المقام الأول وبهذه السهولة، ما يعني أن لشيراك شيفرته السرية بالفعل!
ويشير الباحث تورشيه إلى أن الأصابع المجتمعة المتكورة التي تظهرها روزلين باشيلو تعطي انطباعاً بأنها تريد أن تكون أفكارها وحججها واضحة ودقيقة ومنهجية ومفهومة، وهذا ما تترجمه طريقة التقاء اصبعي الابهام والسبابة إذ إن جمع هذين الإصبعين، يعني أن الوزيرة تريد أن توصل رسالة جماعية وليست شخصية .
وعندم نتأمل يدي الرئيس الراحل فرانسوا ميتران المتشابكتين نلاحظ أنه في وضع سيادي . ويرى تورشيه أن الأصابع تتشابك عندما يكون الشخص بحاجة إلى أن يتحكم بنفسه، وهو رد فعل متكرر في عالم السياسيين، حيث يتم متابعة كل الهفوات الحركية واللفظية بدقة متناهية من قبل الآخرين، ومن هذا المنطلق نلاحظ من صورة ميتران أن رأسه ينحني إلى اليمين علماً بأنه يتحادث مع شخص موجود على يساره . ولو أردنا ترجمة نظرته المرتابة فيمكن القول إنه لو كان يتبادل الحديث مع محاوره بكل ثقة، لكان رأسه في محور رأس ذلك الشخص ومن هنا يأتي التعبير الشائع يتحادثان لوجهاً لوجه .
وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً وتأملنا صورة الرئيس الفرنسي الراحل شارل دوغول، لوجدنا أن ذراعيه في الصورة كانتا مرفوعتين وهذا يدل على سلوك طقوس يعني الهيمنة ولا شك أن دوغول كان يستخدم هذه الحركة ليؤكد على مكانته كزعيم .
ويشير الباحث تورشيه إلى أن رفع الذراعين يدل على الفرح إذا كان لفترة قصيرة جداً، أما إذا زادت مدة رفعهما، فذلك يدل على رغبة الشخص في أن يشاهد بهذه الوضعية لأنه يريد أن يثبت للآخرين أنه في موقف المنتصر أو الفائز، وبالطبع يكون ذلك أوضح وأبلغ إذا صاحب ارتفاع الذراعين رفع السبابة والعظمى .
أما الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش فنلمحه في الصورة التي رصدته وهو يتلقى خبر تعرض مركزي التجارة العالمية إلى هجوم بالطائرات، وقد بدت على وجهه علامات الدهشة والمفاجأة . ويشير الباحث تورشيه إلى أنه عندما يكون الشخص خائفاً، فإن حاجبي العينين يميلان إلى الانفتاح والتوسع والارتفاع، وعندما يكون في موقف غاضب فإن الجهة الداخلية للحاجبين تهبط، أما إذا كان قلقاً فإن ثنية عمودية تظهر بين الحاجبين . كل هذا لم نلمحه على وجه الرئيس بوش . ومن هذا المنطلق يتضح لنا أن بوش لم يع حقاً طبيعة الكارثة التي حلت بالولايات المتحدة، حتى لو أن عينيه ثابتتان وتدلان على تساؤلات واستغراب، وكأنه خارج اللعبة أو آخر من يعلم بالأمور .
حك الرأس يعني القلق
إيماءات مهنية تحدد شخصيات العاملين
تكشف المهن العملية في المؤسسات والشركات الكثير عن شخصيات العاملين فيها، من خلال حركاتهم وإيماءاتهم التي يقومون بها على مدار اليوم .
وبحسب الباحثة باتريسيا غلوفيل، فمن الحركات التي تكثر من فعلها ربما بقصد أو من غير قصد حركة لف الذراع حول الرأس أثناء الحديث بالهاتف . وهذه الحركة تشير إلى أن الشخص المعني يحاول أن يحدد مكاناً لنفسه يشعره بالأمان أثناء حديثه مع شخص آخر . ويتأكد لنا هذا الأمر إذا ما وجدنا الشخص يرمش بعينيه أو يقفلهما لفترة وجيزة . وفي المقابل يمكن لحركة لف الذراع حول الرأس أن تشير إلى شعور بالملل أو التعب، ويمكن لنبرة الصوت ولزفرة عميقة أن تدلا على حالة الشخص المتحدث بالهاتف . ومن الممكن أيضاً أن تشير الحركة إلى حاجة الشخص إلى تحرير كتفيه من الضغط أو التوتر الذي تحدثه وضعية الهاتف .
