يقال إن العقيد القذافي أنفق 8 مليارات دولار على المثقفين العرب، من شعراء ومفكرين وفنانين . أذهلني الرقم ولم أصدق يوم سمعته للمرة الأولى، لكن أكثر من أخ ليبي مطلع أكد لي ذلك، وبعضهم رأى أن الثقافة تستحق أكثر من ذلك لأنها الوجه المضيء الوحيد في مسيرة هذه الأمة . وأذكر أن أحد الشعراء السوريين الذين تنقلوا بين مائدة صدام ومائدة القذافي جاء إلى مكتب العقيد، وهو على وشك البكاء، مدعياً أنه أضاع حقيبته في المطار، ولا أسف على الحقيبة، ولكنه أسف جداً لأن فيها نسخة تراثية مخطوطة من المصحف الشريف لا تقدر بثمن، وكان ينوي أن يقدمها هدية لقائد ثورة الفاتح من سبتمبر .

أكثر ما يلفت الانتباه يتجلى في الحصار الذي فرضه ذلك النظام الأسطوري على الكتاب . وأذكر أنني التقيت عددًا من الأدباء والمسرحيين وأساتذة الجامعات الليبية في كل من دمشق والقاهرة وبيروت وأثينا، ونشأت بيننا صداقة حميمة وتبادلنا هدايا الكتب، لكن الصديق الوحيد الذي وعدني بالاحتفاظ بمجموعتي الشعرية أعراس الهنود الحمر أكد لي أن إدخال الكتب محظور عليهم، لكنه سيضع تلك النسخة في ثياب ولده الرضيع، وخاصة أن حجمها صغير ولا تثير الشبهة .

لكن أفظع فاجعة سمعتها من أستاذ جامعي زائر كان مختصاً بتدريس اللسانيات هناك، يقول إن اللجان الثورية في إحدى الجامعات قررت إعدام تسعة من الأساتذة بتهمة معاداة الثورة، وقد جرى تنفيذ الإعدام بهم شنقاً في الحرم الجامعي ذاته، ويومئذ لم أستطع تصديق حدوث تلك الجريمة المروعة . صديق سوري آخر دعاه صاحب إحدى المجلات المرتزقة إلى زيارة مسؤول الأمن الليبي، وهو من عائلة قذاف الدم، وخلال النقاش ارتفعت الأصوات، وكاد الشاعر يدفع حياته ثمناً لتلك الغلطة لولا مكانته الأدبية في بلاده، وربما للصداقة التي كانت قائمة بين الزعيم الليبي ورئيس تلك البلاد، وفي يوم قادم لا بد من ذكر الأحداث بأسماء أصحابها في كتاب الذكريات .

في منتصف السبعينات قدم الشاعر محمد الفيتوري إلى دمشق، والتقينا في الربوة على مائدة الغداء بدعوة من رئيس اتحاد الكتّاب العرب يومئذ الأستاذ جورج صدقني، وكان بين الحضور الصديقان زكريا تامر وحيدر حيدر . وقد تحدث الشاعر الضيف باستفاضة عن تطلعات الأخ العقيد القومية وطيبته وسماحته، إلخ . ولكن الأستاذ زكريا تامر، بجرأته وصراحته المعهودة، لم يحتمل المزيد، فقاطع الشاعر قائلاً بلهجته الدمشقية المعروفة بمد حروف العلة: أخي . . أنا ما بدي جوزو أختي حتى أهتم بمعرفة طيبته وكرمه، أنا شايف تخبيصاته السياسية . . وهذا يكفي، كانت كلمة زكريا مسك الختام .

وفي سنة 1972 أقيم اتحاد عربي بين الرؤساء: السادات وحافظ الأسد والقذافي، وجرى تصميم علم جديد للاتحاد، وبقي النشيد، فجرت مسابقة لتأليف النشيد، وأصدر الروائي الفقيد الأستاذ يوسف السباعي لجنة للتحكيم برئاسة الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، وكنت مندوباً من اتحاد الكتاب العرب في سوريا للمشاركة في تلك اللجنة، وكان مقررًا أن يكون الشاعر الليبي علي المصراتي معنا لكنه لم يحضر، ولم نعثر على نص صالح للنشيد . وعلمت بعد ذلك من أكثر من صديق أن النشيد المطلوب كان خاضعاً لموافقة القذافي ذاته .

كنت خلال الثمانينات من القرن الماضي قد تلقيت ثلاث دعوات، اثنتان من أصدقاء وواحدة جاءت عبر اتحاد الكتّاب، وأحمد الله تعالى أنني لم أقم بزيارة ذلك البلد العربي العزيز لأكثر من سبب: أولاً الخوف من الاحتجاز في فندق الشاطئ الأخضر، لأن القائد لا يسمح بالمغادرة قبل أن ينال الزائر شرف وبركة لقاء الأخ الزعيم ويصغي إلى حديثه عن الكتاب الأخضر . السبب الثاني أن زبانية النظام الأمني في المطار كانوا يأمرون المسافر إذا أظهر الضيق واحتج على التأخر: قعمز . . واسكت .

ولكن، بعيداً عن الثقافة ماذا فعل هذا الرجل ببلاده وأبنائها الأحرار؟ لا أدري إن كان أحد من جيل الشباب يتذكر شيئاً من فظائع الرقيب الإمبراطور بوكاسا، أعجوبة الحكام في إفريقيا . لكنهم سيجدون صورة مماثلة لذلك الحاكم الأسطوري الرهيب في حكم الأخ العقيد وطغيانه ومظهره المسرحي العجيب . إن الكلمات تعجز عن التعبير، ولعلنا لا نملك إلا الابتهال إلى الله تعالى أن تنتهي هذه الغمة قريباً ويزول ظل هذا الطاغية عن الشعب الليبي الحبيب، عسى أن تفتح الأبواب ويرى أن البشرية دخلت قرناً جديد وتجاوزت عصور الظلام، إلى غير رجعة .