كان السلطان الغوري مغرمًا بالعمارة فازدهرت في عصره واقتدى به أمراء دولته، كما عُني بإنشاء الحدائق واقتناء الطيور المغردة . ومن أهم ما أنشأه مجموعته المعمارية الكبيرة التي تتكون من مسجد ومدرسة وقبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وسبيل وكتاب، وتلك المنشآت المعمارية التي تؤرخ للعصر الذهبي في مجال العمارة الإسلامية كانت آخر ما أنشئ في عصر المماليك الشراكسة، فقد استولى السلطان سليم الأول العثماني على مصر سنة 923هـ/1517م إثر هزيمة السلطان الغوري وقتله في موقعة مرج دابق، وبدأ في جمع خيرة المهندسين والفنانين وأمهر صناعها من بنائين ونجارين ومرممين وأرسلهم إلى اسطنبول وبذلك قضى على النشاط الفني والصناعي في مصر إلى حد كبير .

والسلطان الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري ولد في حدود سنة 850هـ/ 1446م ثم اشتراه السلطان قايتباي وأعتقه وعينه في جملة وظائف، ثم نودي به ملكاً على مصر سنة 906هـ/ 1501م، وله من العمر خمس وخمسون سنة، وكان سلطاناً حازماً داهية سياسياً، ملك زمام الملك بحكمة وكياسة، فخطب ود الملوك وبادلوه الهدايا، ففي سنة واحدة (1512م) استقبل سفير البندقية بهداياه، إضافة إلى سفراء أربع عشرة دولة من الشرق والغرب قدموا له الهدايا .

اهتم بتحصين مصر فأنشأ قلعة العقبة وأصلح قلعة صلاح الدين وأبراج الإسكندرية وزاد فيها أبراجاً وأسواراً وغير مأخذ الماء الموصول إلى القلعة وأنشأ السواقي على النيل وما يتصل به من قناطر للمياه حتى تلاقت مع المجرى القديم أو ما يسمى حالياً سور مجرى العيون، وجدد خان الخليلي فأنشأه من جديد وأصلح قبة الإمام الشافعي ومسجد الإمام الليث، وأنشأ منارة للجامع الأزهر . هذا عدا ما أنشأه من قصور ووكالات وخانات وتعمير مساجد، كما عني بالأسطول المصري .

تحفة معمارية

وتقع مجموعة الغوري المعمارية عند تقاطع شارعي المعز لدين الله الفاطمي الغورية والأزهر، وكان الافتتاح سنة 909ه (1503م)، ويقول حسن عبد الوهاب الأثري المعروف: لا شك في أن مسجد الغوري هو تحفة ذلك العصر، فقد عني به عناية شديدة كما أفرط في زخرفته إفراطا أخرجه عن وقار المساجد إلى بهرجة القاعات، وهذا يدلنا على مدى الترف الفني في ذلك العصر، لدرجة أن السلطان سليم قال عندما رآه: هذه قاعة تاجر .

ولهذا المسجد ثلاث واجهات: إحداها قبلية وهي بسيطة جدا، والأخرى غربية وأسفلها حوانيت ويتوسطها الباب الغربي، وقد حُلي بنقوش في الحجر وكسيت مصاريعه بالنحاس وبجانبيه شريط باسم المنشئ قانصوه الغوري . وثالثها الواجهة الشرقية وهي الواجهة العامة وبطرفها البحري الباب العمومي، وقد كسي بالرخام، وهذا الباب يؤدي إلى دركاة مربعة فرشت أرضيتها برخام ذي رسوم دقيقة ولها سقف مذهب .

وفي المسجد أربعة إيوانات متعامدة تحيط جدرانها وجدران الصحن وزرة من أشرطة رخامية تنتهي بإفريز مكتوب بالخط الكوفي المزهر، ويتوسط إيوان القبلة محراب من الرخام الرقيق، ويكسو عقود الشبابيك رخام مزخرف وبجانب المحراب منبر خشبي جميل إضافة إلى كرسي بالمصحف ودكة للمبلغ مطعمين بسن الفيل، وتقوم في الطرف القبلي مئذنة فريدة من نوعها أقيمت قاعدتها مع أساس الواجهة .

ويواجه المسجد بقية المجموعة على الطرف الآخر من شارع المعز، ولموقع المجموعة قيمة معمارية كبيرة، فهي نموذج فريد للمجموعات مثل مجموعة شيخو حيث تظهر عبقرية المعماري في تكوين تشكيل فراغي شبه مغلق بإبراز كتلة المدرسة والمئذنة من جهة والسبيل والكتاب من الجهة المقابلة، وزاد نجاح هذا التشكيل عمل سقفية خشبية عملاقة لتغطية هذا الفراغ سجلتها لوحات الفنانين المستشرقين وأزالتها لجنة حفظ الآثار العربية بعد حريق السقيفة الصغيرة بسوق الجمالون، ولقد كان يشغل هذا الفراغ سوق البزازين الحرير ذو الشهرة العالمية .

سوق الغورية

والسوق هنا له قيمة تاريخية، فالعلاقة بين المنشأة المعمارية والسوق وثيقة الصلة، فالسلطان الغوري أراد بناء مجموعته على سوق عظيم فأنشأ مدرسته التي تعلو 48 محلاً مازالت تعمل في تجارة الأقمشة حتى الآن .

والبناء ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحال أسفله سواء في المحتوى الفراغي التشكيلي أو في المحتوى المكاني الوظيفي ويعد سوق الغورية من أشهر الأسواق الشعبية في مصر حاليا .

ولقبة الضريح قيمة تاريخية فهي من أعظم القباب المعمارية، وعلى الرغم من زوالها وتهدمها، ولم تحظ القبة بالهدف من إنشائها، فلم يُدفن بها السلطان الذي قُتل في أرض المعركة، حيث قطع رأسه بيد بعض مماليكه وألقي به بعيدا حتى لا تقع جثة السلطان الغوري بيد أعدائه فيمثلوا به، ولم يتعرف على جثته بعد المعركة، ودفن بالقبة بعضٌ من أهله .

ولسبيل الغوري قيمة معمارية فريدة فهو أكمل الأسبلة المملوكية، ويعد من أبدع ما عمله الفنان المعماري ولا يضاهيه سوى سبيل قايتباي، وهذا السبيل نموذج قياسي من نماذج الأسبلة المملوكية .

والكتاب والسبيل يشكلان صورة مكملة للفراغ المحصور بين المجموعة ويغلقها في اتجاه الشمال ولعل المهندس وضع خلاصة فنه وفن سابقيه في دراسة النسب المعمارية، لها فأصبحت المجموعة المعمارية للغوري خير دليل على العصر الذهبي لفن العمارة الإسلامية .