«قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين» (سورة المائدة: الآية 114).
كان الحواريون - وهم تلاميذ المسيح عليه السلام وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به - يعرفون أنه بشر.. وينادونه بما يعرفونه عنه حق المعرفة. وكانوا يعرفون أنه ليس رباً وإنما هو عبد لله. وأنه ليس ابن الله، إنما هو ابن مريم ومن عبيد الله، وكانوا يعرفون كذلك أن ربه هو الذي يصنع تلك المعجزات الخوارق على يديه، وليس هو الذي يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة.. لذلك حين طلبوا إليه، أن تنزل عليهم مائدة من السماء، لم يطلبوها منه، فهم يعرفون أنه بذاته لا يقدر على هذه الخارقة. وإنما سألوه: «يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ» سورة المائدة الآية 211).
آية لكل الناس
ونبي الله عيسى ابن مريم هو آخر أنبياء بني إسرائيل، وينسب إلى أمه فقط لأن قدرة الله تعالى أبدعته على غير ما ينشأ منه سائر البشر حيث ولدته أمه من دون أن يمسسها بشر، فهو آية من عند الله تعالى، آية لكل الناس ودليل على قدرته عز وجل وقد تكلّم عيسى ابن مريم وهو طفل رضيع ليحمي أمه من الرجم بالمعصية والخطيئة. عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إلا مريم وابنها».
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب «قصص الأنبياء»، «كان أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا» (سورة مريم: الآيتان 13-03)، ومرت السنوات وكبر عيسى ابن مريم، وبدأ دعوته مختصاً بها بني إسرائيل، وقد بعثه الله لقوم ينكرون الروح تماماً وينكرون البعث، ويزعمون أن الإنسان جسم بلا روح، ويعتقدون أن دم المخلوق هو روحه أو نفسه.
علّمه الله سبحانه وتعالى التوراة، ثم أنزل عليه الإنجيل كما أعطاه الله قدرات خارقة بلغت حد إحياء الموتى بإذن الله، والنفخ في طين يصبح كهيئة الطير، فإذا هو يطير بإذن الله، وبالرغم من ذلك لم يجد منهم آذاناً صاغية، ولا قلوباً واعية لكن فئةً قليلةً منهم آمنت بما جاء به عيسى عليه السلام من الحق.
زيادة في الإيمان
ويذكر ابن كثير في كتاب «قصص الأنبياء»، كان الحواريون من الذين آمنوا بعيسى ابن مريم، فأمرهم بصيام ثلاثين يوماً، فلما أتموها سألوا عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم بأن الله قد تقبّل صيامهم وأجابهم إلى طلبهم، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فِطرهم، وتكون كافيةً لأولهم وآخرهم ولغنيهم وفقيرهم، وخاف عيسى عليه السلام ألا يقوموا بشكرها، ولا يؤدوا حقّ شروطها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك ربَّه عز وجل، وقد كان جواب عيسى عن طلب الحواريين بأن أمرهم بتقوى الله سبحانه، والوقوف عند حدوده، ومخافته وخشيته، وترك مطالبته بأمور تؤدي بالمؤمن إلى الفتنة، فقال لهم: «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين». لكنهم بينوا في جوابهم أنهم طلبوا نزول المائدة رغبةً في أن ينالوا البركة، ولحاجتهم إلى الطعام بعد أن ضيّق عليهم بنو ««إسرائيل»» في الرزق، وأيضاً لتزداد قلوبهم إيماناً بالله وتصديقاً بما جاءهم من الحق، وأيضاً ليكونوا شهوداً على صدق المعجزات التي جاءهم بها عيسى عليه السلام عند الذين لم يشهدوها. والحواريون بينوا لعيسى عليه السلام - كما حكى القرآن الكريم - أنهم لم يطلبوا نزول المائدة من السماء، لأنهم يشكون في قدرة الله، أو نبوة عيسى عليه السلام، بل طلبوا ذلك زيادةً في الإيمان، وطلباً لليقين. قال السدي: «أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً، نعظمه نحن ومن بعدنا». وقال سفيان الثوري: «يعني يوماً نصلي فيه». وقال قتادة: «أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم». وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه: «عظة لنا ولمن بعدنا».
مائدة مباركة
قام عيسى عليه السلام إلى مصلّاه وتضرّع إلى الله في الدعاء أن يجابوا إلى ما طلبوا. قال تعالى «اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين» (سورة المائدة: الآية 114) ثم ختم سبحانه وتعالى حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى عليه السلام والحواريين بقوله: «قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين» (سورة المائدة: الآية 115) إن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه المائدة عليهم إجابةً لدعاء رسوله عيسى عليه السلام، وأخبرهم أن من يكفر بعد نزولها، فإنه سوف يعذبه عذاباً شديداً.
تقبّل الله دعاء نبيِّه الكريم، وأنزل الله المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنو قليلاً قليلاً، وكلما دنت سأل عيسى عليه السلام ربَّه عز وجل أن يجعلها رحمةً لا نقمة، وأن يجعلها بركةً وسلاماً فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة، فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول «بسم الله خير الرازقين» ثم أمرهم بالأكل، فأكلوا منها فشفي كل من به عاهةٌ أو آفةٌ أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك، وقيل إنه كان يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنه كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. وقيل إنها كانت تنزّل يوماً بعد يوم، ثم أمر الله عيسى عليه السلام بأن يقصرها على الفقراء والمحتاجين دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية.