بين الحديث والقديم، تحكي مؤسسة الشارقة للفنون لزوارها قصة الشارقة القديمة، وتنقل لهم حداثة العصر في مبنى صمم بطريقة فريدة، مازجاً بين البناء القديم الأصيل والتكنولوجيا العصرية .
المؤسسة مساحة فنية تقع في منطقة قلب الشارقة، اتخذت من البيوت القديمة مساحة رحبة للأنشطة والفعاليات بواسطة مساحات خارجية وشرفات، ومباني عصرية محاذية لبعضها بعضاً، ويحيط بها جدران من دون نوافذ تشكل أزقة ضيقة بإضاءة خافتة تبرز الروح القديمة في المباني العصرية، وتحيط بها بيوت لأسر إماراتية سكنت تلك المنطقة قبل سنوات طوال، لتكون شاهدة على حكاية الشارقة، ومنها بيت العبودي، وحسين مكراني، وحسين عبدالرسول، وحسن مختار، وغلوم مراد، وآل حمدان بن موسى، وعبدالرحيم جاسم، وبيت حبيب شلواني .
بمجرد دخولنا المؤسسة تجولنا فيها، لنجد فيها 5 صالات عرض، تتمحور فكرتها في التفاعل الحر مع الفضاء الفني بالشارقة، باستحضار الشارقة القديمة بأزقتها الصغيرة والباحات الداخلية، لتحيط بها الأسوار القديمة الخاصة بالبيوت القديمة، محافظة على شكلها العتيق مع بساطتها، بشكل معماري فريد يمزج بين الحداثة والقدم .
الأزقة مفتوحة تطل على الفضاء الخارجي، في مشهد يبعث الراحة إلى النفس، وتوزعت الباحات في المؤسسة، فهناك الباحات الصغيرة والأخرى كبيرة، وباحات أخرى مغلقة تدخل ضوء الشمس إلى الداخل في مشهد جميل يعبر عن فرادة التصميم، ومزجت الخطوط القديمة بطريقة عصرية مبتكرة مع الخطوط الداخلية، ليتمازج الجمال مع المساحات الكبيرة التي يفرضها الفن المعاصر .
المدن القديمة تملؤها الأزقة والممرات، وهذا ما تجده في وسط المؤسسة التي تربطها الممرات، التي تتسم بإضاءة خافتة تمنح المكان هدوءاً وجمالاً، فالطابع العام للمنطقة تغير تصميمه الهندسي، ولكن بقيت الروح القديمة موجودة في جميع زواياها، والتجديد طالها لتبدو بطريقة عصرية تحتضن الفنون المتنوعة بين صالاتها، لتبقى المؤسسة شاهدة على الماضي والحاضر والمستقبل، حيث إن هناك بنايات وبيوت هدمت، وأخرى ظلت صامدة تحكي قصصاً للأجيال الشابة، ليجدوا أجمل الحكم بينها، وتربطهم علاقة قوية بالماضي الجميل .
احتوت المؤسسة على قاعات عدة، منها "j" التي تستمد النور من الإضاءة الطبيعية الداخلة من أعلى، وخصصت للأعمال الفنية التي لا تحتاج إلى ضوء مباشر، كالورق والنسيج، لتعرض في الفضاء المناسب لها، وقاعة "I" خصصت للأعمال الضخمة، كالأعمال التركيبية والمعقدة والضخمة, و"F" للأعمال الحميمية التي لا تستلزم الفضاء الكبير، لتكون هذه القاعة ذات الهدوء والسكينة الأنسب لتلك الأعمال .
وقاعة "P" خصصت للعرض السينمائي وتستوعب أعمالاً تركيبية كبيرة، وكذلك الأعمال الإعلامية المعاصرة، وبالإمكان جعلها مغلقة، وتحتوي على أبواب زجاجية داخلية متحركة تفتح لتجعل من المساحة منطقة كبيرة بفتح أكثر من قاعة على بعض لتستوعب الأعمال الضحمة، وتضم درجاً تنقلنا إلى أعلى، حيث تنظم المعارض المتنوعة، لتكون المنطقة الفوقية مفتوحة على بعضها، بمساحة شاسعة تضم أعمالاً فنية عديدة، وجمهوراً كبيراً على السطح المفتوح، كامتداد للقاعات كافة وتربطها جسور تصل بين مبنى وآخر في تصميم هندسي مبتكر، باحة "JH" تستقبل الزائر في الشتاء بعروض مختلفة، ويمكن غلقها في الصيف لتجنب أشعة الشمس، وفتح الأبواب الزجاجية كافة لتصبح منطقة كبيرة، وصمم الجدار الداخلي بطريقة تقليدية قديمة باستخدام المرجان القديم المستخدم فيما مضى كأسوار خارجية، خاصة أن المرجان قطعة نادرة .
