لو تأملنا شجرة الإسلام لوجدنا أن بذرتها التوحيد، وغذاءها اليومي الصلاة، أما الإنفاق فإنه يطهرها من الحشائش الضارة كالحقد والغل والحسد .
ويأتي الصوم فيضبط الاندفاعات النفسية الخاطئة في أخطر مظاهرها (شهوتي البطن والفرج) .
ثم مسك الختام الحج، يسقي شجرة الإيمان والإسلام تسليماً .
ولو وقفنا مع الصوم وتأملناه لوجدنا ما يلي:
* الصوم يذكر بنعم الله حين يفتقدها الإنسان، وهذا يجعله أكثر قرباً من المنعم .
* الصوم افتقار وتجرد وحاجة ماسة دائماً وأبداً إلى الله تعالى .
قال سبحانه في سورة فاطر: "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"، (15) .
وما دام الأمر كذلك فليس من اللائق أن يعصي العبد ربه .
* الصوم يمنع من ملذات النفس وشهواتها .
* الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له، ولذلك لا رياء فيه دون بقية العبادات، يقول رب العزة في حديثه القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" .
* الصوم ينمّي الإحساس بآلام الآخرين، ويحقق التكافل والشعور بالأخوة الدينية، قيل ليوسف عليه السلام: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخشى إن شبعت أن أنسى الجائع .
وتخبرنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم جمحت نفوسهم .
* الصوم يعود الإنسان الخشية من ربه في السر والعلن، إذ إن الصائم لا رقيب عليه إلا ربه .
لا جرم أنه بتكرار ذلك يتعود الحياء من ربه، والمراقبة له في أمره ونهيه .
وفي ذلك تكميل له وضبط للنفس عن شهواتها، وشدة مراقبتها لبارئها .
ومن كملت فيه هذه الصفة لا يقدر على غش الناس ومخادعتهم، ولا على أكل أموالهم بالباطل، ولا على هدم ركن من أركان الدين كالزكاة، ولا على اقتراف المنكرات واجتراح السيئات، وإذا ألمّ بشيء منها يكون سريع التذكر، قريب الرجوع والتوبة الصحيحة، كما قال تعالى في سورة الأعراف: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"، (201) .
* الصوم يعّود الأمة النظام في المعيشة، فهم يفطرون في وقت واحد، لا يتقدم واحد على آخر .
* الصوم يفني المواد الراسبة في البدن، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من السموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم الذي هو شديد الخطر على القلب .
إن صيام شهر واحد في السنة يذهب الفضلات الميتة في البدن مدة سنة!
ومن يصم على هذا الوجه يكن راضياً مرضياً مطمئناً، لا يجد في نفسه اضطراباً ولا قلقاً من مزعجات الحوادث، ولا عظيم المصائب والكوارث .
ويكفي أن "الصيام جُنة" كما أنبأنا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أي ستر ووقاية من المعاصي والآثام .
قيل: إن الوثنيين كانوا يصومون لتسكين غضب الألهة أو إرضائها أو استمالتها، ويرون ذلك بتعذيب النفس، وإماتة حظوظ الجسد، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم يعدّنا للسعادة بالتقوى فهلاّ أدينا للصوم حقه؟


د . رشاد سالم