‮«‬وقال ربكم ادعوني‮ ‬أستجب لكم‮» (‬سورة‮ ‬غافر‮: ‬الآية‮ ‬60‮)‬،‮ ‬فالدعاء‮ ‬يصل الخلق بالخالق،‮ ‬ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً‮ ‬قديراً‮ ‬على كل شيء،‮ ‬بيده الأمر كله،‮ ‬يقدم المساعدة لمن‮ ‬يطلبها وفى أي‮ ‬وقت‮. ‬بابه مفتوح لا‮ ‬يغلق في‮ ‬وجه أحد مهما عظم أو صغر، ‬نلجأ إليه في‮ ‬كل وقت وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬الشدة‮، ‬ولكن كيف‮ ‬يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى‮ ‬يتحقق‮، ‬ولن نجد خيراً‮ ‬من الأدعية التي‮ ‬دعا بها الأنبياء،‮ ‬عليهم السلام ربهم،‮ ‬والتي‮ ‬وردت في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬وفي‮ ‬صحيح سنة المصطفى،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮. ‬ولقد مرّ الأنبياء بمواقف صعبة لم‮ ‬ينقذهم منها إلا صدق دعائهم،‮ ‬حيث كانت لهم في‮ ‬هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي‮ ‬تجسّد حسن التوسل ومناجاة الله وحده،‮ ‬ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي‮ ‬تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي‮ ‬دعوا بها ونتعلم كيف‮ ‬يكون الدعاء‮.‬
«قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين» (‬سورة المائدة‮: ‬الآية 114)‬.

‮كان الحواريون‮ - ‬وهم تلاميذ المسيح عليه السلام وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به‮ - ‬يعرفون أنه بشر‮.. ‬وينادونه بما‮ ‬يعرفونه عنه حق المعرفة‮. ‬وكانوا‮ ‬يعرفون أنه ليس رباً‮ ‬وإنما هو عبد لله‮. ‬وأنه ليس ابن الله،‮ ‬إنما هو ابن مريم ومن عبيد الله، وكانوا‮ ‬يعرفون كذلك أن ربه هو الذي‮ ‬يصنع تلك المعجزات الخوارق على‮ ‬يديه،‮ ‬وليس هو الذي‮ ‬يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة‮.. ‬لذلك حين طلبوا إليه،‮ ‬أن تنزل عليهم مائدة من السماء،‮ ‬لم‮ ‬يطلبوها منه،‮ ‬فهم‮ ‬يعرفون أنه بذاته لا‮ ‬يقدر على هذه الخارقة‮. ‬وإنما سألوه‮: «‬يَا عِيسَى ابْنَ‮ ‬مَرْيَمَ‮ ‬هَلْ‮ ‬ يَسْتَطِيعُ‮ ‬رَبُّكَ‮ ‬أَنْ‮ ‬يُنَزِّلَ‮ ‬عَلَيْنَا مَائِدَةً‮ ‬مِنَ‮ ‬السَّمَاءِ‮» ‬سورة المائدة الآية 211).

آية لكل الناس

‮ ونبي الله عيسى ابن مريم هو آخر أنبياء بني إسرائيل،‮ ‬وينسب إلى أمه فقط لأن قدرة الله تعالى أبدعته على‮ ‬غير ما‮ ‬ينشأ منه سائر البشر حيث‮ ‬ولدته أمه من دون أن‮ ‬يمسسها بشر، فهو آية من عند الله تعالى، آية لكل الناس ودليل على قدرته عز وجل وقد ‬تكلّم عيسى ابن مريم وهو طفل رضيع ليحمي أمه من الرجم بالمعصية والخطيئة‮. ‬عن أبي هريرة،‮ ‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮ «‬ما من مولود إلا والشيطان‮ ‬يمسه حين‮ ‬يولد فيستهل صارخاً‮ ‬من مس الشيطان إلا مريم وابنها‮».‬

‮ ‬ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في‮ ‬كتاب ‮«‬قصص الأنبياء‮»‬، «كان أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم: «‬قَالَ‮ ‬إِنِّي‮ ‬عَبْدُ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬آَتَانِيَ‮ ‬الْكِتَابَ‮ ‬وَجَعَلَنِي‮ ‬نَبِيًّا‮* ‬وَجَعَلَنِي‮ ‬مُبَارَكًا أَيْنَ‮‬مَا كُنْتُ‮ ‬وَأَوْصَانِي‮ ‬بِالصَّلَاةِ‮ ‬وَالزَّكَاةِ‮ ‬مَا دُمْتُ‮ ‬حَيًّا‮» (‬سورة مريم‮: الآيتان 13‮-‬03)‬،‮ ‬ومرت السنوات وكبر عيسى ابن مريم،‮ ‬وبدأ دعوته مختصاً بها بني إسرائيل،‮ و‬قد بعثه الله لقوم‮ ‬ينكرون الروح تماماً‮ ‬وينكرون البعث،‮ ‬ويزعمون أن الإنسان جسم بلا روح،‮ ‬و‬يعتقدون أن دم المخلوق هو روحه أو نفسه.

