إعداد: محمد هاني عطوي

الغريب أن الثعبان ذي القوائم الأربع، كان على مرأى الجميع، قابعاً في متحف ألماني بين أحفورات أخرى أحضرت من البرازيل، ولولا الباحث البريطاني ديفيد مارتيل المتخصص في علم المستحاثات في جامعة بورت سموث، لكانت الأحفورة لا تزال في غياهب المجهول، ويقول مارتيل: عندما رأيت هذه الأحفورة اندهشت كثيراً، وأجزمت أنها لأول ثعبان ذي أربع قوائم لم يكتشف من قبل، بل ربما تكشف لنا هذه الأحفورة عن سر الثعابين التي بقيت لمدة طويلة تدور حولها الشكوك، ولقد أحدثت الدراسة ضجة كبيرة في أوساط اختصاصيي علم الزواحف.

وتشكل السحالي، والسحالي الدودية مع الثعابين مجموعة الزواحف ذات القشرة، وذات الحراشيف «التي تغير جلودها»، وإذا كان تاريخ أقدم أحافير الثعبانيات يعود إلى العصر الجيولوجي الجوراسي «200- 145 مليون عام»، فإن الثعابين الحالية ظهرت في العصر الطباشيري «145-66 مليون سنة».
والواقع أنه قد اكتشفت من قبل العديد من الحفريات لثعابين بأطراف، لكن يعتقد أن الحفرية الجديدة هي سلف مباشر لأنواع الثعابين الموجودة حالياً، ومن المرجح أن أرجل وأذرع هذا الثعبان ذي القوائم الأربع، الذي يطلق عليه «تيترابودوفيس»، لم تكن تستخدم في المشي، بل للمساعدة في الإمساك بالفريسة، وتظهر الحفرية تأقلم الثعبان على الحفر، وليس السباحة، مما يعزز من فرضية أن الثعابين تطورت على الأرض.

يقول الدكتور نيك لونغريتش، من جامعة باث، وأحد المشاركين في الكشف: إن الحفرية هي الأقدم لثعبان، ومن الواضح أنه ليس ثعباناً مائياً، فشكل الذيل لا يدل على أنه يساعد على السباحة، ولا تظهر أي علامات لوجود زعانف.

ودُهش لونغريتش عند رؤية صور الحفرية، إذ شاهد بها «الكثير من الخصائص المتطورة»، بما في ذلك الأسنان الخطافية، والفك والعمود الفقري المرن، وخصائص شبيهة بالثعابين، كما يوجد تشابه في محتويات البطن، حين يبتلع الثعبان الفقاريات الأخرى، وكان هذا الثعبان يفترس الحيوانات ومن الواضح أنه كان ثعباناً، لكن بذراعين ورجلين صغيرتين».
ويبلغ طول ذراعي الثعبان أربعة مليمترات، ورجليه سبعة مليمترات، ويظن لونغريتش أنها لا تتدلى فقط من دون فائدة، «إذ أن لها شكلاً خاصاً، فالأصابع نحيفة وشديدة الطول، ولها مخالب في آخرها، والأرجح أن الثعابين لم تستخدمها للمشي، بل للإمساك بالفرائس»، ويرجح أن الثعبان كان يستخدم هذه القبضة في التزاوج أيضاً.
وحاول العلماء عمل شجرة عائلية لتحديد الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الثعبان، عن طريق ترتيب معلومات عن الخصائص الجسدية والوراثية للثعابين الحالية والقديمة، وبعض الزواحف ذات الصلة، ويعود الثعبان المكتشف، وفقاً لهذه المعلومات، إلى الفترات الأولى لظهور الثعابين الحديثة.
ويرى الدكتور برونو سيمويس، الذي يدرس تطور الثعابين في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، أنه مبهور بالاكتشاف الجديد، لأن الحفرية حافظت على أطراف الثعبان، ويبدو أنها متطورة جداً، «مما يعطينا فكرة عن شكل أسلاف الثعابين الحالية»، فهل يعتبر جسم هذا الثعبان الحلقة المفقودة في الشجرة ؟.

