كان خالد بن الوليد رضي الله عنه على مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في بني سليم . وعندما جرح خالد في ذلك اليوم، عاده رسول الله ونفث في جرحه فبرئ . وقد أرسله أيضاً إلى أكيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل، فأسره وأحضره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فصالحه على الجزية ورده إلى بلده . وأرسله أيضاً سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بن مذحج بنجران . وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا يقيم فيهم ويعلمهم شرائع الإسلام، وإن أبوا يقاتلهم . فخرج خالد، حتى قدم عليهم، وبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون الناس إلى الإسلام . فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه . وأقام بينهم يعلمهم كتاب الله وسنة نبيه . وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، فكتب إليه رسول الله يستدعيه ومن يريد الوفود معه من القوم . فأقبل معه وفد فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغُصّة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل وغيرهم . ولم يزل خالد مدة صحبته يجاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافح أعداء الإسلام، ويحرص على رضاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتقال رسول الله إلى جوار ربه .
تقدير نبوي خاص
صحب خالد بن الوليد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم طيلة ثلاث سنوات، عهد إليه النبي خلالها بكثير من الأعمال الصغيرة . وكذلك أشركه في كثيرٍ من الأعمال الكبيرة التي ذكرنا جانباً منها سابقاً، ومنها: غزوة مؤتة وغزوة حنين وسريّة بني جذيمة . وعلى الرغم من إحاطة عدد كبير من القادة بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وتقدير النبي صلى الله عليه وسلم لهم، كل على حسب قدره وكفايته، غير أن تقديره لخالد بن الوليد رضي الله عنه على وجه مخصوص، كان آية من الآيات في هذا المجال، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكبره إكبار السياسي، وإنما أكبره لأنه عرف فيه أقصى مستطاعه، وسمّاه سيف الله وهو قافل من معركة، والناس يتراجعون من أرض المعركة بمؤتة ويخسرون فيها الشهيد بعد الشهيد، والقائد بعد القائد . ولم يكن النبي موليه القيادة في المعركة التي ارتد منها بجيش المسلمين، ولكنه ولّى آخرين وترك اختياره بعدهم لمشيئة إخوانه، فوقع عليه اختيارهم أجمعين . ولهذا ينبغي أن توزن أعمال خالد (رض) في ميزانها الصحيح، وذلك لإقامة نفسه في مقامها الصحيح من الإسلام ومن النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصاً أن الناس سوف يكبرون هذه الصفة لخالد في تاريخ الإسلام، الذي نجمت فيه حروب الردّة والفتوح في العراق والشام، وليست معركة اليرموك في فلسطين إلاّ نموذجاً عظيماً عنها .
تأديب المعتدين
لقد دخل خالد بن الوليد في حروب الإسلام في أول عهده بها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم متطوعاً بعد إسلامه بشهرين أو ثلاثة، وأما عن سرية مؤتة التي سيّرها النبي صلى الله عليه وسلم إلى البلقاء بأرض الشام فسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد أرسل وفداً إلى ذات الطلح بمقربة من الشام ليدعوهم إلى الإسلام، فقتلوا جميعاً وكانوا خمسة عشر رجلاً، ونجا رئيسهم وحده من القتل . ثم أرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير الأزدي، رسولاً إلى هرقل، فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني وهو في الطريق .
وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا طائل من السكوت على هاتين الفعلتين . وعلم أن قبائل الجزيرة العربية كلها تقريباً، قد دخلت في دين الدعوة الإسلامية، وقد تحفظ المتربص والموهون في إيمانه، ومن لا يصبر على الإغراء والاستثارة . ولذلك لم يجد مناصاً عليه الصلاة والسلام، من الثأر لأصحابه المقتولين . فجرد لتأديب المعتدين جيشاً صغيراً لا تتجاوز عدته ثلاثة آلاف . وقد تجند خالد بن الوليد وإلى جانبه نخبة من أقدم رجالات الصحابة عهداً بالإسلام، من أجل إرساء الثقة في نفوس المقاتلين . أما القيادة فقد ولاها النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب لزيد بن حارثة فإن أصيب فالقائد جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبدالله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون قائداً عليهم .
وكان أمر رسول الله إليهم جميعاً أن يذهبوا إلى المكان الذي قتل فيه مبعوثه، فيدعون القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلاّ فالقتال، وأوصاهم صلى الله عليه وسلم: ألا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً ولا فانياً ولا معتزلاً بصومعة . ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً .
وسار زيد بن حارثة لهذه الوجهة حتى وصل إلى معان، فأقام فيها ليلتين . وسمع المسلمون هناك أن هرقل بمآب، وقد عسكر في مئة ألف من الروم، ومئة ألف من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء وبلى . وكانوا جميعاً على أهبة الاستعداد للمعركة . وقد هال الأمر بعض المسلمين في حملة زيد بن حارثة، حين رأوا عدم التكافؤ بالعدد والعدّة على أرض المعركة، فانبرى لهم عبدالله بن رواحة يقرعهم ويقول لهم: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة . وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة . ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما الظهور وإمّا الشهادة! . فكان أن تقدموا من معان إلى مؤتة على مسيرة نحو ليلتين .