د. يوسف الحسن

قيل إن الضحك مع الناس عيد، وها هم عربنا، وكل أيامهم الراهنة أعياد، من كثرة الضحك، يغالبون آلامهم وإحباطاتهم وكربهم بالنكات.. ويقولون: إن الأجر في اجتراح النكات يأتي على قدر المشقة. يتفاعلون معها، وتزود مدركاتهم بمعلومات جديدة، فترفع من كفاءة عمليات أدمغتهم، وتريحهم قليلاً من عناء وتعب الأيام، ورداءة ما يسمعون ويشاهدون، من غلاظة ساسة. وثقل دم محللين «استراتيجيين» و«مفككين» (أقصد مفكرين) عرب.

} لا يوجد مجتمع بدون نكتة، ولا توجد نكتة بدون سبب، وغالباً ما تحتاج النكتة إلى ذكاء، في صياغتها وإلقائها وتذوقها وفهمها. وعندما يضحك الإنسان تتحرك في جسده عشرات العضلات وتفرغ طاقة الغيظ لديه.
} هناك شعوب ضاحكة بطبعها، وتُسلي همومها بنكاتها. وهناك شعوب «عبوسة»، مقطبة الجبين دائماً.. لكن يبدو أنها تبتسم إذا الدنيا عندها أدبرت «وبال الحمار على الأسد».
} هي سلاح من لا حول له ولا قوة، لا تسبب الدماء، لكنها تشكل نوعاً من التمرد السري، وبخاصة في أزمنة القهر، وقد سمعت صديقاً يقول ذات يوم، حينما ارتفعت الأسعار في الأسواق: «الأسعار مولعة، تعال تدفأ معنا».
} والنكتة، تخرج من رحم المعاناة، وطول الصبر، وسريعة الانتشار كالبرق، في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، تتجسد حيناً في جملة قصيرة، أو قصة خاطفة، أو كاريكاتور أو في مسرح مشاغب..إلخ.
} قال سياسي لبناني، مرة عن أحد خصومه: «إنه يشعر باحترام كبير للحقيقة، لدرجة أنه نادراً ما يتفوه بها».
} سألتني سيدة ذات يوم: «ما الذي يضحكنا هذه الأيام، ويزرع البهجة في نفوسنا؟ ما الذي يزيل هذه الكآبة والإحباط؟
هل هي النكتة التي نسمعها في لحظة، فتتبعها غصة وأحياناً بكاء في لحظات أخرى؟ هل هي تصريحات المتحدثين الرسميين العرب، عن «إن كل شيء تحت السيطرة» أم كلام رؤساء البلديات: «إن الشوارع المكسرة، تجبر السائقين، على خفض سرعاتهم، مما يقلل من نسبة الحوادث»!؟
وتقول امرأة ظريفة: «إن مثل هذه التصريحات، تجعل حياتنا أقل مللاً وكآبة».
} وسمعت ذات يوم، محاضراً يقول للشباب: «لا تقلقوا، إن كل ما أنتم بحاجة إليه، هو سياسي كذاب، يقول لكم، «إن كل شيء، سيكون زي الفل».
} بعضنا يكره أمريكا، لأنها تتدخل في الشؤون العربية، وبعضنا الآخر يغضب منها وربما صار يكرهها، لأنها لا تتدخل لمساعدتنا في تسوية خلافاتنا العربية - العربية..
} كيف نحل هذه الألغاز؟ وألغازاً أخرى، حول من «سرق الجامع»، ومن مرّغ سمعة المسلمين في أوحال العالم، وأخذهم إلى حروب مذهبية ومقتلة دموية؟ ومن هو الذي ضرب للشباب موعداً مع «الحور العين»؟ وعمن سرق أحلام الناس في الحرية والعدالة والكرامة والتنمية والأمان، والعيش المشترك، والمصالحة مع العالم من دون أن يكتسحه الرعب، من عبوة ناسفة نفجرها به؟
} من لا حول له ولا قوة، يتكئ على مناجم النكتة، للإجابة عن بعض هذه التساؤلات، أو للتخفيف من ضغوطها المؤلمة للروح والوجدان.
