إلياس سحّاب
ولدت في مطلع القرن العشرين، ورحلت في آخر الربع الثالث منه (في مطلع شهر فبراير/ شباط من العام 1975)، ومع ذلك، فقد انقضى القرن الماضي والأمة العربية تعتبر أم كلثوم سيدة الغناء العربي في القرن العشرين . وها أن قسماً من القرن الحادي والعشرين قد انقضى، ولم يظهر في الغناء العربي صوت نسائي يزاحم أم كلثوم في موقعها، ولا يمكن لنا التنبؤ بالمدى الزمني الذي سيظهر فيه عند العرب صوت نسائي، مرتبط بنهضة موسيقية وغنائية عارمة، وينافس أم كلثوم على موقعها .
أمر طبيعي بل بديهي وليس فيه أي غرابة، ذلك أن ظواهر غنائية وموسيقية كالتي مثلها محمد عبدالوهاب (مطرباً وملحناً) ومثلتها أم كلثوم، مع رعيل ملحنيها الثلاثة القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي، يصعب تكرارها، ولو بمعدل مرة في كل قرن .
وفيما يتعلق بأم كلثوم بالذات، فقد أتيح لها أن تتأسس بعمق في أحضان مدرسة الإنشاد الديني، في مدة قد تقارب العشرين عاماً . فهي عندما انتقلت للاستقرار في القاهرة نهائياً، في العام 1923 (عام رحيل العبقري سيد درويش)، كانت المنشد الأول في فرقة الإنشاد الديني التي أسسها والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي .
وحتى في القاهرة، ظلت أم كلثوم تقدم حفلات الإنشاد الديني، مع بعض قصائد الشيخ أبو العلا محمد، حتى العام 1927 عندما تفرغت للغناء على التخت الموسيقي الذي كونه وقاده العبقري محمد القصبجي وكان عازف العود فيه، إلى جانب سامي الشوا على الكمان، والعقاد الكبير على القانون .
يسجل للشيخ أبو العلا محمد أنه هو الذي قدم بقصائده الفصحى الجسر الذي عبرت عليه أم كلثوم من الإنشاد الديني إلى الإنشاد الدنيوي .
بعد الشيخ أبو العلا محمد، الذي دربها على أداء القصائد، وبعد تأسسها المتين والطويل والعميق في حضن مدرسة الإنشاد الديني، دخلت أم كلثوم في الحضانة الفنية لمحمد القصبجي، أحد أخطر مجددي الموسيقى العربية في القرن العشرين، واحد أعظم عازفي العود فيه .
وقد أتيح لأم كلثوم منذ بداية تعاونها مع محمد القصبجي، وأداء مونولوجاته التجديدية، أن تضع حداً نهائياً لعصر كامل من الغناء النسائي، كانت تتربع على عرشه كل من منيرة المهدية وفتحية أحمد، وتعلن بأغنيات مثل "إن حالي في هواها عجب" و "إن كنت أسامح" مولد عصر جديد من الغناء النسائي العربي .
لم تكتف أم كلثوم بكل ذلك، بل قدر لها الدخول في الرعاية الثقافية للشاعر أحمد رامي، الذي انتقل من كتابة الشعر بالفصحى، إلى كتابته بالعامية المصرية، خصوصاً لغناء أم كلثوم .
ولم يكتف رامي بهذا الدور في حياة أم كلثوم، بل انطلق يستفيد من رئاسته لدار الكتب، في عقد جلسات تثقيفية أسبوعية لأم كلثوم على مدى عشرات السنوات، يعرفها من خلالها على أمهات كتب الثقافة العربية . كما أنها اندفعت إلى تعلم اللغة الفرنسية على أيدي صديقاتها من بنات مجتمع النخبة في القاهرة .
مع مطلع الثلاثينات، دخل عالم أم كلثوم الغنائي، إلى جانب القصبجي، العبقري الشيخ زكريا أحمد، فأصبح عقد الثلاثينات مجالاً لتنافس مبدع وخلاق بين الروح التجديدية الوثابة لمحمد القصبجي، والروح التقليدية العميقة لزكريا أحمد . وفي هذه الأثناء ظهر في المشهد في منتصف عقد الثلاثينات، العبقري الثالث رياض السنباطي، الذي بدأ حياته كملحن متأثراً بروح محمد القصبجي، ثم ما لبث أن استقل بشخصيته الفنية الخاصة المتميزة .
إنه إذاً عالم متكامل وغني من الغوص في أعماق فنون الإنشاد الديني والدينوي، والإحاطة بثلاثة من أكبر عباقرة الموسيقى العربية في القرن العشرين، ما لبثت أم كلثوم أن انفردت بثالثهم وأكثرهم شباباً، رياض السنباطي حتى منتصف الخمسينات، عندما بدأت أم كلثوم تجدد شبابها الفني بالاحتكاك بالمواهب الموسيقية العربية الصاعدة مثل العبقريين محمد الموجي وكمال الطويل في البداية، ثم العبقري الشاب الثالث بليغ حمدي في نهاية الخمسينات .
هذه المسيرة فاحشة الثراء توجتها أم كلثوم في العقد الأخير من عمرها، بإبرام اللقاء التاريخي المنتظر بينها وبين زميلها في العبقرية محمد عبدالوهاب، فظلت تغني من ألحانه المتجددة منذ العام ،1964 حتى العام ،1973 الذي شهد آخر حفلاتها الغنائية، قبل رحيلها بسنتين . إن تكرار ظاهرة كظاهرة أم كلثوم عند العرب في القرن الحادي والعشرين، يقتضي منطقياً أن تتكون هذه الظاهرة في أحضان ظروف فنية وثقافية كالتي تكونت فيها عبقرية أم كلثوم أو تشابهها .