الحقيقة أن ثمة شيء أكيد هو أن ال« تيترابودوفيس» ليس أب الثعابين، فعمره لا يزيد على 113 مليون سنة، في حين أن أقدم أحفورة للثعابين تعود ل 167 مليون سنة، بل إن هذه الأحافير الأقدم لا تحمل أبداً 4 أعضاء، بل على الأكثر قوائم خلفية وغالباً ما تكون ضامرة، أما ال « تيترابودوفيس»، فيمتلك كل القوائم، ولكن هل هذا يعني أنه من السحالي؟ لا ليس من السحالي، لأنه في قلب الزواحف الحرشفية، وحدها الثعابين هي التي تمتلك أكثر من 150 فقرة، في حين أن هذا الثعبان يمتلك 160 فقرة، لكن جمجمته شبيهة بجمجمة الثعابين، وعلى ذلك من هو ال «تيترابودوفيس»؟

يرى مكتشفه أنه من دون أدنى شك ينتمي لنوع من الثعابين القديمة التي استطاعت أن تحتفظ بعدد من صفاتها الأصلية على مدى ملايين السنين، ولذا يعتبر هذا الثعبان النموذج الذي يتقارب كثيراً مع الثعبان الأصلي، ويقول الدكتور نيكولا فيدال من متحف التاريخ الطبيعي في باريس: بهذه الأحفورة نمتلك الدليل على أن الجد المشترك للثعابين كان يمتلك أربع قوائم كاملة الشكل، وأن هذه الأعضاء استمرت عند نوع على الأقل وبطريقة عملية، على الرغم من وجود عدد كبير من الفقرات في مقدمة الذيل، لأن هذه القوائم البالغ طولها سنتيمتراً واحداً، وتنتهي بخمسة أصابع تبدو كاملة التشكل، ولا يمكن أن تكون بلا فائدة، ومع ذلك نجد أنها متقلصة جداً، وهو ما يطرح التساؤل الآتي: هل كانت هذه القوائم قادرة على مساعدة الثعبان على التحرك؟.

في هذا الصدد تقول ألكسندرا هوسايا المتخصصة في علم المستحدثات في متحف التاريخ الطبيعي بباريس، إنه بالنظر إلى حجمها الصغير والمسافة بينها، فإنها كانت لا تدعم جسم الحيوان، لكن استطالة الجذع مكنت الثعبان من الشروع في الزحف، الأمر الذي نتج عنه فقدان الفائدة من وجود القوائم، إلى درجة أنها باتت مزعجة له ولذا فقد تقلصت، ومن المحتمل أنه كانت لها وظيفة أخرى، ويرى أصحاب الدراسة أن طول السلامات الأخيرة وتقوسها، يشير إلى أن القوائم كانت تستخدم للإمساك بالضحية والمحافظة عليها، أو لتسهيل عملية التزاوج مع الأنثى، لكنها انتهت بالاختفاء تقريباً، فالأصلة «ثعبان كبير جداً لا تزال تحتفظ ببقايا منها»، كدليل على أنها لم تكن ضرورية جداً لها، ولكن الملاحظ أن ثمة خصائص أخرى فضلاً عن استطالة الجسم، هي التي سمحت للثعابين أن تغزو «سواء من البحر أو اليابسة» العديد من المنافذ البيئية، وعلى هذا الأساس يبدو أن ثعبان ال ( تيترابودوفيس)، يمتلك بالفعل خصائص معينة للثعابين الحالية، ما يشير إلى أنها ظهرت في وقت مبكر جداً، أي قبل فقدان قوائمها.

