بلغة لا تصعب على من ألف حداً أدنى من مفردات علم الفيزياء، وبأسلوب شائق لا نعهده في كتب تأريخ العلم، يعرض هذا الكتاب ملحمة تشكيل نظرية الكم، ركائزها العلمية والتطورات التي مرت بها، والصيغ التي انتهت إليها، ويعرج على تفاصيل شخصية واجتماعية وسياسية، تصنع هذه الملحمة في سياق ثقافي عام، وآخر فلسفي خاص يركز على حالة الجدل التي أثارتها نظرية الكم.

هكذا يقدم د.نجيب الحصادي لترجمته كتاب مبدأ الريبة لديفيد لندلي، الصادر عن مشروع كلمة الإماراتي، بالتعاون مع دار العين للنشر بالقاهرة ويؤكد الحصادي أنه لم يسبق لأحد من البشر أن عرف كل شيء، ومن غير المرجح أن يتسنى لأحد منهم أن يعرف كل شيء، غير أنه لا يبدو أن هناك ما يحول من حيث المبدأ دون هتك حجب الجهل البشري حال تيسر الأدوات المناسبة لهتكها. ويقول: هذا مؤدى مذهب أشياع الحتمية الخصوم التقليديين ل مبدأ الريبة، فإذا عرف الإنسان كل الأوضاع الراهنة في الكون، فسوف يستطيع الدراية بجميع أوضاع مستقبله، وهذا الحكم يبدو غاية في الضعف لأنه يقال بصيغة شرطية يصعب استيفاء أشراطها.

ويعترف المترجم في مقدمته بأن مكمن خطر أفكار مبدأ الريبة عنوان الكتاب أنه إنكار مؤسس علمياً للمذهب الحتمي التي بدا لقرون غاية في البداهة، وعبر ماركيز دي لابلاس، أبرز دعاة هذا المذهب، بقوله إن المفكر الذي يعرف في كل لحظة كل القوى التي تبث الحياة في الطبيعة والمواضيع المتبادلة التي تتخذها الكائنات التي تتألف منها هذه الطبيعة، إذا كان عالما بما يكفي لتحليل البيانات فسوف يستطيع أن يكثف في معادلة واحدة حركة أجسام الكون الأعظم وحركة أخف ذراته، عند هذا المفكر، لا شيء موضع ارتياب، والمستقبل مثل الماضي، سوف يكون ماثلا أمام عينيه.

هذا المثال الذي ساقه لابلاس يتضمن وعدا بفردوس اليقين، يرتهن تحقيقه بتبني خيار العلم واستمرار الحياة الدنيا أبد الآبدين، وهذا يعني أنه إذا انتظرنا ما يكفي من الوقت فسوف نعرف كل شيء، غير أن هايزنبرج، صاحب مبدأ الريبة يشكك في هذه البشارة، فحتى لو استطاع البشر معرفة الأوضاع الراهنة في الكون، فلن يتمكنوا، حسب رأيه، من التنبؤ بمستقبله، فكلما جاهد الإنسان في الحصول على معلومات عن موضع الإلكترون قل احتمال درايته بكمية حركته، وكلما ازداد تيقنا من كمية حركته استعصت عليه معرفة موضعه، إن هذا المبدأ يشي بعجز بشري متأصل عن فهم العالم الفيزيقي، فلا شيء يمكن أن يعرفه البشر بمعنى نهائي، لأن كل ما يوجد، إنما يوجد بوصفه احتمالا.

إن هذا المبدأ لا يقول إن البشر خلقوا على نحو يحول دون قدرتهم على فهم العالم، بل يقول إن العالم خلق على نحو يحول دون قدرتهم على فهمه، وهكذا تقلق الريبة النظام القديم، ليس فقط في حالة الدقائق المجهرية بل حتى في إحصاءات الجريمة وشؤون الحرب وحركة الأجرام السماوية في مجرات الكون، ففجأة بدا الأمل في المعرفة زائفا، وخلافا لما اعتقده أينشتين من أن ثمة من يلعب بالنرد أن ثمة من يرمي به حيث لا يراه أحد، فلم يعد هناك براح للجزم والإطلاق، ولم يعد لأحد الحق في أن يزعم بأن للحقيقة وجها واحدا أو بأن جهة دون غيرها عرفت هذا الوجه، يحدث هذا في العلم، معقل الملاحظة والتجريب وإعمال أشد معايير الاختبار صرامة وإحكاما فكيف يكون الأمر حين يرتهن بمسائل أخلاقية أو سياسية أو أدبية.

