لعادات الأكل والشرب بدع شتى وقع فيها بعض المسلمين، الذين يغالون في التدين ومظاهره، حيث رأينا البعض يصر على أن يأكل بيده ويلحس يده عقب الأكل أو يرفض الأكل بالملاعق والشوك بحجة أنها بدعة أو يشرب هو جالس بدعوى أن السنة أن يشرب الإنسان وهو جالس أو يأكل على الأرض ويرفض الجلوس على الموائد والكراسي!
وفي المقابل يصر آخرون على أن يأكلوا على موائد الشموع وأصوات الموسيقا أو يسرفوا في الموائد والتفاخر واستخدام أواني الذهب والاختلاط والتكلف البغيض!
لماذا يحدث مثل هذا؟ وكيف نعيد لعادات الشراب والطعام آدابها الإسلامية من دون مغالاة أو تفريط؟
د . ألفت شاكر أستاذة الشريعة في كلية البنات الإسلامية في جامعة الأزهر لا تعتبر هذا التساؤل بسيطا، لأن العادات بشكل عام وعادات الطعام والأكل والشرب بشكل خاص، تعكس أخلاق وقيم وثقافة الشعوب في كل الحضارات وعلى مر التاريخ . وعليه رأينا المطبخ في معظم بيئات العالم يجسد الحالة الدينية والسياسية التي عليها الناس وعليه رأينا أيضاً عادات المسلمين اليوم في المشرب والمأكل تعكس في بعض الأحيان هذا التنوع وربما التناقض الموجود في بعض البيئات المسلمة بين التقليد والتحلل المبالغ فيه وبين الجمود والتطرف الواقع فيه البعض!
وتضيف: أنا أفهم بدع بعض المتدينين فهي فضلاً عن كونها مغالاة لا تتفق مع روح الإسلام ونصه الشرعي، رد فعل على الإفراط الحاصل في العادات ونوع من التأكيد على أن للإسلام عاداته وتقاليده أو الإتيكيت الإسلامي كما كتب البعض الذي يمكن من خلاله إكساب بعض هذه العادات روحاً دينية، ولكن مع الأسف فإن بعض هذه المحاولات قد وقعت في خطأ الابتداع والتشدد .
من هنا يرفض البعض الأكل على الموائد المرتفعة بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأكل وهو جالس على الأرض، أو يصر البعض على أن يأكل بيده ويرى أن الملاعق والشوك والأواني بدعة جديدة لم تكن موجودة في صدر الإسلام، أو ضرورة أن يشرب المسلم الماء وهو جالس لكراهة الشرب واقفاً . . وهكذا .
الشرب جالساً
وبرؤية شرعية وعقلية ترفض الدكتورة ألفت هذه المقولات وتقول: في مسألة مثل الشرب جالسا أو واقفا، لا يجوز أن يمنع أحد من أن يشرب الإنسان وهو واقف بحجة أن ثمة رواية تنهى الإنسان عن أن يشرب وهو واقف . إذ يجب أن تؤصل المسألة من الناحية الشرعية أولا ثم نرى نتائج هذا التأصيل في الفكر والسلوك .
فهناك حديث بالفعل ينهى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً، ولكن هذا ليس دليلاً على عدم جواز الشرب قائماً . لأن هذا الحديث رغم صحته إلا أن أحاديث الإباحة كما أجمع علماء السنة والشريعة أصح وأثبت .
فالبخاري أورد عدداً من الأحاديث التي تجيز الشرب قائماً، ولم يخرج شيئاً من أحاديث النهي . وكذا روى الإمام الترمذي .
كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم شربه وهو قائم في حجة الوداع أمام الأمة، وكذا في روايات عن ابن عباس في البخاري ومسلم وعن ابن عمر . ومثل هذا فعل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، وصح عن كبشة أنها قالت: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة .
وهكذا ثبتت أحاديث الشرب واقفاً، وعليه فهم العلماء حديث النهي عن الشرب واقفاً بأنها لأسباب خاصة، ولأن الأمر كله مباح، أو أن أحاديث الإجازة ناسخة لحديث النهي .