وقاعة "H" تستخدم للفن المحلي، وتنقل صورة الشارقة والإمارات وتفاعل أهلها، وخصصت للهواة من باب دعم الموهوبين .
الشكل الخارجي يتبع آثار الماضي، والداخلي يلاحق العصرية، لتبقى المدينة بطابع عصري مع الحفاظ على الروح القديمة، لتصبح منطقة جاذبة لزوار الشارقة، ليجد كمال إبراهيم "زائر" المتعة الحقيقة بمجرد أن تطأ قدماه المؤسسة . يقول: "أعشق المزج بين الماضي والحاضر، وهذا ما وجدته في المؤسسة التي احتضنت القديم وابتكرت تصميماً فريداً، وفعالياتها المتنوعة تجذبني، والحديقة الخاصة بها مكان رحب هادئ" .
وجدت الفنانة إليزابيث شادويك الفرصة لعرض إبداعاتها، لتشارك في المعارض التي تنظم، تقول: "الشارقة" حريصة على الحفاظ على تراثها، بمزج الماضي بالحاضر وصنع توليفة جميلة تجذب الأجانب لتكون الشارقة مقصدهم بحثاً عن معرفة فن أهالي المنطقة، وعرض فني جعلني أحاور فنانين كثر وأستفيد من خبراتهم وتعليقاتهم .
يجد ناهل سلو من سوريا الحميمية في مؤسسة الشارقة للفنون، ليجد نفسه حاضراً في معظم المعارض التي تنظم بين أحضانها، ويمارس شغفه في التصوير، ليلتقط أجمل الصور للوحات الفنية المعروضة، يقول: "أحرص على زيارة المؤسسة في معظم فعالياتها التي تمتد على مدار السنة، لأني عاشق للفن وتربطني بها علاقة قوية، فأجد ما أريده على جدران المؤسسة" .
تملك ياسمين أتاسي غاليري في دبي، وهذا يجعلها قريبة من المؤسسات المهتمة بالفنون الجميلة، لتجد ما تبحث عنه من جمال في مؤسسة الشارقة للفنون . تقول: "اهتمامي الكبير بالفن يجعلني حريصة على زيارة المعارض الفنية التي تقام في الشارقة، فأجد نفسي اتردد باستمرار على هذه المؤسسة الفنية التي أبدعت وقدمت الكثير من الأفكار المبتكرة مؤخراً" .
تجذب تلك الباحات التي تعكس الماضي والحاضر الأجانب، ليلتقطوا الصور الجميلة التي تنقل قصة الشارقة القديمة، وشدنا اندماج المصور توم باتريس في اختيار الزاوية المناسبة، ليتمكن من التقاط صورة تتضح فيها الأزقة الضيقة والمباني العصرية، يقول: "أشعر بالمتعة خلال زيارة المعالم الفنية، وما يشدني أكثر الدمج الرائع بين القديم والحديث بقالب فني" .
عن الخطة المستقبلية، تقول الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون: "تتسم فعاليات ومشاريع المؤسسة بالتنامي، وتنطلق في رسم استراتيجيتها من إدراك متطلبات الواقع الراهن، واستشراف إمكاناته وآفاقه الجديدة، من هنا تعمل المؤسسة على توسيع أماكن العروض وإنشاء المباني الجديدة، واقتراح المشاريع والمبادرة المبتكرة التي تنبثق من بنية الواقع نفسه، ويجري الآن العمل على إنشاء مكتبة تخصصية تضم أهم الإصدارات الفنية النوعية، إلى جانب استديوهات الفنانين، وإنشاء مواقع للسينما وعروض الأداء، ويتعدى ذلك مدينة الشارقة إلى المناطق الشرقية وسائر مدن الإمارة، حيث نعمل على تجهيز استديوهات فنية في منطقة الحمرية، ومشروع "سينما خورفكان" حيث تم ترميم وإعادة إحياء دار السينما من جديد، بالإضافة إلى تحويل مبنى "الطبق الطائر" في الشارقة و"مصنع الثلج" القديم في خورفكان إلى صالات فنية تقام فيها ورشات العمل والفعاليات والمشاريع، حيث ستضم أعمالاً مشاركة في بينالي الشارقة 12 في عام 2015 وتستمر لاحقاً في احتضان مختلف الأنشطة الفنية التي تقيمها المؤسسة" .
