عجزت عقول نفر من المستشرقين عن إدراك مرامي القرآن الكريم وأعداده، ويرى بعض المفكرين الأجلاء أن هذا يعود إلى حائل في قلوبهم، لأن الكثير من آيات الذكر تفهم بالقلوب ومنها تمر إلى العقول فيراها الإنسان ويتأكد منها.
توقف الكثيرون أمام قوله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وذهب بعض المفسرين إلى القول الأيسر ووفقا لما هو متاح للعقل الإنساني حسب الزمان والتطور الحضاري والعلمي وهو أن العدد الوارد (خمسون ألف سنة) هو بيان للتمثيل أو للتخيل الذي يقرب المسافة إلى الذهن لارتفاع تلك المعارج وبعد مداها.. وقال آخرون إنه تصوير لمشهد يوم ليس له مثيل أو تشبيه هو يوم القيامة باعتبار ما فيه من شدائد وأحداث.
أربعة أقوال
قال ابن كثير رحمه الله: دلالة العدد (خمسين ألف سنة) الواردة في الآية فيها أربعة أقوال.. الأول يشير إلى المسافة ما بين العرش وقرار الأرض السابعة، أي أن الحسبة وأعدادها لا يمكن أن تبلغها عقول البشر وما يعرفون من أرقام وأعداد، لأنها أكبر من أن تحصرها كل ما لديهم من أجهزة حاسوب وعقول آلية وبشرية.
الرأى الثاني يقول إن العدد أو المقدار (خمسون ألفا) هو مدة بقاء الدنيا كلها منذ أن خلق الله تعالى هذا العالم وحتى يوم القيامة، وهو قول يفتح أبواب ونوافذ الحيرة لدى البشر لأنهم في هذه الحالة سيكونون في حاجة إلى تقدير دقيق (لن يبلغوه) لتحديد البداية، وتوقيت خلق آدم عليه السلام ثم زوجه حواء ومكوثهما في الجنة ثم خروجهما والهبوط على الأرض.
القول الثالث يرى أصحابه أن الخمسين ألف سنة هي اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة وتوقف الزمان وبدء رحلة الأهوال.. وهو قول غريب يصعب الذهاب معه بعيدا..
ويربط أصحاب القول الرابع بين الآية والعدد وبين قوله تعالى في سورة السجدة في يوم كان مقداره ألف سنة بما يعني أن القيامة مواقف.. ومواطن شتى تبلغ كما يقول أصحاب هذا الرأي خمسين موطنا أو موقعا.. كل واحد منها مدته ألف سنة.. وأن هذه المدة طويلة جدا على الكافر خفيفة لينة على المؤمن حتى لا يكاد يشعر بها (والله أعلم) إلا أننا نسأله بكل اسم هو له أو علمه أحدا من خلقه أن يجعل أمة الإسلام من أهل رضوانه وجناته ويقينا أهوال يوم الموقف العظيم.
القيامة رأي العين
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سره أن يرى يوم القيامة رأى العين فليقرأ التكوير والانفطار والانشقاق، والأولى تبدأ بقوله تعالى: إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سُيرت. وإذا العشار عُطلت. وإذا الوحوش حُشرت. وإذا البحار سُجرت. وإذا النفوس زُوجت. وإذا الموؤدة سُئلت بأي ذنب قُتلت، وفي الانفطار: إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فُجرت. وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت. يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، ثم تبلغ الصورة الأخيرة مداها وضوحا في الانشقاق: إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحُقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت. وأذنت لربها وحُقت. يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه. فأما من أوتى كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا.
والسور الثلاث تصف أهوال القيامة وما يجري فيها من انشقاق السماء وانفطارها وتناثر الكواكب وتكوير الشمس.. إلا أن وعد الحق سبحانه بأن من يؤتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وينقلب إلى أهله مسرورا يجعل المؤمن في حالة غير التي يعيشها الكافر ويراها ويكون جزءا من مشهدها.
وفي النهاية نشير إلى ثلاثين آية تشفع لصاحبها وتنجيه من عذاب القبر وقد أوصى بها وتحدث عنها النبي الشفيع عليه الصلاة والسلام، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له وهي تبارك الذي بيده الملك. وعن سورة الملك قال صلى الله عليه وسلم: هي المانعة وهي المنجية. تنجي من عذاب القبر.