} نعم.. نحتاج إلى المزيد من الظرفاء. وإلى ضحكات صافية وسط زحمة المواجع والهموم.
} صحيفة عراقية كتبت ذات يوم: «إن نصف مجلس الوزراء لصوص»، فتقدم مجلس وزراء المالكي، ببلاغ إلى النيابة العامة، معتبراً أن هذا الكلام المنشور، هو كذب، وتحقير للحكومة، وطلب المجلس من الصحيفة تكذيب الخبر، وفي اليوم التالي كذَّبت الصحيفة الخبر، قائلة: «نشرنا بالأمس أن نصف مجلس الوزراء لصوص، ونحب أن نصحح ذلك ونقول، بأن نصف مجلس الوزراء ليسوا لصوصاً».
} ولعل أكثر الشعوب العربية حيرة وصبراً، هو الشعب الفلسطيني، ويروى عن فلاح فلسطيني، عثر على مصباح علاء الدين السحري، حيث خرج من المصباح، بعد فركه، مارد وهو يقول: «شبيك لبيك، عبدك بين أيديك»، «أُطلب وتمنى»، قال الفلاح: «أتمنى زيارة أمريكا، وأريدك أن تعمل لي طريقاً برياً، يوصلني إلى أمريكا من فلسطين، لأنني أخشى ركوب البحر والطائرات، قال المارد، هذا أمر صعب للغاية، أطلب شيئاً آخر أقل صعوبة، فكر الفلاح طويلاً، ثم قال للمارد، «أريد أن أعرف كيف تفكر القيادة الفلسطينية في حل القضية، وإزالة الاحتلال».
صمت المارد قليلاً، ثم قال: «هل تريد ياصديقي أن يكون الطريق البري إلى أمريكا، في اتجاه واحد، أم في اتجاهين»؟
} ازداد هذا الفلاح الفلسطيني، كآبة، حينما سمع ما تقوله القيادة الفلسطينية إنها ستعمل على «وقف عمليات الطعن بالسكاكين».. ويبدو أن أزمة النخبة السياسية الفلسطينية، انتهت إلى إدمان الفشل.
} النكتة السياسية هذه الأيام، هي السائدة، أكثر من انتشار الظرف الاجتماعي، لكن بعض الفضائيات، وبخاصة في لبنان، كثفت مؤخراً من برامج فكاهية تركز على النكتة الفاحشة، ذات الطابع الجنسي، وبحضور جمهور واسع من الشباب، ومن غير المعروف مبررات هذا النوع من النكات القبيحة، في أزمنة القتل والخوف والكراهية والزبالة والفساد. وغياب الدولة. وتذكرت نكتة تروى عن الأدب الزائد الذي يتمتع به الياباني، والذي يدق باب «الثلاجة» قبل فتحها. ونكتة أخرى عن شعوب عربية «مؤدبة للغاية»، حينما كانت العائلة العربية وهي تتابع فيلماً سينمائياً، يبدو كل فرد فيها بإظهار نفسه مشغولاً، إذا ما ظهرت في الفيلم لقطة فيها قُبل.
الأم تسأل٬ هل تريدون العشاء الآن، والابن ينشغل بالتطلع إلى سقف الحجرة مبتسماً، والبنت تحتضن أخاها الصغير، والأب يطلب فنجاناً من القهوة.
} نعم.. شعوب مؤدبة للغاية.. لا تسمح حتى للقُبلة السينمائية بالمرور!!
} قلت لمن سألتني، عما يضحكنا هذه الأيام «سيدتي.. أنت عسل»، فعطست فجأة، وطلعت من أنفها نحلة.. سبحان الله.