كما أن هذا يدخل في أصل من أصول فهم الشريعة وهو ضرورة فهم النص ومقارنته بالنصوص وترجيحها ومراعاة مصالح العباد ومقاصد اليسر ورفع الحرج . وعليه لا يجوز لأحد من الناس أن يبتدع في هذا المجال أو أن ينهى عن الشرب واقفا أو أن يصنف من يفعل هذا كما قد يفعل بعض المغالين في فهم الأمور .
الأكل على الأرض
أما إصرار البعض على الأكل باليد أو القول بأن استخدام الأدوات الحديثة مثل الشوك وغيرها من المبتدعات، أو الإصرار على الأكل على الأرض وعدم الجلوس على المائدة وغير ذلك من التشدد الذي يرفضه الفكر الإسلامي في إجمال، فإن هذه التصرفات تعد من العادات ولا تدخل في العبادات، أي أنها ليست سنة مطلوبة، فالمعروف أن هناك عادات تشريعية وعادات غير تشريعية، والعادات غير التشريعية من ضمنها بعض العادات المتعلقة بالأكل أو الشرب، فالأكل على الأرض ليس مقصوداً على الإطلاق والأكل باليد ليس مقصوداً على الإطلاق، بل هي عادات الناس المتاحة في تناول الطعام وكيفيته .
والغريب أن البعض يتعلل بالأكل باليد حتى يلحس الطعام من على يده كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغم أنها عادة تتطلب استخدام اليد، فإن الواجب هنا أن نفرق بين طبيعة الوسيلة والغاية من الفعل، بمعنى أن لحس الطعام هدفه الأسمى هو تقدير النعمة وصيانة الطعام عن الابتذال، وهي فضيلة مطلوبة الآن من كل مسلم، بكل وسيلة متاحة، وليس بالضرورة عن طريق لحس اليد .
تضييق وتكلف
إنني أرى - تضيف الدكتورة ألفت - أن مثل هذا الفهم يدخل في باب التضييق والتكلف، وحتى لو تحدث فيه البعض بحسن نية فإن حسن النية لا يعفي من سوء الفعل وسوء العمل وسوء الظن!
وفي تصوري أن الفكر والسلوك الإسلامي مع كل مفيد وجديد وجميل . . فإذا صار الناس يجلسون على الموائد أو يستخدمون أدوات لتناول الطعام فما المانع أن يكون المسلم أول من يصنعها وأول من يستخدمها؟!
ويجب التذكير هنا بأن الأمور المحرمة في الطعام تأكيدا لمقاصد الشريعة قد أوضحها لنا الإسلام بشكل لا لبس فيه، إذن فالأمور الممنوعة أوضحها الشارع والأمور المتاحة أتاحها الشارع .
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ألا هلك المتنطعون، ثلاث مرات كما يروي ابن مسعود، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على من يبعد عن الفطرة ويتكلف ويتشدد أو يتحسس بحثاً عن الحرام . .! ولهذا قال أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وفي الحديث: ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً .
وللتأكيد على أن المحرم أو المسنون في الطعام قد فصله الشارع الحكيم، رأينا الإسلام واضحاً كل الوضوح في تحريم الخمور والمخدرات وتحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير . وغيرها من صنوف التحريم التي استثناها من قاعدة الحلال العامة كما في مثل قوله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان . ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .
وفي مسألة مثل الأكل باليمين نجد أن الإسلام أوضحها في نصوصه الشرعية، فنهى الرسول عن الأكل باليسار متعمدا فقال: لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله وحث على الأكل باليمين فقال عليه الصلاة والسلام: سم الله وكل بيمينك .
والمعنى أن الأمر عندما يتعلق بقيم إسلامية فإن النص الشرعي يوضحها ولا يترك الأمر لهوى البعض أو تشددهم .
التيسير ورفع الحرج
وامتداداً لهذه الحقائق يحذر د . عبدالفتاح الشيخ أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر من شيوع مثل هذا النمط من التفكير، ويقول إن رد الحكم الشرعي لأصول الشريعة ونصوصها ومقاصدها يضع كل تصرف في حكمه الشرعي من دون زيادة أو نقصان .
ومن المناسب ألا نقول فقط إن هذا التصرف يرفضه الدين، بل المناسب أن نشير إلى أصل الخطأ وأن نصوب الفهم في ضوء قواعد هذا الدين العظيم .
