الحركة في العمل الفني تعطينا الحرية الواسعة الواضحة والتي تجعل كل شيء ممكناً في التشكيل الفني الذي يبدو أكثر واقعية بتنظيم المحيط حوله . هذا ما يقوله محمد فهمي عن موضوعه، ولكن الدكتور علوي الهاشمي، الذي من وحي كتاباته استمد فهمي موضوعه، يقول: إن أعمال محمد فهمي الفنية الأخيرة، قد نقلت نظرية السكون المتحرك من حيز اللغة المسموعة إلى حيز اللغة المرئية حيث اللون أو الحركة والحرف والفراغ والضوء والظل . أبعد من ذلك، أننا نرى الفنان قد أدخل هذه العناصر المتقابلة في حالات تركيبية متبادلة .
ذلك ما وصل إليه محمد فهمي بعد رحلة طويلة من البحث والتجريب في الفنون التشكيلية على مدى يقرب من الأربعين عاما، ولكن، إذا عدنا للبدايات، سنجد محمد فهمي يقول: طفولتي كانت رائعة استمتعت بها كثيراً، كونت الكثير من الصداقات ومارست هواياتي بصدق وبعفوية مطلقة، يأسرني المكان، يأسرني الجمال، تأسرني العلاقات الإنسانية الرقيقة منذ أن وعيت، ومارست الرسم على الجدران بشغف، كنت أرسم على الطين، على كتب المدرسة وحتى على الأرصفة وكان الفحم أول مادة تعاملت معها، أحمل الكثير من الذكريات الجميلة والراسخة حتى يومنا هذا .
يعترف محمد فهمي بالفضل لكثيرين ممن وقفوا معه في بداياته الأولى وكان لهم الأثر الكبير في توجهه الفني، وعلى رأسهم الفنان المرحوم الدكتور خالد الجادر والفنانة سلمى العلاق التي دعمته لمدة أربع سنوات .
حاول محمد فهمي الدراسة في أكاديمية الفنون في بغداد إلا أنه فصل منها لاختلافات سياسية واضطر لدراسة السياسة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية، وكان هناك مرسم تشرف عليه الفنانة سلمى العلاق التي كان لها تأثير كبير في بداياته الفنية، إضافة إلى خالد الجاد رالي والذي كان يشرف على مرسم كلية الآداب وكان الفنان يذهب إليه لنهل المعرفة الأكاديمية التي فقدها بفصله من الأكاديمية، وقد أقام أول معرض شخصي في الجامعة في العام 1977م، كما فاز بالجائزة الأولى كأحسن فنان في جامعات الوطن العربي .
عندما حضر محمد فهمي إلى الإمارات في سبعينيات القرن الماضي، كان يبحث ويسأل عن أماكن لعرض أعماله الفنية، تَعَرَّف إلى بعض الفنانين هنا، وكان منهم الفنان عصام شريدة الذي ساعده على التعرف إلى الفنانين التشكيليين في الدولة وكان منهم محمد يوسف الذي يجمعه معهم التوق إلى تجمع يضم الفنانين التشكيليين، وكانوا يجتمعون في أبو ظبي، إلى أن قاموا في العام 1980 بإشهار جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، إلا أن فهمي لم يحضر هذا الحدث المهم لوجوده في باريس لدراسة الفن التشكيلي في جامعة السوربون .
يعود فهمي إلى الإمارات ويستمر في العطاء الفني متبنيا الانطباعية مذهباً ليسجل مناظر من الإمارات إضافة إلى مواضيع اجتماعية وقومية، امتازت بشفافيتها وألوانها وحسها العاطفي، وفي بعض الأحيان متأثراً بأسلوب أستاذه المرحوم الدكتور خالد الجادر، المعتمد على التركيز على جزء من العمل الفني واضحا مع تجريد الأجزاء الأخرى نسبياً، مع تقنية مميزة لاستخدام الألوان وضربات الفرشاة .واستمر في هذا المجال فترة طويلة إلى أن انتقل إلى مرحلة تجريدية- مستفيداً من تمكنه لونياً وتقنياً - تمتاز بالهرموني اللوني الذي يحث على التعمق داخل العمل الفني من أجل الحصول على أكبر مساحة للرؤية .
يأتي عام 1999 ليتبلور لدى الفنان ما يريد، خصوصاً بعد مرحلة من القلق والبحث والتأمل، في هذا الوقت، كان الفنان يخرج كتاب الدكتور علوي الهاشمي عن السكون المتحرك وتجربة الشعر التجريبي المعاصر ومن خلاله، وجد أنه يمكن تطبيق هذا التجريب في مجال الفن التشكيلي، فبدأت تنتابه هواجس مختلفة، إلى أن تبلورت في معرضه في العام 2001 والذي أقامه خلال دراسته العليا في جامعة فيرني في مدينة أوكلاند في نيوزيلندا . في هذه التجربة، رسم فهمي لوحات ثم قسمها إلى أجزاء، 16 جزءاً أو ،40 وكان يطلب من الجمهور إعادة تركيبها بالشكل الذي يستهويه، وبذلك حصل، من خلال التوثيق الفوتوغرافي، على عدد كبير من التركيبات، التي تعبر كل واحدة منها عن رؤية ذاتية للشخص الذي أسهم في إنجازها .
