* كثيرا ما ترى مسلما يدعو ربه ويطلب الدعاء من غيره من الله بالستر، فالله حيي كريم ستير، يحب الستر على عبده إن وقع في وحل الخطايا وتلطخ بنجاسة المعصية، لأنه يحب له العودة من قريب والتوبة من الذنوب، وقد سمى نفسه التواب وسمى نفسه الغفار والرحمن والرحيم والرؤوف والعفو، وهو يحب من عباده الرحماء الذين يسترون ما يرونه على عباده من فضائح وعورات، وذلك لحكم كثيرة فيها صلاح الفرد والأمة أذكر منها ثلاثاً مهمة:

1- مساعدة العاصي على التوبة وعونه على النهوض بعد السقوط حتى لا يقتله اليأس من رحمة الله فيزداد عصيانه وتزداد ذنوبه وخطاياه.

2- ألا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فالمعاصي إذا شاعت في الأمة اتخذها ضعاف الإيمان مبررا للوقوع فيها ويقول أحدهم لنفسه كل الناس يفعلون هكذا فتخرج هيبة الدين من القلوب وتصبح المعاصي مألوفة لا نفرة منها ولا بغض لها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: كل أمتي معافى إلاّ المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه.

3- ألا نكون عونا للشيطان ضد المسلم الذي زلت قدمه، فإذا رأى العاصي من يفضحه ويسبه بدل أن يستره وينصحه سرا ويدعو له بظهر الغيب فإن الشيطان سيتعاظم عليه ولاسيما في حال ضعفه وانصراف الناس عنه، نعم نحن نبغض المعصية ولكننا نحب للعاصي التوبة والأوبة والرجوع من قريب.

* هذه صور من ستر المسلم لأنها ستترتب عليها البشرى التي تتوق إليها نفس كل مؤمن طاهرة طيبة:

1- روى البخاري عن أبي هريرة قال: أتى النبي برجل قد شرب، قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان. فالرسول ما رضي بسبه وجرحه.

2- وروي عن عمر بن الخطاب أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو: بسم الله الرحمن الرحيم. حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه.

3- روى مسلم عن جندب البجلي عن رسول الله أنه قال: إن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان. وإن الله تعالى قال: ومن ذا الذي يتألّى عليّ ألاّ أغفر لفلان، فإني غفرت له وأحبطت عملك.

4- ومرّ أبو الدرداء على رجل قد أصاب ذنباً فكانوا يسبّونه فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي، وقال أبو الدرداء: ادع الله في يوم سرّائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرّائك.

* والآن ما هي البشائر لمن ستر مسلما ومسلمة؟

1- روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ليس هناك من عاقل يحب لنفسه الفضيحة إذا زلت قدمه ولا سيما أنه ليس أحد بمعصوم عن الخطأ والزلل، فالذي يحب أن يُعامل به من الله ومن الناس عليه أن يتعامل به مع الله ومع الناس، هو يريد من الله أن يستره في الدنيا بين خلقه وفي الآخرة بين يديه، ويريد من الناس أن يستروا عليه عند الزلل ليعينوه على نفسه وشيطانه بالخروج من الذنب بالتوبة، فعليه أن يعامل عباد الله بهذا حتى يكون الجزاء من جنس العمل، والحديث السابق شاهد للمسألة.

2- من ستر مسلما فله ثواب من أحيا طفلة موؤدة من قبرها، وإذا كان الذي سقى كلبا شربة ماء من عطش قد شكر الله له وغفر له وأدخله الجنة فكيف بمن أحيا نفسا بشرية! كم يكون أجره عند ربه؟ هذا الأجر لمن ستر على مسلم عورة، روى ابن حبان والبيهقي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤدة من قبرها.