منذ الأول من سبتمبر/ أيلول 1969 وقيام مجموعة من الضباط الشبان من ذوي الرتب الصغيرة بقيادة الملازم معمر القذافي بتحرك ضد النظام الملكي وأعلنوا الجمهورية العربية الليبية، عرفت ليبيا تحولات دراماتيكية وأطوار غريبة لمسار وأشكال حكم الثورة العتيدة .
وكانت القاعدة الاجتماعية لمجلس قيادة الثورة الليبية هي الطبقة الوسطى الدنيا بشكل أساسي . وكان عضوان فقط من أعضاء مجلس قيادة الثورة الاثني عشر من قبيلتين كبريين، هما محمد المقريف من قبيلة المغاربة، وأبو بكر يونس جابر من قبيلة المجابرة، إلا أن عضواً واحداً فقط، هو عمر المحيشي، كان يتحدّر من عائلة بارزة في مدينة مصراتة الساحلية .
أما بقية الأعضاء فقد كانوا يتحدّرون من قبائل الدواخل الصغرى الفقيرة أو الفئات الاجتماعية الفقيرة في المدن الساحلية . وبذلك يمكن القول إن الثورة قيدت من قبل الطبقة الوسطى الدنيا المتحدرة من الدواخل والواحات ضدّ العائلات المتنفذة في المدن الكبيرة وشيوخ القبائل المسيطرة .
جرى الاعتماد على قوة الشرطة، بدلاً من الجيش، في حماية النظام، وهي الخاصية المميزة لسياسات الملكية . وكانت القوة البالغ عددها 12 ألف فرد حسنة التجهيز، وأفرادها مجنّدين من بين أفراد القبائل الموالية، في حين إن الجيش الصغير لم يتجاوز عدده في أي وقت من الأوقات ال 6500 فرد . كما كان أفراد الجيش من الطلبة غير المنتمين إلى النخبة، كما هو الحال بالنسبة إلى العديد من أعضاء حركة الضباط الوحدويين الأحرار السرية ولجنتها المركزية .
انتهجت أيديولوجيا مجلس قيادة الثورة مبدأ معاداة الاستعمار، والتمسّك بالقومية العربية، وتقرير المصير، والعدالة الاجتماعية . وقد شجع على ذلك فساد النظام القديم . وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة معادين للشيوعية أيضاً، الأمر الذي وفّر لهم اعترافاً عالمياً من قبل إدارة الرئيس الأمريكي نيكسون . وعلى الرغم من خطاب النظام الجديد بشأن التغيير الجذري، فإنه استمر في انتهاج عدد من السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت متّبعة من قبل الملكية، واستمرت هذه السياسات في التطور على مدى واسع عندما تمّ بناء البنية التحتية للبلد . وواقعياً، بدأ معظم الليبيين بالاستفادة من توسع دولة الرفاه من خلال المستشفيات الجديدة والطرق والمدارس، بفضل ارتفاع العائدات النفطية .
وبعد نجاح مفاوضات استعادة القواعد العسكرية الإنجليزية والأمريكية أحرز النظام تأييداً وطنياً . أكثر من ذلك، عزّز النظام سيطرة ليبيا على مواردها النفطية من خلال زيادة أسعار النفط وتحقيق مشاركة الدولة في الانتاج عام ،1973 على عكس سياسة النظام القديم الذي ترك قطاع النفط بالكامل تحت سيطرة الشركات المتعددة الجنسية .
واتباعاً لسياسة الملكية، حظر مجلس قيادة الثورة الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية المستقلة عامي 1970 و،1971 إذ حكم قانون تجريم الحزبية الصادر عام 1972 في مادته الثالثة بالإعدام على من دعا إلى إقامة تجمع أو تنظيم سياسي، أو من قام بإدارته أو تمويله أو من أعد مكاناً لاجتماعاته أو من انضم إليه أو حرض على ذلك بأي وسيلة كانت، أو قدم أي مساعدة له . كما يحكم بالسجن مدة لا تقل عن 10 سنوات على من تستر على التنظيمات والتكوينات السياسية السرية ،كما جاء في المادة الرابعة .
وجرى تبنّي النموذج المصري الناصري القائم على نظام الحزب الواحد، مسمياً تنظيمه الاتحاد الاشتراكي العربي . بعد ذلك بعامين، تمّ التخلي عن هذا النموذج بسبب فشله في تعبئة الجماهير الليبية . وفي مواجهة معارضة النخبة القديمة، والتلكؤ البيروقراطي، وفشل الاتحاد الاشتراكي العربي، أعلن القذافي ثورته الشعبية الخاصة ضدّ البيروقراطية القديمة في خطابه الشهير في مدينة زوارة في 15 يوليو/ تموز 1973 . وقد طلب من الناس في هذا الخطاب إحلال اللجان الشعبية للعاملين محل البيروقراطية القديمة في أماكن العمل . وقد أدت مبادرة القذافي هذه إلى انشقاق داخل مجلس قيادة الثورة حول دور وصلاحيات اللجان الشعبية .