المرحلة التالية في مشروعه الفني السكون المتحرك كانت عبارة عن أسلوبين مختلفين داخل اللوحة الواحدة، مثلا، يعمل عملا تجريديا كاملا، أي حالة ساكنة، كما يقول، ثم يدخل عليها موضوعاً بأسلوب واقعي، وهي أيضا نقطة ساكنة، وتأتي الحركة وهي حركة عقلية مقرونة بالحالة البصرية للمتلقي أو الفنان نفسه، هنا نرى الفنان قد استمد ألوانه الواقعية من ألوان التجريد ما يتيح للحركة البصرية- العقلية- أن تتجول بسلاسة ونعومة .
تكتمل تلك المرحلة في عمله في جامعة أوكلاند الذي أطلق عليه تبادل أو تقاطع interchange وكان مكوناً من أعمال فنية مصحوبة بعرض فيديو ومسجل صوت، كان عرض الفيديو منعكساً على العمل الفني المرسوم، وبذلك، يتغير شكل العمل بتغير الصورة المعكوسة، أما الصوت المصاحب فكان يعكس الحالة العراقية بشمولها، أصوات دبابات، مدافع، صراخ نسوة، وهكذا . . فكان أصدق تعبيراً عن مفهوم السكون المتحرك .
في السياق نفسه يقدم محمد فهمي عمله المهم في متحف الشارقة للفنون بمناسبة اليوبيل الفضي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، بعنوان: احتجاج وهو احتجاج على جدار العزل العنصري، لذا استخدم كلمة احتجاج، يحتج، نحتج، وهكذا وبأحجام مختلفة وبالأسود على خلفية بيضاء من الحجم الكبير، في خلفية العمل هناك شاشة تعرض نماذج لما يحدث في العالم من مآس وحروب وجوع وفقر، كما رسم الخطوط الخارجية لشخص يحتل مساحة كبيرة من الخلفية، وكأنه يريد أن يقول إن الإنسان أكبر من كل المآس والجدران، كما وضع أمام العمل، كاميرا رقمية، تصور الشخص الناظر فيه للعمل (المتلقي) مشاركاً فاعلاً فيه وفي الوقت نفسه يتغير إلى شخص آخر، وهذا يؤكد فكرة السكون المتحرك .
في أعماله الحديثة، يبين فهمي السكون المتحرك من خلال دمجه لأساليب فنية عدة في العمل الواحد رسمت في أوقات مختلفة، ويقصد من خلالها أن يبرز للجمهور حالة الحركة لديه . ابتداء من هذا الموضوع ستكون الأعمال متصلة ببعضها بعضاً من دون فراغات مكانية أو زمانية .
ركز محمد فهمي في لوحاته الأخيرة على نظرية السكون المتحرك وبأكثر من طريقة، أولاً، الألوان ثم الموضوع وأخيراً الأسلوب . بالنسبة للألوان، وهي من أولويات محمد فهمي، نجدها نظيفة مبهجة وفي الوقت نفسه متحركة، أعني بمتحركة أنها تضم جميع الألوان الحارة والباردة، متضادة ومتجانسة، تجعل عين المتلقي يتابعها من نقطة لأخرى من دون ملل أو كلل، بل باستمتاع أخاذ ليعود إليها بعد فترة وكأنه يمر بها للمرة الأولى، لتأخذه في حركات أفقية وعمودية ودائرية لتجول وتصول في أرجاء اللوحة . وهنا ننجذب إلى موضوعه الذي يريد أن يوضحه من خلال السكون المتحرك، الموضوع هنا أحيانا يكون واضحاً تماماً وأحياناً يحتاج إلى بعض التدقيق . أما بالنسبة للأسلوب فنجده يمزج التجريدي في جزء والواقعي في جزء آخر من العمل الفني من دون أن يخل بالتوازن والتكوين العام للوحة ومن دون إقحام لأسلوب على حساب آخر، بل نجد الفنان قد أقنعنا، على الأقل، بعد برهة من التأمل، بنظرية السكون المتحرك التي تبناها كهدف وكنظرية فنية مهمة .
أود أن أختم موضوع الفنان محمد فهمي على لسانه حيث يقول في نهاية مقابلتي معه في العام 2011: أنا لا أعتب على أحد، ولكن البعد المكاني أدى دورًا في نسيان جزء من تجربة مسيرة محمد فهمي، الآن بدأت أسترجع نوعا ما كنت أعتبر نفسي من المؤسسين الحقيقيين في بناء التجربة الفنية في دولة الإمارات ، ولكن هجرتي في سنة 1995 إلى نيوزيلندا إلى الآن لعبت دورا في تقليل مشاركاتي، ولكنها خدمتني من جهة ثانية في الاطلاع والدراسة، كما أنني فخور لتأسيس جماعة الجدار التي أعتبرها مهمة جدا في تاريخ الحركة التشكيلية في الإمارات، ومازالت متماسكة وتعرض باستمرار ولها تجربة غنية وأسهمت بشكل كبير في بناء التجربة التشكيلية في الدولة .
أود أن أضيف أن الفنان محمد فهمي من الفنانين الرواد المهمين وممن لهم بصمة مؤثرة في الواقع التشكيلي في الإمارات .
اللوحات للفنان محمد فهمي