هناك أسماء ترفض إلا ان تحلق عالياً، ومنها ليلى رستم، الإعلامية المصرية الأكاديمية المخضرمة التي أثرت ساحة التقديم التلفزيوني بموهبة نسائية واثقة من نفسها، واشتهرت في الستينات بعد ان بدأت مذيعة ربط ثم قارئة للنشرة الفرنسية ثم مذيعة تلفزيونية، منذ ميلاد التلفزيون المصري في 23 يوليو/ تموز 1960 . قدمت خلال فترة عطائها العديد من البرامج السياسية والاجتماعية والفنية منها نافذة على العالم والغرفة المضيئة ونجمك المفضل واستضافت فيها كبار الفنانين والموسيقيين والأدباء والكتّاب المصريين، التقيناها في الدورة 11 لمنتدى الإعلام العربي في دبي الذي استضافها، وخصها المنتدى بتكريم خاص من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكانت الفرصة لإجراء هذا الحوار:

منذ طفولتك اعتدت أن تكوني الأولى بلا منازع، هل لذلك تأثير على حياتك لاحقاً؟

- لست من النوع الذي يحلم بصنع المعجزات، وأحببت الإعلام لأنه كان عشقي ودرسته في الجامعة الأمريكية في القاهرة رغبة في أن أكون صحفية وكاتبة، ولأنني كنت مجتهدة حصلت على بعثة في الولايات المتحدة الأمريكية، ودرست هناك تخصص الصحافة وحصلت على الماجستير، ثم جاءني طلب من التلفزيون المصري في وقت غير منتظر وذلك بعد أن بحثوا عن مذيعين للعمل معهم، وبعد فترة سافرت إلى بيروت بسبب عمل زوجي هناك بعد أن تم الحجز على أموال وأراضي الكثيرين بموجب التأميمات، وكان زوجي واحداً منهم .

أجريت لقاءات إعلامية مع كبار النجوم في الماضي من أمثال عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب والكاتب طه حسين ونجيب محفوظ، كيف تتذكرينها؟

- ما كان يهمني هم الكتّاب والأدباء، لأن الفنانين يتم مشاهدتهم في برامج عدة في التلفزيون، ولكن إجراء لقاء مع طه حسين مثلاً ومن حوله 11 من كتّاب مصر مثل نجيب محفوظ ويوسف السباعي، فإنه التحدي الحقيقي بالنسبة لي، ولم أكن أبحث عن الفنانين على غرار من يركض الآن وراءهم، وحتى الذين حاورتهم في برنامجي كانوا مثقفين مثل محمد عبدالوهاب ودمهم خفيف مثل عبدالحليم حافظ .

ما العامل الذي أسهم في شهرتك أكثر، ذكاؤك أم محاورتك للنجوم؟

- أي شخص يتم مشاهدته على التلفزيون سيكون مشهوراً، أضف إلى ذلك أنني كنت مجتهدة وأدرس العمل الذي سأقوم به وأعود إلى خلفياته قبل البدء به .

على أي أساس كنت تختارين الشخصيات التي تحاورينها في برامجك؟

- لأنه لا يروق لي لفظ كلمة مشاهير يمكنني القول إن الشخصيات العامة لا تريد أن يحرجها أحد وكنت متقيدة بذلك، ولم أكن أعظّم أو أقلل من شأن أحد، وكنت أبحث عن الأفضل لدى الشخصية التي أحاورها كي يقتدي بها الآخرون، لأنني إنسانة جادة في حياتي وهو ما لم يدفعني للاعتقاد يوماً بأني أعظم وأكبر مذيعة . ومن قابلتهم كانوا قلة غير عاديين، مثل أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وأشخاص يمكن عدهم على الأصابع، إضافة إلى أشخاص بسطاء لديهم تجربة معينة توجه العقل البشري إلى أمور لا يعرفها الآخرون .

قالت الكاتبة سناء البيسي، إنها كانت تستعد جيداً لأي لقاء ستجرينه معها، فترتدي أجمل ملابسها وتحضر ذهنها وتسترجع ذاكرتها، هل هذا صحيح؟

- كل صحفي له أسلوبه في الكتابة، وأظن أن سناء البيسي كاتبة كبيرة وتعلم ماذا تقول وإنها إن لم تفعل ذلك كانت ستمر في موقف صعب معي، وللأسف كثيرون لا يعلمون ماذا يكتبون فيقعوا في المصيدة .

