منذ سنوات طويلة والخط العربي يتجدد من حين لآخر بأشكال مختلفة وسمات تميزه عن غيره من الخطوط، وتعود بداية الخط العربي إلى ما قبل فجر الإسلام حيث تطور بعد ذلك في القرن الهجري الأول وكان الظهور الأول لما يعرف بالخطوط الهجائية للغات السامية الشمالية قد بدأ بعد قرون أعقبت رسوم اليد الأولى على الكهوف، والكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة.
ونظراً لأهمية الحفاظ على المخطوطات النادرة وكذلك الحفاظ على تراث اللغة العربية كونه يمثل هويتنا ويعبر عن تاريخ أجدادنا فقد أطلق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مبادرة لتجديد بيوت عدة حول ساحة كبيرة مفتوحة في وسط الشارقة القديمة، ووقع الاختيار على بيت عائلة حمد المدفع ليكون مقراً لمتحف الشارقة للخط العربي الذي افتتحه سموه في شهر يونيو من عام 2003 والذي يحتوي على قطع خلابة من الفن الخطي معروضة في محيط ساحة داخلية للمتحف.
وجاءت شهرة المتحف عندما حظي بتوسعة شملت بيت عبد الله النعمان مع استكمال التجديدات في العام 2003 حيث تزامن ذلك مع استضافة هذا المتحف لأول ملتقى لفن الخط العربي.
مقتنيات نادرة
وحسبما تؤكد بثينة الرصاصي مديرة المتحف التي اصطحبتنا في جولة داخله فإن المتحف يحتوي على أكثر من 281 مخطوطة لكبار الخطاطين في العالم العربي والإسلامي، ومتعددة الأنواع من الخطوط والكلمات والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة بالإضافة إلى المقتنيات النادرة التي أهداها صاحب السمو حاكم الشارقة إلى المتحف، ومن أهمها الحلية الشريفة التي تعتبر أكبر حلية في العالم في وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي من تصميم الفنان العراقي زياد المهندس.
وفي بداية الجولة رأينا عدداً من اللوحات النادرة المعلقة في سقف ساحة المتحف وتسمى بالكتاتيب أو الألواح وأصلها من السودان، حيث كانت تستخدم منذ سنوات كصحائف للكتابة في مراحل ما قبل المدرسة وكان الأطفال يقومون بنسخ آيات من القرآن الكريم على كتاتيب في المدرسة ثم حفظها عن ظهر قلب في المنزل، وكان الحبر المستخدم فيها قابلاً للغسل وجاهز للاستعمال لمرات كثيرة وعند التخرج كان يسمح للطلاب برسم المساجد على هذه اللوحات وتلوينها وحفظها لفترات طويلة وكانت هذه المقتنيات أنموذجاً منها.
أنواع الخط
وخلال الجولة أكدت الرصاصي أن هناك لوحات مكتوبة بعشرة أنواع من الخط العربي على الأقل، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الموجودة باللغات الإنجليزية والفرنسية والصينية، ومن المعروف أن هناك عائلتين رئيسيتين لأنماط الخط العربي الأولى هي ذات الزاوية والمعروفة بالخط الكوفي، والثانية عائلة الأنماط المتصلة مع خطوط النسخ والثلث والتعليق وغيرها.
ومن اللوحات المميزة في المتحف ثلاث لوحات عمرها مئات السنين ولم يتضح أصلها، وتظهر على هذه اللوحات مقتطفات من القرآن الكريم، وفي اللوحة الأولى مثال للخط الكوفي ذي الزوايا البسيطة من دون نقط ولكنها مزودة بنقاط كبيرة ملونة لفصل الآيات الكريمة عن بعضها.
واللوحة الثانية بالخط الكوفي القديم ولكنها مدروسة أكثر بنقاط صغيرة فوق وتحت حروف معينة من أجل التفريق بينها، أما اللوحة الثالثة وهي قديمة فإنها بالخط الكوفي أيضاً ولكنها أحدث اللوحات الثلاث لأنها لا تحتوي على نقاط فقط بل وعلى علامات صوتية.
و إضافة إلى ذلك توجد لوحة ورقة التمرين وهي القطعة الفنية الخطية التالية لهذه اللوحات وقد أعدها الخطاط المغربي محمد أزميل وتوجد فيها حروف كبيرة وصغيرة بحجم صحيح وقائم على الحسابات الرياضية حيث تحدد نسب الحروف بالنقط.
وقد اشترى المتحف بعض هذه اللوحات بأسعار متفاوتة ربما تصل إلى 10 آلاف درهم للوحة الواحدة، أو أكثر أو أقل، وفي المقابل يبادر كثير من الخطاطين إلى إهداء لوحاتهم للمتحف.
أدوات الكتابة
وبالإضافة إلى أشهر اللوحات الخطية التي ذكرناها يحتوي المتحف على العديد من أدوات كتابة الخط العربي المستعملة قديما أو حديثاً ومن أبرزها قلم من خيزران أو قصب يعتبر من أفضل أنواع القصب ويستخرج من الجزر الساحلية للخليج العربي حيث كانت عيدان القصب تقص وتترك في المستنقع أسابيع عدة حتى تصير لينة ثم تجمع وتفرز وتقص وتقلم حتى يصل بها الخطاط في النهاية إلى القلم المطلوب الذي تتعدد أشكاله للحصول على أنماط ومستويات مختلفة من الخط.
وفي الوقت الحالي تتوافر هذه الأنواع من الأقلام وتطلب من تركيا أو إيران، حيث يأتي دور الخطاط البارع في تشكيل القلم حسب رغبته، وهو ما جعل القلم القصبي أداه أساسية للخطاط.
ومن اللوازم الأخرى الورق المصنع من عجينة ورقية من الخشب يعدها في معظم الأوقات الخطاط عن طريق نقعها في الماء والزيت والحبر لتصبح مسطحة مجففة، وتعطي الورقة مظهر صبغة محكمة ورائعة ويسمى هذا المظهر رخامياً أيضاً بالإضافة إلى المواد الأخرى التي تستخدم في الكتابة منها كالخشب والمعدن.
أما الحبر المستخدم فهو يأخذ ألواناً عدة منها الأسود والبني والأزرق والأبيض والفضي والذهبي حيث يعطي الكثير من الخطاطين تعليمات عن كيفية إعداد الحبر وهو يشمل العديد من التركيبات الكيميائية المعقدة.
وحسب مديرة المتحف فإن عدد الزائرين يفوق 500 شخص خلال الشهر الواحد خاصة من السائحين الزائرين للدولة أو من طلاب المدارس أو من المهتمين بفنون الخط العربي وتصميماته، وينتظر المتحف خلال الفترة القادمة مزيداً من اللوحات النادرة للخط العربي كي تعزز مكانة المتحف الذي أصبح من أهم متاحف الخط في العالم العربي.