وعكس عدم الاتفاق هذا اختلافات أيديولوجية كبرى داخل مجلس قيادة الثورة حول الاتجاه الذي تسير فيه الثورة . كانت وجهة نظر الجناح التكنوقراطي الذي قاده عمر المحيشي، وزير التخطيط، تؤكد ضرورة الكفاءة المهنية والخبرة، في حين أصرّ القذافي على التعبئة الأيديولوجية والولاء السياسي . وحين أخفق الجانبان في التوفيق بين اختلافاتهما، كانت النتيجة انقلاباً داخل مجلس قيادة الثورة قاده المحيشي ضدّ القذافي . وبوقوف عبد السلام جلود، العضو الأساسي في المجلس، إلى جانب القذافي، فشل الانقلاب . ففرّ عمر المحيشي إلى المنفى في تونس، ثمّ إلى مصر، وعزّز القذافي سلطته إلى جانب أربعة أعضاء من المجلس . ومع نهاية عام ،1975 فقدت المجموعة الحاكمة في تنظيم الضباط الأحرار نصف أعضائها عن طريق التطهير أو الاستقالة، وتصرّف الخمسة الباقون الذين أخذوا جانب القذافي كجماعة حاكمة متلاحمة تحت قيادته . وكان هؤلاء الخمسة فقط من أعضاء مجلس قيادة الثورة، هم من بقي في السلطة، وهم: القذافي، ويونس، وجلود، والخروبي، والحميدي . أما عن البقية، فقد استقال الرائد القروي في فترة مبكرة، وقتل النقيب المقريف في حادث سيارة، وأعفي الرائد نجم من مسؤولياته، ولجأ الرائد الهوني إلى مصر، ووضع الرائد هوادي والرائد حمزة تحت الإقامة الجبرية . وفي النهاية، سُلّم الرائد المحيشي إلى القذافي . كما أُعدم ثلاثة وعشرون ضابطاً حراً بعد إحباط محاولة المحيشي الانقلابية .
وأودع على إثر ذلك الخطاب مئات من خريجي الجامعات والكتاب والمفكرين والإعلاميين والمثقفين السجن لمجرد مناهضتهم لأطروحات القذافي الذي كان يهدف من وراء تلك الثورة إلى تنصيب حكومة الجماهير التي تستند إلى الديمقراطية المباشرة والشعبية، وهو المفهوم الذي اتخذت منه الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى اسمها فيما بعد . وبعد ذلك بعام، تخلى القذافي عن مهامه السياسية والإدارية مع احتفاظه بقيادة البلاد وقيادة الجيش .
وقد لخص القذافي فلسفته السياسية في الكتاب الأخضر، الذي نشر أول مجلد منه في عام ،1976 والذي أصبح حالياً في ثلاثة مجلدات . والذي يعد التحزب خيانة والحزبية إجهاضاً للديمقراطية الحقيقة .
وشهدت تلك المرحلة تحولات غاية في الجذرية باتجاه إلغاء المؤسسات الحكومية بأطرها القانونية والبيروقراطية التقليدية لتحل محلها سلطة الشعب المباشرة . وقد نص إعلان سلطة الشعب على أن السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، فالسلطة للشعب ولا سلطة لسواه، ويمارس الشعب سلطته من طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية، ومؤتمر الشعب العام ويحدد القانون نظام عملها .
وفي مارس عام ،1979 تم أنشئت اللجان الثورية التي شكلت مفصلاًجديداً في تطور النظام السياسي الليبي نظرا لتأثيرها الكبير في المجتمع الليبي . وتكمن وظيفة هذه اللجان الثورية من الناحية الرسمية، في حث الجماهير على المشاركة في اجتماعات المؤتمرات الشعبية، وبقية الأنشطة الثورية، وتوجيه انتباه المؤتمرات الشعبية الأساسية إلى كيفية تحسين نوعية قراراتها واكتشاف الأفراد والجماعات المضادة للثورة .
