* روى مسلم عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه.

الاستقامة خير من ألف كرامة، عمل قليل صالح دائم على إخلاص وتقى واستقامة وصلاح خير من أعمال كالجبال لغير وجه الله، ومن استقام استراح قلبه واطمأنت نفسه وتبشره الملائكة بحسن الخاتمة عند موته لأنها كانت في صحبته ومعيته حال حياته، فقد كان من الطائعين الصالحين المحسنين، إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.

* أن يصل المؤمن إلى درجة عالية من الإيمان واليقين فهذا خير، أما أن يستقيم على هذه الحال فهنا تكون المجاهدة وهنا يعظم الأجر، فالمؤمن لا يفرط في دينه ولا يذوب في بيئة الفساد ولا يتأثر بأحوال العصاة بل يؤثر فيهم، ولا يتغير بسبب عصيانهم بل يغيرهم، فهو يقود غيره للحق الذي يراه ولا ينقاد مع الغافلين إلى الباطل الذي يزينه الشيطان، حتى ولو كان وحده في الميدان، وكان عمر يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة وجلد الفاجر.

وقد مدح الله أتباع الأنبياء الذين ثبتوا واستقاموا رغم شدة المحن والفتن فقال سبحانه: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

ألا يكفي أن أشد آية نزلت على رسول الله هي قوله تعالى في سورة هود: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون خبير، وفي سورة الشورى قال له: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم. روى الطبراني في الكبير عن عقبة بن عامر وأبي جحيفة وسهل بن سعد أن الصحابة قالوا: يا رسول الله قد شبت قال: شيبتني هود وأخواتها. وفي رواية: شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت.

* بشرى اليوم لأهل الاستقامة، ترى ما هي أول بشرى يبشرون بها؟

1- أنهم في معية الله وتصحبهم الملائكة تدعو لهم وتشد من أزرهم وتكون في نصرتهم، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فالملائكة جلساء للعلماء وطلاب العلم والذاكرين الله والمتحلقين حول القرآن تلاوة ودراسة وفهما وتدبرا، وكم من نصوص جاءت تؤكد حب الملائكة ورضاها ودعاءها لمن يسعون في طاعة الله، روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي قال: من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا. وروى أحمد وابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي قال: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وروى الترمذي عن أبي أمامة أن رَسُول اللهِ قال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رَسُول اللهِ: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير، والملائكة تصلي على أحدنا ما دام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه.

2- عدم الخوف مما هم مقبلون عليه بعد الموت من أهوال البرزخ والقيامة، وعدم الحزن على ما فاتهم من حظوظ الدنيا العاجلة. ونزول الملائكة عند الموت بالبشرى هي أعظم فرحة للمؤمن لأن ما بعدها أهون وأيسر فما أشبه الأمر بنتيجة امتحان كان ينتظرها الطالب فجاء من يبشره بالنجاح والفوز فكم يكون سروره وتكون فرحته؟

3- حسن الخاتمة، روى أحمد في مسنده والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك عن أنس عن النبي قال: إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه.

* الذي حدد لنفسه الغاية من العمل وصحح القصد والنية والإرادة فيما يقوم به من طاعة، وابتغى بعمله وجه الله لا وجه الناس، ولم يلتفت يمينا ولا يسارا وعصم فكره وقلبه بكتاب الله وسنة نبيه، فهذا هو المحفوظ بعناية الله لا يهلك في دروب الباطل الكثيرة، فالحق نور واحد والباطل ظلمات متعددة.