الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (الأنعام: 1) .
إن كنت لم تر المجرة من قبل، فلا تدع هذا المنظر البديع من صنع الله الذي أتقن كل شيء يفوتك . لأنك لا تملك حين تراها إلا أن تقول بكل جوارحك: سبحان الله . يقول المرزوقي في كتابه الأزمنة والأمكنة: سميت مجرة على التشبيه لأنها كأثر المسحب والمجر . وتسميها العرب أم النجوم لأنه ليس في السماء بقعة أكثر عدد كواكب منها . وينقل عن أبي حنيفة الدينوري وصفه للمجرة فيقول: المجرة دائرة متصلة اتصال الطوق، وهي وإن كانت مواضع منها أرق، ومواضع أكثف، ومواضع أدق، ومواضع أعرض، فهي راجعة في خاصتها إلى الاستدارة، وأكثف بقاعها وأوسعها هو ما بين شولة العقرب إلى النسرين، فإلى الردف، والشولة والردف كلاهما في نطاقها الأوسط أو قريب .
والمجرة بشكل عام نظام مكون من النجوم والغبار والغازات المتماسكة معاً بوساطة الجاذبية، ويتراوح قطرها بين بضعة آلاف ونصف مليون سنة ضوئية . والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة - وتبلغ نحو 46 .9 تريليون كم . ويوجد في المجرات الكبيرة أكثر من تريليون نجمة . أما المجرات الصغيرة، فيوجد بها أقل من بليون نجمة بقليل . ويقدر العلماء عدد المجرات في الكون بنحو 100 مليار مجرة .
صور علماء الفلك ملايين المجرات من خلال التلسكوب . وتبعد أبعد المجرات التي أمكن لعلماء الفلك التقاط صور لها بين 10 مليارات و13 مليار سنة ضوئية، وتمكن رؤية ثلاث مجرات فقط من الأرض من دون الاستعانة بالتلسكوب . ويستطيع الناس في نصف الكرة الشمالي رؤية مجرة المرأة المسلسلة (أندروميدا) التي تبعد عن الأرض أكثر من مليوني سنة ضوئية . كما يستطيع الناس في نصف الكرة الجنوبي رؤية مجرتين أخريين هما: سحابة ماجلان الصغيرة وسحابة ماجلان الكبيرة اللتان تبعدان 000 .160 و180،000 سنة ضوئية عن الأرض .
درب التبانة
يطلق تعبير درب التبانة مجازاً على المجرة التي تنتمي إليها الشمس، والأرض، وبقية المجموعة الشمسية . وتسمى أيضاً درب اللبانة . وتشتمل مجرة درب التبانة على مئات المليارات من النجوم، وتنتشر سحب هائلة مكونة من ذرات التراب والغازات في شتى أطراف المجرة . ويشير مصطلح درب التبانة بشكل أكثر دقة إلى ذلك الجزء من المجرة الذي تمكن رؤيته بالعين المجردة . ففي الليالي المظلمة الصافية، تظهر درب التبانة على شكل شريط لبني عريض من النجوم يمتد عبر السماء . وتظهر الفجوات المظلمة في هذا الشريط نتيجة لوجود سحب الغبار والغازات التي تحجب الضوء المنبعث من النجوم التي وراءها .
تتخذ درب التبانة شكل اسطوانة رقيقة بها انتفاخ عند مركزها . وتنبعث النجوم والغبار والغازات من الانتفاخ المركزي على شكل أنواع أذرع منحرفة طويلة لولبية الشكل . ولهذا يصنف الفلكيون مجرتنا على أنها مجرة حلزونية تبدو أشبه بدولاب شعاعي لمن ينظر إليها من مسافة بعيدة فوقها غير أن وجودنا في المجرة ذاتها يجعلنا لا نرى إلا الضوء الغائم المنبعث من سلسلة النجوم المحيطة بالأرض .
ويحتوي الجزء المنبسط من قرص المجرة على الكثير من النجوم صغيرة العمر، ومجموعات من النجوم منتظمة الشكل تسمى العناقيد المجرية أو العناقيد المفتوحة، كما يحتوي الجزء المنبسط على معظم الغبار والغازات الموجودة في المجرة، أما الانتفاخ المركزي للقرص فيحتوي على عدد أكبر من النجوم الأقدم عمراً . وتحيط بالانتفاخ والقرص دائرة من النجوم تعرف باسم الهالة، وتشتمل الهالة على نجوم قديمة نسبياً تتجمع في مجموعات كروية كثيفة تسمى العناقيد الكروية .
حجم المجرة
يبلغ قطر مجرتنا نحو 000 .100 سنة ضوئية، ويبلغ سمكها عند الانتفاخ المركزي نحو 000 .10 سنة ضوئية . ويقل هذا السمك كثيراً كلما اتجهنا نحو الأطراف .
تقع مجموعتنا الشمسية على أطراف المجرة، على مسافة تصل إلى نحو 000 .25 سنة ضوئية من المركز . ويبلغ متوسط المسافة بين النجوم في الناحية التي تضمنا نحو خمس سنوات ضوئية، أما النجوم الموجودة في مركز المجرة فهي أقرب إلى بعضها بمقدار مئة ضعف .
ويقدر معظم الفلكيين الكتلة الإجمالية للمجرة بأكثر من 100 مليار ضعف كتلة الشمس . ويتركز جزء كبير من هذه الكتلة جهة مركز المجرة .
تدور كل النجوم ومجموعات النجوم التابعة للمجرة حول مركزها، مثلما تدور كواكب مجموعتنا الشمسية حول الشمس تقريباً . فعلى سبيل المثال، تكمل الشمس دورة شبه كاملة حول المركز مرة كل نحو 250 مليون سنة، وتدور كل النجوم البراقة في المجرة تقريباً في الاتجاه نفسه . ولهذا يبدو النظام المجري بالكامل وكأنه يدور حول مركزه .
وتمنعنا سحب الغبار والغازات في درب التبانة من الرؤية لمسافة بعيدة في مركز المجرة وقد اكتشف علماء الفلك الذين يدرسون الموجات اللاسلكية والأشعة دون الحمراء التي يمكن أن تخترق هذه السحب أن المنطقة المركزية تبث كميات هائلة من الطاقة، كما أن الدراسات التي أجريت باستخدام المقراب اللاسلكي ومقراب الأشعة دون الحمراء كشفت عن وجود قوة جاذبية هائلة يبدو أنها تنبعث من مركز المجرة على وجه التحديد . ويعتقد بعض الفلكيين أن مركز المجرة ما هو إلا ثقب أسود هائل، أو بمعنى آخر، شيء غير مرئي تصل قوة جاذبيته إلى حد أن الضوء نفسه لا يستطيع أن يفلت منه . ويعتقد الفلكيون أيضاً أن طاقة المركز تتولد حين تبتلع الثقب الأسود الغازات وغيرها من المواد الموجودة حول المجرة .
أخيراً لا بد أن نعلم أن مجرتنا درب التبانة، ليست هي كل الكون أبداً، فالجزء من الكون الذي توصل العلماء اليوم إلى اكتشافه بواسطة مراصدهم العملاقة، يحتوي على نحو 100 مليون مجرة، ولكن بقي جزء أكبر لم تصله أعين المراصد، ومن المحتمل أنه يحتوي أيضاً على عدد أكبر من المجرات .