ونتيجة لذلك يطرح السؤال التالي: هل كان هذا الثعبان من آكلات اللحوم؟ الملاحظ من أنيابه المنحنية والمفصل داخل فكه السفلي أنه كان يستخدمها في ابتلاع الفرائس الكبيرة ويبقي بينها بقايا آخر وجبة طعام كعظام الحيوانات الفقارية التي تعزز الفكرة القائلة إنه كان يستخدمها لخنق فريسته.
وإذا كان معظم الخبراء يعتقدون أن الثعبان الأصلي كان آكلاً للحشرات، مثل الأغلبية العظمى من السحالي، إلا أن الأحفورة المكتشفة تظهر أن مذاق اللحم والقدرة على القبض والخنق عند الزواحف ظهرت في وقت مبكر جداً، ويبدو أن امتلاكها لفم كبير أسهم في نجاح هذه الميزة، إذ أن 85٪ من الأنواع الموجودة حالياً فائقة القدرة على الابتلاع، ولكن هل هذه الصفات هي السبب في نجاح الثعابين؟ الحقيقة أن هذه الأحفورة تجيب عن تساؤل يقسم العلماء منذ أكثر من قرن، وهو هل كانت الثعابين الأولى أرضية أم بحرية؟ في هذا الصدد يبدو أن ديفيد مارتيل لا يوجد لديه شك البتة، فمع القوائم الصغيرة ولكن العملية والذيل القصير وغير المسطح والمنطقة الواقعة خلف تجويف العين في جمجمته الممدودة، يعتبر ثعبان ال ( تيترابودوفيس) حيواناً أرضياً مثله مثل جده الثعبان الأول، من جهتهم لا يعتبر دعاة الأصل البحري لهذا الثعبان حازمين، فحسب رأيهم تعتبر هذه الحفرية استثنائية، ولكن نحن بحاجة للتأكيد على أنها لثعبان على حد قول مايكل كالدويل من جامعة ألبرتا، بكندا، ويرى كالدويل أن بعض الاستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة قابلة للتفنيد، كمسألة القبض والخنق «العصر»، فرأس الثعبان يبدو هو الوحيد الملتف، وهذه الظاهرة يمكن أن تحدث بعد الوفاة، مع حركة الرواسب، وأخيراً، فإنه نظراً إلى كون المعصمان والكاحلان لم يتحولا إلى عظم، فهذا يشير بوضوح إلى أنه من الحيوانات البحرية».
من جهتها تفضل سوزان إيفانز، الخبيرة في دراسة الزواحف والبرمائيات في جامعة لندن الانتظار، وتعتقد أن ال ( تيترابودوفيس)، من الواضح أرضي، ولكن جمجمته المتضررة جداً تجعل من الصعوبة بمكان تصنيفه على وجه اليقين في طائفة الثعابين، ويجب علينا أن ننتظر إعادة تشكيله الرقمي لنقرر فإذا كان ثعباناً، فإنها ستكون ضربة قوية لفرضية الأصل البحري.
هذا النقاش يذكرنا بالمماطلة والتردد في عام 2011 حول ال «archaeopteryx» الذي قيل إنه كان طائراً ثم تحول إلى ديناصور، قبل أن يصبح مرة أخرى طائراً في عام 2013، مثله مثل هذا الكائن الأسطوري، نجد أن هذا الثعبان ذي القوائم الأربع، يثير من الأسئلة أكثر مما يجلب الردود، ويخشى أن يتجول من مكان إلى آخر في شجرة الحياة في سياق الدراسات والاكتشافات في المستقبل.

الموزاصور.. التحدي الآخر

تستند أطروحة الأصل البحري للثعابين على الموزاصور، وهو من الزواحف البحرية العملاقة التي عاشت في العصر الطباشيري، ففي العام 1997، عرض الباحثان مايك لي ومايكل كالدويل أحفورة لأحد الزواحف البحرية المزود بقائمتين خلفيتين باعتباره الحلقة المفقودة بين الموزاصور والثعابين، ولذلك فإن هذه الأخيرة ظهرت في البحر، ولكن منذ ذلك الحين، جاءت العديد من الدراسات المورفولوجية والجزيئية واكتشاف حفر أخرى مثل أل«تيترابودوفيس»، لتناقض هذه الفرضية، فالموزاصور له ذيل طويل، في حين أن حفر ثعابين البحر لها ذيل قصير، فلماذا نضيع هذه الميزة المحركة؟ على حد قول سوزان إيفانز، الخبيرة في دراسة الزواحف والبرمائيات.