في العام 1927 اكتشف فرز هايزنبرج عالم الفيزياء الذي كان عمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين مبدأ الريبة وساعده في تحديد الكلمة والمعنى أستاذه والمشرف عليه نيلز بور ورغم أن الريبة كما يشير المؤلف كانت مطروحة من قبل إلا أن هايزنبرج قام بتغيير الطرح بطريقة معمقة تكشف عن طبيعة هذه الريبة ومعناها.

كانت أسئلة هايزنبرج تتعلق بالتالي: كيف نحصل على معرفة بالعالم؟ كيف نحوز على نوع المعرفة الذي نستطيع تعريضه للتدقيق العلمي؟ وفيما يتعلق بالجسيمات التي عني بها هايزنبرج كيف نعرف موضع شيء ما، ومدى سرعته؟ وكان اكتشاف العالم الفيزيائي أنه نستطيع أن نقيس سرعة الجسيم أو قد نستطيع أن نقيس موضعه، غير أننا لا نستطيع أن ننجز المهمتين معا، أو كلما كنت أكثر دقة في معرفة الموضع غدوت أقل قدرة على معرفة السرعة، أو بتعبير آخر فإن فعل الملاحظة يغير الشيء الملاحظ.

كان هايزنبرج يريد أن يقول إنك لا تستطيع فهم كل ما تود معرفته، حتى قدرتك على وصف العالم الطبيعي قصيرة، وإذا لم يكن يتسنى لك وصفه كما أملت، فكيف لك أن تأمل في استنباط قوانينه، كان هايزنبرج بصدد استحداث نظرية أصبحت تعرف بميكانيكا الكم، كان يتطلع إلى المضي قدما ليعيد كتابة قواعد الفيزياء الأساسية بلغة نظرية جديدة، وهنا يقول المؤلف إن أستاذ هايزنبرج نيلز بور المجبول على ردود الفعل البطيئة، والمثيرة أحيانا للسخط، استشعر الحاجة إلى استيعاب الجديد في القديم، لقد اكتشف أن هناك مهمة عسيرة، لكنها أساسية، تتعين في فهم فيزياء الكم الجديدة دون الاستغناء عن النجاح الصعب الذي حقق في العصر السابق.

في ذلك الوقت كان أينشتين قارب الخمسين من عمره وكان أحد ثقاة العلم، وإن لم يعد يحظى بالاهتمام، وهذا لا ينفي توقيره واحترامه، بعدما أطاح بنظريته في النسبية فكرة نيوتن حول المكان والزمان المطلقين، ومع أن هايزنبرج استخدم مبدأ أينشتين بطريقة مرنة في دعم مبدئه: الملاحظون المختلفون يرون العالم بشكل مختلف فإن أينشتين اعتبر هذا إساءة تأويل بشعة لأعظم إنجازاته.

ويقول المؤلف إن النسبية تسمح بمنظورات مختلفة، غير أن مفاد مجمل نظرية أينشتين في كونها سمحت بالمصالحة بين ملاحظات تبدو متناقضة على نحو، بمقدور كل الملاحظين قبوله، أما في عالم هايزنبرج، وفق فهم أينشتين، فإن فكرة الحقيقة الصادقة نفسها بدأت تتفتت في شكل تنويعة من وجهات النظر غير القابلة للمصالحة، وهذا فيما يقول أينشتين غير مقبول، إذا كان العلم يعني أي شيء جدير بالثقة، هذا صرع فكري ضار آخر، يحارب فيه هايزنبرج وبور هذه المرة في جبهة واحدة ضد العلم القديم.

سلم أينشتين على مضض بصحة النسق الذي طرحه هايزنبرج وبور، غير أنه لم يقبل كونه يقول الكلمة الفصل، وظلت الفيزياء الجديدة عنده، إلى حين مماته، إجراء مؤقتا يتعين في النهاية تعزيزه بنظرية تنهض على المبادئ القديمة التي تعلق بها، وهكذا تشبث أينشتين بفكرة مؤداها أن ريبة هايزنبرج إنما تشي بعجز بشري عن فهم العالم الفيزيقي، عوضا عن أن تكون مؤشرا على شيء غريب يتعذر الوصول إليه بخصوص العالم نفسه.

وكما يقول المؤلف فإن مبدأ الريبة أصبح عبارة جذابة تصف صعوبة عامة، ليس فقط في العلم، بل حين يقر الصحافيون أن رؤاهم قد تؤثر في القصص التي يعدون تقارير بخصوصها، وحين يأسى علماء الأنثروبولوجيا على أن حضورهم يؤثر في سلوك الثقافات التي يقومون بتقصيها، وحين يقر منظرو الأدب أن النص يعرض تنويعة من المعاني، فإن هايزنبرج يختبئ وراء كل هذا من خلال مبدئه الملاحظ (بكسر الحاد) يغير الشيء الملاحظ (بفتح الحاء).