هل ندمت على عدم خوضك مجال التمثيل بعد تجربة مسرحية أثناء الدراسة الجامعية، حسبما قرأنا؟

- ليس لدي أي تجربة في التمثيل، ولم يطلب مني ذلك أحد، لأنني ابنة أخ زكي رستم .

ما حققته في الستينات من القرن الماضي بعد إنهاء ماجستير الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية تعجز المرأة في بعض البلدان العربية من تحقيق جزء بسيط منه، الآن ما تقييمك لذلك؟

- الجيل الذي سبقني من النساء كنّ يكتبن ويحصلن على شهادات وكذلك بنات جيلي، والزمن الذي دخلت فيه المرأة الحياة العملية بكثافة كان في الستينات من القرن الماضي لأن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر أعطى حقوقاً كثيرة للمرأة بما فيها حق العمل، وكان 30% من الأسر تعولها المرأة وتخرج إلى العمل ومنها الفلاحة، ومع أنني لم أكن بحاجة إلى الراتب لكنني كنت أعمل .

عايشت في حياتك الكثير من الأحداث المهمة في الوطن العربي، ما تقييمك للثورات العربية القائمة في بعض البلدان حالياً؟

- عشت الثورات العربية كلها، وبعد الحرب العالمية الثانية والخروج من مصيدة إنجلترا وفرنسا وقعنا في مصيدة أمريكا، ومنذ الستينات من القرن الماضي كان الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر المثل الأعلى للدول العربية، ويبدو أن حقبة الثورة ما زالت مستمرة لكن لا يحسد الشباب عليها، وبالنسبة لي ذهبت إلى الجامعة حين كنت طالبة ووجدت نفسي أمام شعارات عبدالناصر وأسماء تنادي بالثورات في أماكن عدة من العالم، ويبدو أن هذه الثورات تتكرر في الشرق الأوسط الآن من جديد بسبب البترول والطاقة، وللأسف ما يحدث في العالم العربي يدعو للبكاء والنحيب، وما يزيد الطين بلة أننا لا نعلم ما معنى الحرية ولا نفهمها، ولنأتي بمثال قريب وهو بعد قيام الثورة في مصر اعتقد بعض الناس أنهم أحرار وبموجبه أصبحوا يرتكبون الأخطاء في الشارع، وما أريد أن أقوله لهم هو إن الحرية شعور بالمسؤولية .

ما الفرق بين برامج الأمس واليوم؟

- هناك فرق كبير بسبب وجود تقنيات عالية لم نمتلكها سابقاً، والآن نحن مكشوفون أمام التطور الحاصل في صناعة التواصل التي تتقدم بسرعة وتقطع أنفاسنا ونلهث وراءها ولا نستطيع أن نصل إليها .

وما الفرق بين مذيعات الأمس واليوم؟

- أولاً لا يوجد فرق بين المذيع والمذيعة ولا فرق في هذه الناحية بين الماضي والحاضر، لأنه لا يوجد إعلام حر حقيقي والمذيع في القناة الحكومية مرتبط بما يملى عليه ولا يستطيع أن يخرج عن نطاقه، أما المحطات الحرة التي بنيت بفضل المال جاءت بأسماء تملك الخبرة والحرفية وآخرين جدد يكتسبون الخبرة، وكي تكون هذه المحطات متمكنة يجب أن يتم تدريب المذيعين الجدد على الأقل 6 أشهر، لا أن يتم قبولهم وخروجهم على الهواء بسبب جمالهم لأنه من الممكن أن يتعثروا ويصبحوا أضحوكة أمام المشاهدين، لذا يجب ألا نستهين بالكاميرا لأنها تظهرنا لملايين الناس .

من يعجبك من المذيعين والمذيعات؟

- ليس هروباً من السؤال، لكنني لا أتابع التلفزيون، باستثناء قناة بي بي سي الانجليزية، وقناة العربية، والجزيرة عندما تطل علينا من وقت لآخر، لأنها محجوبة غالباً بسبب الرقابة المشددة حسبما يقال .