‮ ‬علّمه الله سبحانه وتعالى التوراة،‮ ‬ثم أنزل عليه الإنجيل كما أعطاه الله قدرات خارقة بلغت حد إحياء الموتى بإذن الله،‮ ‬والنفخ في طين‮ ‬يصبح كهيئة الطير،‮ ‬فإذا هو‮ ‬يطير بإذن الله،‮ ‬وبالرغم من ذلك لم‮ ‬يجد منهم آذاناً صاغية،‮ ‬ولا قلوباً واعية لكن فئةً قليلةً منهم آمنت بما جاء به عيسى عليه السلام من الحق‮.‬

زيادة في الإيمان

ويذكر ابن كثير في‮ ‬كتاب‮ «‬قصص الأنبياء‮»‬،‮ ‬كان الحواريون من الذين آمنوا بعيسى ابن مريم،‮ ‬فأمرهم بصيام ثلاثين‮ ‬يوماً، فلما أتموها سألوا عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم بأن الله قد تقبّل صيامهم وأجابهم إلى طلبهم، وتكون لهم عيداً‮ ‬يفطرون عليها‮ ‬يوم فِطرهم، وتكون كافيةً لأولهم وآخرهم‮ ‬ولغنيهم وفقيرهم،‮ ‬وخاف عيسى عليه السلام ألا‮ ‬يقوموا بشكرها، ولا‮ ‬يؤدوا حقّ شروطها، فأبوا عليه إلا أن‮ ‬يسأل لهم ذلك ربَّه عز وجل،‮ ‬وقد كان جواب عيسى عن طلب الحواريين بأن أمرهم بتقوى الله سبحانه،‮ ‬والوقوف عند حدوده،‮ ‬ومخافته وخشيته،‮ ‬وترك مطالبته بأمور تؤدي‮ ‬بالمؤمن إلى الفتنة،‮ ‬فقال لهم‮: «‬اتقوا الله إن كنتم مؤمنين‮». ‬لكنهم بينوا في جوابهم أنهم طلبوا نزول المائدة رغبةً في‮ ‬أن‮ ‬ينالوا البركة،‮ ‬ولحاجتهم إلى الطعام بعد أن ضيّق عليهم بنو ««إسرائيل»» في الرزق،‮ ‬وأيضاً لتزداد قلوبهم إيماناً بالله وتصديقاً بما جاءهم من الحق،‮ ‬وأيضاً ليكونوا شهوداً على صدق المعجزات التي‮ ‬جاءهم بها عيسى عليه السلام عند الذين لم‮ ‬يشهدوها‮. ‬والحواريون بينوا لعيسى عليه السلام‮ -‬ كما حكى القرآن الكريم‮ - ‬أنهم لم‮ ‬يطلبوا نزول المائدة من السماء،‮ ‬لأنهم‮ ‬يشكون في‮ ‬قدرة الله،‮ ‬أو نبوة عيسى عليه السلام،‮ ‬بل طلبوا ذلك زيادةً في‮ ‬الإيمان،‮ ‬وطلباً لليقين‮. ‬قال السدي‮: «‬أي نتخذ ذلك اليوم الذي‮ ‬نزلت فيه عيداً،‮ ‬نعظمه نحن ومن بعدنا»‮. ‬وقال سفيان الثوري‮: ‬«يعني‮ ‬يوماً نصلي‮ ‬فيه‮». ‬وقال قتادة‮: ‬«أرادوا أن‮ ‬يكون لعقبهم من بعدهم»‮. ‬وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه‮: ‬«عظة لنا ولمن بعدنا‮».‬

مائدة مباركة

قام عيسى عليه السلام إلى مصلّاه وتضرّع إلى الله في الدعاء أن يجابوا إلى ما طلبوا‮. ‬قال تعالى‮ «‬اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين» ‮(‬سورة المائدة‮: ‬الآية 114) ‬ثم ختم سبحانه وتعالى حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى عليه السلام والحواريين بقوله‮: «‬قال الله إني‮ ‬منزلها عليكم فمن‮ ‬يكفر بعد منكم فإني‮ ‬أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين‮» (‬سورة المائدة‮: ‬الآية 115) ‬إن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه المائدة عليهم إجابةً لدعاء رسوله عيسى عليه السلام،‮ ‬وأخبرهم أن من‮ ‬يكفر بعد نزولها،‮ ‬فإنه سوف‮ ‬يعذبه عذاباً شديداً‮. ‬

تقبّل الله دعاء نبيِّه الكريم، وأنزل الله المائدة من السماء والناس‮ ‬ينظرون إليها تنحدر بين‮ ‬غمامتين،‮ ‬وجعلت تدنو قليلاً‮ ‬قليلاً،‮ ‬وكلما دنت سأل عيسى عليه السلام ربَّه عز وجل أن‮ ‬يجعلها رحمةً لا نقمة، وأن‮ ‬يجعلها بركةً وسلاماً فلم تزل تدنو حتى استقرت بين‮ ‬يدي‮ ‬عيسى عليه السلام وهي‮ ‬مغطاة، فقام عيسى‮ ‬يكشف عنها وهو‮ ‬يقول‮ «‬بسم الله خير الرازقين‮» ‬ثم أمرهم بالأكل،‮ ‬فأكلوا منها فشفي ‬كل من به عاهةٌ أو آفةٌ أو مرض مزمن،‮ ‬فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك،‮ ‬وقيل إنه كان‮ ‬يأكل آخرهم كما‮ ‬يأكل أولهم حتى قيل إنه كان‮ ‬يأكل منها نحو سبعة آلاف‮. ‬وقيل إنها كانت تنزّل‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يوم،‮ ‬ثم أمر الله عيسى عليه السلام بأن‮ ‬يقصرها على الفقراء والمحتاجين دون الأغنياء،‮ ‬فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في‮ ‬ذلك،‮ ‬فرفعت بالكلية‮.‬