منذ بدء السينما، وعلى المستوى النظري، كان أحد الأسئلة المركزية حول طبيعتها وخصوصيتها يدور حول علاقتها بالواقع من حيث صدق التعبير عنه أو عدمه، إضافة إلى إمكانية أن يكون هذا التعبير موضوعيا، وذلك استنادا إلى أن السينما هي الفن الوحيد الذي يعكس صور الواقع مباشرة .
يعرض كتاب ما بعد الحداثة والسينما من منشورات سلسلة الفن السابع الصادرة عن المؤسسة العامة للسينما في سوريا، إجابة جديدة حول علاقة السينما بالواقع من خلال دراسته للسينما من منظور مفاهيم ما بعد حداثية تقضي بأن السينما لا تعكس الواقع فعلا، بل إنها تقدم واقعاً افتراضياً .
يرتبط مفهوم الواقع الافتراضي بتطور التقنيات الرقمية التي تكشفت عن إمكانيات غير محدودة لإبداع واقع افتراضي بدأ يكتسب شرعية متزايدة في الممارسة الإنتاجية في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية ومجالات الإبداع الفني، خاصة المرتبطة منها بالفنون السمعية البصرية .
أُثير السؤال حول الواقع الافتراضي في السينما بشكل واضح بعد إنتاج الفيلم الأمريكي الشهير فوريست غامب الذي احتوى على مجموعة مشاهد مركبة بواسطة الكمبيوتر اختلطت فيها الصور المعكوسة من الواقع مع الصور الافتراضية، وأبرزها مشهد لقاء الممثل توم هانكس مع الرئيس جون كينيدي المعروض في الفيلم كمشهد حقيقي وثائقي، وما تضمنه هذا اللقاء من مصافحة وتبادل للحديث صوتا وصورة، هذا في حين أن الممثل توم هانكس كان طفلا في السابعة من عمره (ولد عام 1956)، حين جرى اغتيال جون كينيدي في عام 1963 .
ترتبط مسألة الواقع الافتراضي في السينما بطروحات ما بعد الحداثة، ويطرح مؤلف الكتاب علاء عبدالعزيز السيد، السؤال حول البداية الزمنية لتجلي ما بعد الحداثة في السينما،و يتساءل حول إذا ما كان عالم الشبكة الدولية للمعلومات والفرجة التلفزيونية (الإعلان والأغاني المصورة)، من الأسباب الأساسية في تحول الأسلوب السينمائي للاتجاه ما بعد الحداثي أم هل كانت السينما تحمل بداخلها الجانب ما بعد الحداثي منذ نشأتها؟ ويستشهد بالباحث أموس فوغل الذي يقول يبدأ الهدم أو التدمير في السينما عندما تغمر العتمة صالة السينما وينبجس الضوء من سطح الشاشة، ليصل إلى التأكيد التالي: يمثل الفيلم في حقيقة الأمر عالما افتراضيا، حيث تقدم لقطاته أجزاء من الحركة ومن الأحداث الدرامية كنموذج دال على الحركة وعلى الأحداث الحقيقية بكل امتداداتها وتتابعاتها وتفصيلاتها الزمانية والمكانية، حيث تقوم أذهان المتفرجين حال مشاهدتها للأفلام بإكمال تلك الأجزاء الناقصة مما يعرض أمام أنظارهم على الشاشة . مع ذلك لا يتجاهل المؤلف في تأكيده على الطبيعة الافتراضية للفيلم خاصية علاقة السينما بالواقع إذ يقر بأن البنية الفيلمية الافتراضية التي قدمتها السينما كان يغلب عليها محاكاة ومماثلة هذا الواقع الإنساني المعيش، فالواقع ظل هو المعين الذي تستمد منه العروض الفيلمية مرجعيتها .
يعالج المؤلف في كتابه الكثير من القضايا المرتبطة بعلاقة السينما بمفاهيم ما بعد الحداثة، وخاصة من خلال التأثيرات التي أدخلتها التقنيات الرقمية على شكل الفيلم وأنظمة البناء السردي التي استندت إلى الخبرات المتراكمة السابقة على التقنيات الرقمية . يكتب المؤلف: تستلزم عملية رصد أثر السمات ما بعد الحداثية على البناء الفيلمي، أن نحدد بداية المنطلقات التي نعنى بها إزاء قيامنا بالرصد والتحليل، فالبناء الفيلمي ليس المعني به هنا الحرفة/ التكنيك وإنما يشمل أيضا المفهوم والبناء الفكري، وبهذا الصدد، يشير المؤلف إلى أن مرحلة ما بعد الحداثية صارت تستند إلى معايير من نوع مغاير، إذ أصبح التشظي والتفكك واللامنطقية من السمات العامة المميزة لها وان هذه المعايير والسمات انعكست على البناء الفيلمي بشكل واضح ومؤثر في البنية السردية، وهذا ما يؤثر بالضرورة في تغير البناء المونتاجي للأفلام .
من الصعب في هذا الحيز الإحاطة بمجمل القضايا والطروحات التي يشتمل عليها هذا الكتاب المؤلف من 576 صفحة من القطع الكبير والمكون من ثلاثة فصول رئيسية، الأول والثاني منها يشكلان ما يقارب نصف الكتاب، ويبحثان في جوانب مختلفة من مفهوم ما بعد الحداثة، في حين يعالج الفصل الثالث المعنون ما بعد الحداثة وتمثلات الصورة الموضوع الذي يحدده عنوان الكتاب والخاص بالعلاقة مع السينما . ويتضمن هذا الفصل العناوين الفرعية التالية: الواقع الافتراضي والواقع الفيلمي، جذور ما بعد الحداثة في التاريخ الفيلمي، وأخيرا أثر ما بعد الحداثة على البناء الفيلمي الذي يتضمن تطبيقات تبدأ من دراسة أثر ما بعد الحداثة في أنواع الشخصيات الفيلمية مستقاة من نماذج أفلام محددة، لتصل تحليل البناء الزماني والمكاني للفيلم ما بعد الحداثي .
يعمل المؤلف علاء عبدالعزيز السيد في التدريس بالمعهد العالي للسينما في مصر وصدرت له مؤلفات سينمائية منها التحولات السياسية والاجتماعية في الفيلم المصري الحديث، والفيلم بين اللغة والنص .