هل هذا يعني أنك لا تشاهدين المسلسلات التلفزيونية؟

- منذ صغري لست من النوع الذي يتابع المسلسلات ويذهب إلى السينما، إلا عندما أسمع عن فيلم حقق جوائز عالمية، باستثناء أفلام عادل إمام، لأنه صادق جداً في أفلامه ويظهر الحقيقة ودمه خفيف، ومن أفلامه الرهيبة الإرهاب والكباب الذي كشف عبره الستار عن حقائق كبيرة وحصل على مشاهدة جماهيرية عالية، وطيور الظلام الذي كشف عورات المجتمع المصري السياسية والاجتماعية والمالية، لدرجة أنني عندما خرجت من قاعة السينما بعد مشاهدة الفيلم استغربت كيف سمحوا له بتصويره وعرضه . وباعتباره متخصصاً ويعلم ماذا يفعل فأنه كان مغضوب عليه وللأسف حكموا عليه بالسجن، وأعتقد أن العملية عائدة لأمور شخصية، لأنه كان يقول الحقيقة منذ عقود، فما معنى أن يتم محاكمته الآن، وللأسف لا نعلم عن حيثيات القصة في العالم العربي لأنه يتم حجب كل شيء .

هل نلت حقك إعلامية عربية عريقة؟

- نجحت في عملي الإعلامي، سواء المرئي أو المسموع أو المكتوب، ولكن لا يوجد أحد يحقق النجاح بنسبة 100% ولو كنت من المواهب التي يؤمنون بها لكان لدي محطة تلفزيونية باسمي، فمثلاً المذيعة الأمريكية أوبرا وينفري أنفقت مبالغاً كبيرة على الأطفال في جنوب إفريقيا كي تساعدهم على التعلم ليكسبوا وسيلة للعمل فيها بعد، ولو لم أكن عربية لكنت مثلها أو مثل غيرها، وفي العالم العربي كي تكون مهماً يجب أن تكون مقرباً من شخص مهم .

لو طلب منك تقديم برنامج تلفزيوني الآن، ماذا ستقدمين؟

- رفضت العمل في التلفزيون منذ زمن طويل، باستثناء الظهور في المناسبات مثل دعوة دبي لمنتدى الإعلام العربي لنلتقي فيه ونتباحث حول مواضيع مهمة، ويعرض علي حالياً تقديم برامج وأرفضها لأنني يئست لعدم وجود جدوى منها، وأعطي أفكاري للمذيعين الجدد ولكنهم يؤكدون عدم قدرتهم على تطبيقها بسبب عدم وجود الامكانات والخوف من مواجهتهم بالرصاص، لذا فإنهم يكتفون بالبرامج التقليدية لتعبئة وقت العرض، وإن كان هناك من يطبق ذلك فأن كلامهم يظهر مقصوصاً، ورغم ذلك فإن الحال أفضل مما كان عليه أيام عبدالناصر، لأن الحقيقة كانت مطموسة في زمنه وفي زمن الراحل محمد أنور السادات . ونصيحتي للمذيعين الجدد أن ينزلوا للشارع ويدخلوا بيوت الناس والعشوائيات، وأن يخرج الإعلام من إطار ماذا تلبس وكم مرة تزوجت؟، لأنه من غير المعقول أن يدرس الطالب ويتخرج كي يسأل هذه الأسئلة .

هل هناك من أفراد عائلتك من اتخذ طريق الإعلام من بعدك؟

- لا، كلهم ابتعدوا عن الإعلام واتخذوا الجانب العلمي، لأن التكنولوجيا هي المستقبل .

كيف تقضين أيامك الآن؟

- ما زلت أقرأ الكتب، ولا يوجد لدي حاسوب في البيت أو أي فكرة عن التكنولوجيا، ولدي هاتف محمول عمره 12 سنة، ومع أنني جدة لأربعة أطفال لكنني ما زلت أثير استغراب الذين يلتفتون إلي ويبدون إعجابهم بشكلي واهتمامي بمنظري وحيوتي، لكن شكلي لا يدل على داخلي، وأعتقد أنني ولدت عجوزاً لأنني غاية في الجدية، وهذا كله لا يمنع أن أشاهد أفلام عادل إمام أكثر من مرة وأموت من الضحك عليها، ثم أتابع الأخبار في بعض القنوات .

وماذا عن صحتك؟

- لا أرغب بذكر ذلك خوفاً من أن أصاب بالحسد، لأنني أمارس الرياضة يوماً وارتاح في اليوم الثاني، وفي كل يوم رياضة أمشي 5 كيلومترات، بكل جدية مثل الرجل العسكري مع التنفس المنضبط أثناء المشي .