وتضيف: "تجذرت هوية الشارقة بوصفها راعية للثقافة الإنسانية الشاملة، وعاصمة للثقافة العربية، وللثقافة الإسلامية، ولعل ذلك يشير إلى طبيعة الحراك الذي يمور في رحاب الشارقة، ويشير أيضاً إلى الدعم الكبير الذي يوليه صاحب السموالشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي حوَّل الشارقة إلى قبلة للمثقفين والمبدعين، وبوابة للفكر والمعرفة، ذلك أنه آمن بأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وأن الرهان الحضاري على المعطى الثقافي والإبداعي لأية حاضرة تريد أن تجعل من وجودها فاعلاً ومؤثراً وحقيقياً، من هنا: كانت الشارقة عاصمة الثقافات، فلا يكاد يمر يوم من دون أن نشهد حدثاً ثقافياً أو فنياً، ومن دون تشييد صرح ثقافي أو معرفي جديد" .
عن الورش التي تنفذ في المؤسسة، تقول الشيخة نوار القاسمي، مسؤول اتصال وعلاقات عامة في مؤسسة الشارقة للفنون: "نطرح برامج تعليمية للأطفال من خلال وضع منهج متعدد الاختصاصات في التعليم يقدم دورات وأنشطة وورش عمل لا تغني خيال الطفل فحسب بل أيضاً تساعده على بناء المعرفة الفنية والإبداع والثقة، كما يتلقى الطلاب تعليمهم على أيدي فنانين وتربويين متخصصين في مجال الفن الحديث والمعاصر، أما البرنامج التعليمي للناشئة والشباب فيقدم دورات مصممة لإلهام وتعليم الفنانين من جميع التخصصات ومساعدتهم للوصول إلى أهدافهم المهنية والشخصية، من خلال التواصل مع فنانين آخرين وخبراء، وكل دورة توفر بيئة ديناميكية تساعد على تطوير المهارات المهنية والعملية لدى الطالب مما يعزز قدرته على بناء المستقبل الفني الذي يطمح إليه، وفي برنامج الأطفال والشباب ذوي الاحتياجات الخاصة ترحب مؤسسة الشارقة للفنون باستقبال الأفراد ذوي القدرات المختلفة وبهذا تكون جميع فئات المجتمع مدعوة للمشاركة في فعاليات الفن والثقافة، حيث أعدت ورش عمل تلائم الأفراد الذين يعانون صعوبات بدنية وتعليمية وتنموية لضمان مشاركتهم من خلال أنشطة عملية وأخرى مرتكزة على المعارض التي تقيمها المؤسسة، وصمم البرنامج للمشاركين من الفئة العمرية بين 7 إلى 18 سنة" .
وتضيف: "أصبحت الشارقة محطة لاستضافة الفنانين، فهي موطن الفن والثقافة في المنطقة ومن خلال انطلاقة بينالي الشارقة في عام 1993 وما تقدمه مؤسسة الشارقة من برنامج إلى جانب المؤسسات والهيئات الأخرى في الشارقة استقطب العديد من الفنانين من مختلف أرجاء العالم ويعد هذا المشروع مستمراً ومتنامياً ويهدف ليس إلى جذب الفنانين فقط بل حتى الجامعيين والطلاب والمهتمين بالفن محلياً وعالمياً .