وبذلك أصبح نظام الحكم جماهيري يعتمد على الديمقراطية المباشرة . الوحدة الأساسية فيه هي المؤتمرات الشعبية الأساسية، حيث يوجد مؤتمر في كل حي سكني أو قرية يضم كل المواطنين البالغين سن 18 من الذكور والإناث يلتقون في تجمع يسمى كومونة، حيث يقسم كل الشعب الليبي على 30 ألف كومونة تضم كل كومونة 100 شخص من الرجال والنساء المقيمين في نفس الحي . المؤتمرات الشعبية الأساسية تنعقد ثلاث مرات في السنة . الاجتماع الأول يخصص عادة لجدول الأعمال المفصل للاجتماعين التاليين . في الاجتماع الثاني يناقش المؤتمر الشعبي الأساسي ويقرر بخصوص المواضيع المتعلقة بجدول الأعمال المحلي الداخلي بينما الثالث يختص بكلا المجالين المحلي والدولي . ويكون لكل مؤتمر شعبي أساسي لجنة شعبية (مجلس وزراء محلي) يقوم بتنفيذ قرارات المؤتمر على مستوى الحي، وخلال المؤتمر الشعبي الأساسي يتم نقاش المواضيع بالجدول بالجلسة الأولى ويقوم الأعضاء بتحرير القرارات والتصويت عليها، التصويت يجري علناً سواء عن طريق رفع الأيدي أو مباشرة بالصوت . يُسير جلسات المؤتمر أمانة يتم اختيارها من قبل الحاضرين وتقوم هذه الأمانة بصياغة القرارات كما تشارك الأمانة في جلسات مؤتمر الشعب العام، ومجموع أمانات المؤتمرات واللجان الشعبية والروابط النقابات والاتحادات المهنية تكون مؤتمر الشعب العام . مؤتمر الشعب العام يقوم باختيار أمانة لتترأس الجلسات وتوقع على القوانين بأمر من المؤتمر وتستلم أوراق اعتماد ممثلي الدول الأجنبية، وتتكون من خمسة أعضاء ويختار المؤتمر الأمانة العامة: وتشمل أميناً عاماً وأميناً لشؤون المرأة، وأميناً لشؤون المؤتمرات الشعبية وأمين لشؤون النقابات والاتحادات المهنية والروابط الحرفية، وأميناً للشؤون الخارجية . كما يختار السلطة التنفيذية (اللجنة الشعبية العامة) .
ومع بداية ثمانينات القرن العشرين، انتهج القذافي سياسة خارجية عالمية مستقلة: شراء السلاح من الاتحاد السوفييتي، وتأييد حركات التحرّر في إفريقيا والشرق الأوسط، مثل: المقاومة الفلسطينية، ومعارضة اتفاقية كامب ديفيد للسلام . وعندما انتخب رونالد ريغان رئيساً لأمريكا، اعتبر نظام القذافي نظاماً راعياً للإرهاب، وشرع عام 1981 في محاولة الإطاحة بحكومة القذافي أو إضعافها من خلال مساعدة أعداء القذافي داخل ليبيا وخارجها .
وازدادت عزلة النظام مع هبوط أسعار النفط هبوطاً حاداً عام 1986 . وفي عام ،1988 اتهم القذافي اللجان الشعبية بإساءة استخدام سلطتها، وأطلق سراح السجناء السياسيين، وتخلى عن كثير من تجاربه في مجال الأسواق التعاونية قبل الرأسمالية والمقايضة .
وفي مواجهة العقوبات الاقتصادية ضدّ ليبيا، شرعت حكومة القذافي بمأسسة السلطة من خلال إنشاء أمانة التعبئة الجماهيرية لتحلّ محل اللجان الثورية، وتبنّت وجهة نظر النظام في مسألة حقوق الإنسان كما وردت في ما يعرف بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
يذكر أن دور اللجان الثورية تحول من مجرد تحريض الجماهير على ممارسة السلطة لتتفرد بالسلطة وتمارس مهام الأجهزة الأمنية وتورطت في القمع والتنكيل بالخصوم السياسيين . وأصبح رؤساء أجهزة الأمن الداخلي والخارجي من عناصر الحركة، وتولى منتسبوها المحاكم الثورية التي حلت محل المحاكم العادية لمحاكمة من وصفوا بالقوى الرجعية .
وكانت التركيبة التنظيمية للجان الثورية تبدأ من قمة الهرم حيث المنسق العام لحركة اللجان الثورية، تناوب عليها عدة منسقين كان آخرهم الدكتور عبدالقادر البغدادي، وقد خلف البغدادي عمر اشكال، الذي بدوره حل محل العقيد محمد المجذوب والذي ترأس الحركة قرابة العقدين . ودشن البغدادي توليه المنصب بإصدار قرار يقضي بإعادة هيكلة الحركة لتصبح جهاز هيراركيا مُنهياً الشكل الذي أخذته الحركة منذ تأسيسها والذي اعتمد على اللامركزية والاستقلالية الجزئية لفرق العمل الثوري .
وكان نجل القذافي سيف الإسلام قد طرح فكرة تأسيس منابر سياسية تكون بمثابة مطابخ لإنضاج القضايا المطروحة للنقاش في المؤتمرات، وتشكلت لجنة تشرف عليها مؤسسة القذافي للتنمية وتضم نخبة من الأكاديميين لوضع تصور لفكرة المنابر السياسية والدور المنوط بها وآلية عملها . وتشكلت بالفعل منابر سياسية تتبع صحيفتي أويا وقورينا .
وما آلت إليه أوضاع نظام الحكم في ليبيا بعد ثورتي تونس ومصر من تصعيد لاستبداد الفرد الطاغية الذي شخصن ليبيا في نفسه ليس من باب الوطنية بل النرجسية، وضع الفصل الختامي المأساوي لنظام حكم حاول ردع الديمقراطية بالجنون .