أمسى المسلمون في ليلة الهرير، بعد يوم عماس، وقد اشتد القتال وكان الفرس لا يريدون غير الزحف، فقدموا صفوفهم، وزاحفهم الناس من العرب والمسلمين من غير إذن سعد رضي الله عنه وكان أول من زاحفهم القعقاع . وقال سعد وهو يخشى: اللهم اغفرها له رضي الله عنه يريد القعقاع)، وانصره، فقد أذنت له وإن لم يستأذني .
ثم إن سعداً رضي الله عنه واعد المسلمين ثلاث تكبيرات ليزحفوا جميعهم . فلما كبر الأولى، تقدمت أسد، ولله در أسد على حسن بلائها في هذه الحرب، فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم . ثم حملت قبيلة النخع، ثم قبيلة بجيلة، ثم قبيلة كندة . ثم تنادى رؤساء المسلمين جميعاً، ورحى الحرب تدور على القعقاع . وتقدم حنظلة بن الربيع، وأمراء الأعشار، وطليحة، وغالب، وجمال أهل النجدات . وعندما كبر سعد رضي الله عنه التكبيرة الثالثة، تلاحق الناس بعضهم بعضاً، وخالطوا جنود الفرس، واستقبلوا الليل استقبالاً بعدما صلوا العشاء، ليس كمثله استقبال لشدة اشتعال النيران وقوة أوارها .
ليلة رهيبة
وفي وقائع ليلة الهرير، أن صليل الحديد فيها، كان كالصوت المنبعث من مصنع السيوف . وظل الأمر كذلك طوال تلك الليلة، حتى انبلج فجر الصباح، وأفرغ اللّه الصبر على المسلمين إفراغاً . وبات سعد رضي الله عنه بليلة لم يبت بمثلها من قبل . ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط .
ولما كان صباح ليلة الهرير، دعا سعد رضي الله عنه الناس إلى الانتماء، فانتسب كل منهم إلى قبيلة . فاستدل سعد رضي الله عنه بذلك على أنهم الأعلون . وأن المسلمين هم الظافرون . وكان أول ما سمعه عندما انتصفت ليلة الهرير، صوت القعقاع بن عمرو، وهو يرتجز:
نحن قتلنا معشراً وزائدا
أربعة وخمسة وواحدا
نحسب فوق اللبد الأساودا
حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا
اللّه ربي واحترزت عامدا
عند انبلاج فجر ليلة الهرير، أصبح الناس وهم مذهولون لهول الحرب، حتى إنهم لم يغمض لهم جفن، مما كاد أن يزعزع صفوف المسلمين ويفلّ من عزيمتهم . ولهذا سارع القعقاع إلى أخذ المبادرة لأجل استنفار الناس ورفع معنوياتهم القتالية وتعبئة طاقاتهم المدخرة وصبها جميعاً في أرض المعركة . وأول ما فعله، أنه سار في الناس ونادى أن الدائرة ستدور على الفرس بعد ساعة من الصبر والعض على الجراح فقال: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم فذهبت مثلاً . وأضاف القعقاع: فاصبروا ساعة، واحملوا، فإن النصر مع الصبر . فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا للقائد الفارسي رستم، حتى خالطوا الذين دونه . فلما رأت القبائل ذلك، قام فيها رؤساؤهم، وقالوا: لا يكونن هؤلاء أحد في أمر اللّه منكم، ولا هؤلاء (أي الفرس) أجرأ على الموت منكم . فحملوا فيما يليهم، واقتتلوا، حتى وقت الظهيرة . والقتال على أشده، والسيوف تفل بعضها بعضاً، والنصال تتكسر فوق النصال .
مقتل رستم
ما إن زال ظل الظهيرة عن أرض المعركة انفرج قلب الجيش الفارسي، وركب على مقاتليه وفرسانه النقع من شدة الضرب . ثم هبت ريح صرصر عاصفة، فجأة على المكان، ووصل القعقاع ومن معه إلى سرير رستم، وقد قام عنه يجالد عن نفسه، فجاء هلال بن علقمة، فضرب رستم الضربة القاضية وجندله أرضاً . ونادى بأعلى صوته لشدّ أزر المسلمين: إليّ، إليّ . قتلت رستم .
ثم طاف به الناس، وانهزم قلب الفرس . فقام جالينوس على جيش الفرس . ونادى الفرس إلى العبور . وأما المقترنون بالسلاسل فتهافتوا كلهم في العتيق . وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان، وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس، فعوّض منه ثلاثين ألفاً . أما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد نفل سلب رستم لقاتله: هلال بن علقمة .
ومما لا شك فيه، أن وقائع معركة القادسية، كانت من أعظم الوقائع التي دونها التاريخ الإسلامي عند العرب والأعاجم، وروى البلاذري عن أبي رجاء الفارسي عن أبيه عن جده قال: حضرت وقعة القادسية . فلما رمتنا العرب بالنبل جعلنا نقول (دوك . دوك) نعني مغازل . فما زالت بنا تلك المغازل حتى أزالت أمرنا . وهذا دليل على دخول سلاح جديد إلى أرض المعركة، هو النبل العربي الذي كان يبريه وينتقي عوده سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه نفسه، وقد سبق وقلنا إن سعداً ورث مهنة صناعة وتجارة النبل عن أبيه مالك وكنيته أبو وقاص لمهارته في بري العيدان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزور سعداً رضي الله عنه في دكانه الذي اتخذه مخزناً للنبل العربي الشديد الوقع، والذي رجح كفة المعركة على المشركين قبل فتح مكة، وبعدها في اليرموك والقادسية.