ثمة وضعية تسمى بوضعية السنديان حيث يقف الشخص واضعاً يديه حول خصره وتكون وقفته مستقيمة ونظرته ثابتة وتتلاءم مع حديثه الذي عادة ما يكون حازماً . وعندما يقف الشخص بهذا الشكل، فإنه يريد أن يشير إلى أنه واثق جداً بنفسه .
ومن الممكن أن نشاهد أحد الأشخاص يضغط بسبابته على طرف أنفه فما معنى ذلك؟ تقول أخصائية الحركات غلوفيل إن الشخص الموجود بهذه الوضعية لديه شكوك في كلام المحاور ولذا نجده يضع السبابة بشكل مستقيم على طرف أنفه، وكأنه يلغي حاسة الشم لديه، ويقطع عملياً التواصل البصري، لأن نظرته لا تكون مرتكزة على المحور البصري نفسه للشخص المحاور، ولذا فهذا الشخص يحضر نفسه للحديث ويركز على ما يريد الشروع بقوله . كما أن رفع اصبع السبابة يشير إلى أنه كطفل يريد المشاركة في الحديث، فكأنما يستأذن بالكلام .
وعندما نجد الشخص المحاور يضع يديه على طرف ذقنه وهو يستمع، فمعنى ذلك أنه يشك في كلام الشخص الآخر أو لديه العديد من التساؤلات . وإذا استمرت هذه الوضعية لفترة طويلة خلال الحديث، وصاحبها تقطيب في الحاجبين مثلاً، فيجب على الشخص الآخر أن يتوقف عن الكلام ويفسح المجال لهذا الشخص أن يعلق على الحوار، فربما كنت سريعاً في طرح شروحاتك وجاء الوقت كي تعطيه الفرصة للحديث .
وربما نجد شخصاً ما يحك رأسه، فمعنى ذلك أنه يشعر بقلق ما أو أنه منزعج من شيء ما، أو ربما أنه غير متفق مع محاوره بالآراء ولا يجد طريقة للإفصاح عن ذلك . وهنا يتوجب على الشخص المحاور أن يبسط حديثه ويجعله واضحاً لمساعدة هذا الشخص على الخروج من حيرته وقلقه .
وإذا ما وجدنا شخصاً يجمع بين راحتيه فمعنى ذلك أنه في وضع تفكيري عميق، وشعور بالضيق والشدة، ويتأكد لنا هذا الشعور من خلال نظرة الشخص إليك، فكأنه يحضر نفسه ليدحض كلامك ويعارضك في آرائك . وهنا من الأفضل للشخص الذي يتحدث أن يستعيد زمام الأمور قبل أن يعطي المجال لهذا الشخص أن يشرع في الحديث وذلك من خلال مراجعة الحوار واختيار الألفاظ وتعميق المفاهيم خلال الحوار .
أما حركة تشابك اليدين فهي كثيرة التردد في عالم المهن، ويحاول الشخص عندما يحدث هذه الحركة تحضير نفسه للتدخل وأخذ زماما الحوار، فهو الآن في وضعية التأهب وأخذ قسط من الراحة . ويشير الباحثون في علم حركة الجسد إلى أن وضعية الشخص بهذا الشكل تدل على الخجل إذا ما استمرت لفترة طويلة .
وتدل حركة المشابكة بين الرجلين حسب البعض على شعور بالتناغم مع النفس، في حين تشير عند البعض الآخر إلى شعور بالتوتر وعدم القدرة على السيطرة على النفس .
ويقول أخصائيو البرمجة اللغوية العصبية إنها وضعية تدل على تغير الحالة الفكرية عند الشخص.