مشاهدة الأفلام السينمائية في الأجواء الطبيعية متعة لا تضاهيها أخرى، لتبدع المؤسسة في تصميم سينما سراب المدينة، وهي فضاء سينمائي صُمم في عام 2013 بناءً على تصورات قيَم برنامج الأفلام في بينالي الشارقة 11 المخرج أبيشاتبو نغفير اسيتاكُل، بالتعاون مع المهندسة المعمارية أولي شيرين، وأصبحت السينما المشرعة في الهواء الطلق متاحة للمجتمع وتتسع لمئتي شخص، حيث تصل مساحتها إلى 950 متراً مربعاً، وتقول فاطمة الجسمي مديرة مكتب في مؤسسة الشارقة للفنون: "تقدم فيه عروض الأفلام بشكل دوريَ وبمعدل فيلمين شهرياً، مع تركيز رئيسي على الأفلام الواردة من المنطقة العربية، كما يقدم البرنامج مجموعة المتنوعة من الأفلام، منها ما هوعالمي شهير، أو ما تم بإنتاج مستقل، وللأفلام المختصة بعالم الفن نصيب من العرض، تأتي بلغات مختلفة كالإنجليزية والعربية والفارسية والأوردو، وغيرها، والفئة التي تتردد على السينما أغلبها من فئة الشباب، لتتمكن المؤسسة من جذبهم إلى أنشطتها المفيدة .
منى المصفي "استشاري هندسة في المؤسسة" تقول: "الباحات القديمة مزجت بالتكنولوجيا، بوضع شاشات عرض في الباحات الخارجية، وتحيط بها من إحدى الجهات مسجد المناعي القديم، ومن جهة أخرى مسجد الزهراء، وفي جنوبها الشرقي جدار المدينة القديمة الشاهدة على حكايات الأجداد، وبيت العبودي مازال صامداً في وجه التغيرات والتطور، وجدد قسم من البيوت القديمة، وآخر ظل كما هو ليعكس الحياة القديمة، وتستثمر تلك المناطق بتخصيصها للمعارض الفنية، خاصة أن الفن المعاصر يستلزم توفير بيئة عصرية مناسبة له، وهذا ما خصصته المؤسسة لهذا الفن، بتخصيص مساحات شاسعة وبتكنولوجيا عصرية لتلك الفنون .
الفعاليات الفنية
ثمة العديد من البرامج والتظاهرات التي تنظمها مؤسسة الشارقة للفنون، ويأتي في مقدمتها "بينالي الشارقة" الذي يقام مرة كل سنتين، والذي استطاع منذ انطلاقته في عام ،1993 أن يحدث نقلة نوعية على صعيد تلقي وإنتاج الفنون البصرية المعاصرة، إلى جانب برنامج "لقاء مارس" السنوي، وهوعبارة عن منصة دولية للحوار ومناقشة القضايا والمفاهيم النظرية ذات الصلة بالمتغيرات الفنية والثقافية في المنطقة والعالم . وهناك أيضاً "برنامج الإنتاج" الذي تطرحه المؤسسة لدعم وإنتاج المشاريع الفنية النوعية من خلال تقديم منح مالية تصل إلى 000 .200 دولار، إلى جانب برنامج "الفنان المقيم" الذي يتم خلاله استضافة فنانين من الخارج لتنفيذ مشاريع فنية تعكس تجربتهم في الشارقة والإمارات . إضافة إلى "البرنامج التعليمي"، وبرنامج "العروض الفردية" الذي قدم العديد من التجارب الإبداعية المحلية والعربية والعالمية . إلى غير ذلك من برامج الورش الفنية وعروض الأفلام والموسيقى .
حديقة التعلم والإبداع
حديقة مؤسسة الشارقة للفنون مساحة اجتماعية للتعلم والإبداع، وتشكل فضاءً جماعياً، وهي متاحة للمجتمع المحلي بكافة فئاته، افتتحت في 1 مارس ،2014 وتقع الحديقة في بيت حمدان الموسى بين المباني الفنية لمؤسسة الشارقة للفنون، وهوأثر لمنزل تقليدي إماراتي بُني في منتصف القرن العشرين، يعد بمثابة المكان المثالي لقضاء أوقات هادئة، وضمت بين ربوعها فعاليات عدة، منها "سوق السبت" الذي يقدم منتجات مزروعة محلياً، ونباتات من المشاتل المحلية، كما أن الحديقة ذاتها معدّة ومتاحة لزراعة الخضار والفاكهة المتنوعة . فضلاً عن فعاليات الفنون والحرف اليدوية، كما أقيمت هناك ورش عمل الأرابيسك والنحت كجزء من البرنامج التعليمي للأطفال في الحديقة والمساحة المخصصة للسوق، بالإضافة إلى أنشطة أخرى شيقة للأطفال .