من المعروف أن الكتب السماوية قبل القرآن نزلت جملة واحدة ولقد اشتهر ذلك بين جمهور العلماء حتى كاد يكون إجماعاً، أما القرآن الكريم فلقد نزل مفرقاً على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الحاجة، خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين جملة، وصح نزول غير أولي الضرر (النساء: 95) وحدها وهي بعض آية ونستطيع أن نستخلص حكمة نزول القرآن منجماً من النصوص الواردة في ذلك منها:
- تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (الفرقان: 32).
وفي ذلك رعاية من الله وتأييد لرسوله أمام تكذيب خصومه له وإيذائهم الشديد له ولأتباعه، فقد كانت الآيات الكريمة تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له وشحذاً لهمته للمضي في طريق الدعوة مهما اعترضته المصاعب والشدائد، وتقوية لقلبه الشريف، فقد تعهده الله- سبحانه وتعالى - بما يخفف عنه الشدائد والآلام، فكان إذا اشتد عليه الأذى نزلت الآيات تسلية له وتخفيفاً عما يلقاه تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين ليقتدي بهم في صبرهم وجهادهم، قال تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا (الأنعام: 34)، وقوله تعالى: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل (الأحقاف: 35)، وقوله: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا (الطور: 48).
وقد أوضح الباري جلت عظمته الحكمة من ذكر قصص الأنبياء فقال: وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك (هود: 120).
وتارة عن طريق الوعد بالنصر والتأييد للنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وينصرك الله نصراً عزيزاً (الفتح: 3)، وقال سبحانه: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون (الصافات: 171-173).
وأخرى عن طريق إخبار الرسول باندحار اعدائه وانهزامهم كما في قوله تعالى: سيهزم الجمع ويولون الدبر (القمر: 45)، وقوله: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (آل عمران: 12).
إلى آخر ما هنالك من ألوان في التخفيف عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتطبيب نفسه وفؤاده ولا شك في أن في تجدد نزول الوحي، وتكرر هبوط الأمين جبريل بالآيات البينات التي فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها الوعد بالنصر والحفظ والتأييد كان له أعظم الأثر في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم لمتابعة الدعوة والمضي في تبليغ الرسالة الإلهية لأن الله معه، وهل يشعر بالخذلان والفتور من كانت عناية الله تحوطه وعين الله ترعاه؟!
التلطف بالنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي، قال تعالى: إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً (المزمل: 5). فالقرآن- كما هو مقطوع به- كلام الله المعجز الذي له جلال ووقار، وهيبة وروعة، وهو الكتاب الذي لو أنزل على جبل لتفتت وتصدع من هيبته وجلاله كما قال تعالى: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله (الحشر: 21) فكيف بقلب النبي الرقيق؟ هل يستطيع أن يتلقى جميع القرآن من دون أن يتأثر ويضطرب ويشعر بروعة القرآن وجلاله؟
ولقد أوضحت السيدة عائشة رضي الله عنها حال الرسول صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه القرآن، وما يلاقيه من شدة وهول من أثر التنزيل فقالت- كما رواه البخاري: لقد رأيته حين ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه- أي ينفصل- وإن جبينه ليتفصد عرقاً، أي يتصبب عرقاً وذلك من شدة الوحي ووطأته على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن حكمة التنجيم أيضاً: تسهيل حفظ القرآن على المسلمين وفهمهم وتدبرهم له إذ نزل القرآن عليهم وهم أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، سجلها ذاكرة حافظة، ليست لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدون تم تحفظ وتفهم هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (الجمعة: 2)، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي (الأعراف: 157).
فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته، فكان نزوله مفرقاً خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته، كما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة وتدبروا معانيها ووقفوا عند أحكامها، واستمر هذا منهجاً للتعلم.
عن أبي نضرة قال: كان أبوسعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات خمس آيات، وعن خالد بن دينار قال: قال لنا أبوالعالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذه من جبريل خمساً خمساً.
وعن عمر قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمساً خمساً.
وهكذا تدرج نزول القرآن الكريم في تربية الأمة الإسلامية تدرجاً فطرياً لإصلاح النفس البشرية واستقامة سلوكها، وبناء شخصيتها وتكامل كيانها، حتى استوت على سوقها وآتت أكلها الطيب بإذن ربها لخير الإنسانية كافة.
* جامعة الشارقة