ويضع د . عبدالفتاح الشيخ هذا الغلو في سياق عدد من الحقائق الشرعية:
أولاً: هناك مزاج خاص عند بعض الناس يميلون به إلى التشدد، وهو ميل مخالف للفطرة الإنسانية ولمزاج الناس العام ولروح الإسلام الميالة قطعا إلى التيسير ورفع الحرج وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة في أكثر من موضع مثل قوله تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وفي الحديث: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل . وفي رواية: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا .
ثانياً: لا يجوز أن يتساهل البعض مع مبدأ التحليل أو التحريم، أو أن يتعامل بسطحية مع ظاهر النص الشرعي، وهو خطأ يقع فيه بعض المتدينين ربما بحسن نية ولكنه يجرهم إلى الفتيا ويدفعهم إلى تبني الرأي المتشدد تحت زعم أنهم يحافظون على بعض السنن .
والحق أن خدمة الدين تأتي بالتيسير كما أن التعامل مع النص الشرعي يحتاج لعقلية ومهارة شرعية عند استقاء الحكم من نصوصه، وتحتاج لقراءة النص، وفهم سياقه، ومعرفة فقه اللغة، ومراتب الأحكام، والراجح والمرجوح، وحدود المصلحة الشرعية وظروف الأزمنة والأمكنة والأحوال .
وقد حذرتنا النصوص الشرعية من الفهم السطحي المتعجل حيث يقول القرآن الكريم: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون .
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا .
إذن ينبغي أن يعود الناس إلى أهل الذكر من المختصين وألا يعتقدوا أن خدمة الدين تكون بتبني الرأي الأكثر تشدداً .
مراتب الأحكام الشرعية
ثالثاً: ينبغي أن يسأل هذا الذي يأكل بيده أو يرفض الجلوس على المائدة نفسه، ما قيمة هذه الأمور، وما حجمها في هذا البناء الإسلامي الضخم، وما موقعها في العقائد أو العبادات أو الشرائع أو الأخلاق؟ .
ومن أصول الإسلام وغاياته أن يعرف المسلم مراتب الأحكام الشرعية، ويتفهم مراتب الناس في العمل إذ ليس كل الناس على درجة متساوية في العبادة وتحمل التكاليف، فكل واحد له ظروفه وطاقاته، وفي القرآن معنى شديد الدلالة ورد في قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله . ويقول العلماء إن الظالم لنفسه مع السابق بالخيرات جعلهما الله من ورثة الكتاب ومن عباده الصالحين .
وآفة بعض المسلمين الآن هي الانشغال في بعض الأحيان بالأمور الجزئية على حساب الأمور الكلية، وتناسي حاجات المجتمع المسلم الملحة في المأكل والمشرب، وفي العقيدة والأخلاق، وفي الصناعة والتجارة وفي العبادة والشريعة، وفي السياسة والاجتماع .
ويضيف: أريد من شباب الإسلام أن يخدم دينه ودنياه بكل وسائل التقدم والتدين والإعمار، وفي تصوري أن هناك ملايين الوسائل المتاحة لكل الناس، وحسبنا أن نقف فقط مع دلالة الحديث النبوي الشريف: كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة .
إذن فخدمة الإسلام والمجتمع المسلم، ميسورة على هذا النحو الذي يحقق الوحدة والطاعة ويبتعد عن الشقاق والمعصية .
ويعود د . عبدالفتاح الشيخ ليؤكد في الوقت نفسه أن لفت الأنظار لمثل هذه البدع التي قد يقع فيها بعض المتدينين لا يعني غض الطرف عن عشرات المنكرات التي يقع فيها بعض المقلدين للغرب المتحللين من أخلاق الإسلام وشريعته .
فحفلات الطعام والشراب تشهد مناظر مستنكرة في بعض الأحيان مثل الاختلاط الماجن وتعاطي الخمور والمخدرات والتفاخر بالموائد واستخدام أواني الذهب وتعاطي اللحوم المحرمة مثل الخنزير، وغير هذا من السلوكيات التي تسيء للخلق الإسلامي ولا تتماشى مع آداب المجتمع المسلم وخصائصه القيمية والاجتماعية المتوارثة عبر تاريخه وحضارته العريقة .