شرع الله الزواج - كما يقول العلماء - لمقاصد شريفة ولغايات سامية من أهمها:

اتباع المسلم لأوامر دينه ونواهيه، وصيانة عواطفه وشهواته من الزلل والانحراف، فميل الرجل إلى المرأة، وميل المرأة إلى الرجل أمر فطري، والغريزة الجنسية من أقوى الغرائز وأعنفها، والزواج هو خير وسيلة لإشباع هذه الغريزة لكل من الرجل والمرأة، ولكن وفق الضوابط والشروط التي حددتها شريعة الإسلام .

الزواج هو الوسيلة الوحيدة السليمة لبقاء النوع الإنساني، فعن طريقه يأتي الأولاد من الذكور والإناث . ومحبة الأولاد طبيعة في النفس البشرية، فهم ثمرات القلوب وقرة الأعين، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء . والأولاد عندما يتربون في ظل رعاية أبوين شرعيين مسؤولين عن تربيتهم التربية السليمة يكونون بفضل الله مصدر خير وبركة لأنفسهم ولآبائهم ولأمهاتهم ولأسرتهم ولأمتهم .

الزواج الشرعي الذي فصلت أحكامه وآدابه شريعة الإسلام ارتباط قوي عميق له تبعاته وتكاليفه ومسؤولياته، وعندما يتم تبدأ حياة جديدة للزوجين، تجعل كل واحد منهما ينطلق إلى العمل من أجل تحقيق مطالب حياته، وأداء ما عليه من حقوق وواجبات نحو الحياة الزوجية الجديدة . كما أن الزواج الذي يجمع بين الرجل والمرأة بطريقة شرعية سليمة فيه عون للإنسان على التمسك بآداب دينه، وبأداء ما كلفه خالقه من تكاليف، والابتعاد عما نهى عنه سبحانه من أقوال وسلوكيات لا تليق، وفيه حفظ للإنسان من الضياع، وإحياء للعواطف النبيلة، وفيه غرس للشعور بالمسؤولية في كل من الزوج والزوجة، وهنا سؤال يفرض نفسه: متى يكون الزواج واجباً شرعاً؟

يختلف حكم الزواج - كما يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عبد الغني شامة، أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر - وفقاً لحالة كل إنسان وقدرته البدنية والمادية على أعباء الزواج والتزاماته .

الواجب والمستحب والمحرم

ويضيف: يكون الزواج واجباً شرعاً بالنسبة إلى الإنسان صحيح البدن، وعنده القدرة المالية على تكاليف الزواج، وعلى تحمل مسؤولياته، ويخشى إذا لم يتزوج أن يقع في ما نهى الله تعالى عنه من فواحش حرم الله تعالى الوقوع فيها كالزنى وما يشبهه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء، والباءة الواردة في الحديث الشريف هي القدرة على تكاليف الزواج وأعبائه المادية . ومعنى كلمة وجاء أي حماية، لأن الصوم يساعد الإنسان على كبح شهوته الجنسية .

ويكون الزواج مستحباً بالنسبة إلى إنسان عنده القدرة على تكاليفه، وكذلك القدرة على الابتعاد عما حرمه الله تعالى من رذائل لكثرة عبادته وحسن صلته بخالقه، ولحسن تربيته، لكن كثيراً من العلماء ينصحون مثل هذا الإنسان بالزواج، لأنه سنة الله في خلقه، ولأن الجمع بين كثرة العبادة والزواج أفضل، ولأنه لا رهبانية في الإسلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لأخشاكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني .

ويكون الزواج محرماً بالنسبة إلى إنسان عاجز عن تكاليفه مادياً ومعنوياً وصحياً، ويعلم بأنه لو تزوج فإنه سيظلم من يتزوجها ولا يستطيع أن يوفيها حقوقها .

ويكون الزواج مكروهاً بالنسبة إلى إنسان لا رغبة له في الزواج، وفي الوقت نفسه يتوقع أنه إذا تزوج فلن يستطيع الوفاء بحقوق الزوجة كاملة .

اختيار الشريك

وقد وضع الإسلام ضوابط وقدم توجيهات لكل راغب في الزواج لكي يحسن اختيار شريك حياته حتى يحقق الزواج أهدافه، وألزم كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية واجبات عليه أن يؤديها تجاه الطرف الآخر قبل أن يطالب بحقوقه . وأبرز الضوابط والقواعد التي وضعتها شريعة الإسلام للزواج المثالي تحددها لنا الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، في النقاط التالية:

- جعل الإسلام الحياة الزوجية حياة دائمة مستقرة بين رجل وامرأة، وحرم الزواج المؤقت الذي يستهدف إشباع الغريزة الجنسية فحسب .

- أوصت الشريعة الإسلامية كلاً من الرجل والمرأة بأن يحسن اختيار شريك حياته حتى تستقر الحياة الزوجية وتدوم وتوفر الأمان للطرفين وللأبناء . وتوجيهات شريعة الإسلام للرجل الذي يرغب في الزواج معروفة، ولخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله الشريف: تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك . وتوجيهات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأولياء أمور البنات المقبلات على الزواج واضحة: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه .

وهكذا أوصى الإسلام الرجل بأن يكون أساس اختياره لشريكة حياته حبها لدينها، وحرصها على أداء أوامره، وعلى اجتناب نواهيه، والقرآن الكريم يصف هذه المرأة المتدينة التي تقدر حقوق زوجها بقوله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله .

وأوصت شريعة الإسلام الأنثى بأن تختار الزوج الذي تتوسم فيه الصلاح والاستقامة والمحافظة على أداء التكاليف التي كلفه الله تعالى، والذي تسمع عنه وعن أسرته اعتناق مكارم الأخلاق وعزة النفس، وصدق الحديث، وكمال الرجولة، وحسن الهيئة، وسلامة العقيدة . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا جاءكم مَنْ ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه . وقال رجل للحسن بن علي - رضي الله عنهما: إن لي بنتاً، فمَنْ ترى أزوجها له؟ فقال له الحسن: زوّجها لمَنْ يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها .

وجاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من زوج كريمته لفاسق فقد قطع رحمها .

أركان وشروط

وللفقهاء في تحديد أركان وشروط الزواج اتجاهات متعددة إلا أنها تتلاقى في تحقق الزواج الشرعي الصحيح الذي أمرت به شريعة الإسلام .

فالأحناف يرون أن أركان الزواج تتمثل في الإيجاب والقبول من الزوجين، لأن عقد الزواج لا يوجد شرعاً إلا بهما .

والمالكية يرون أن أركان الزواج خمسة: زوج، وزوجة، وولي، وصيغة، وصداق . أما الشاهدان فهما من شروط الزواج .

والشافعية يرون أركان الزواج خمسة: زوج، وزوجة، وولي، وصيغة، وشاهدان . أما الصداق فهو من شروط الزواج .

والحنابلة يرون أن أركان الزواج هي: الإيجاب والقبول، والزوج والزوجة، وما عدا ذلك فهي أمور تعد من شروط صحة الزواج .