أ.د. عيادة بن أيوب الكبيسي

إن أجمل ما نفتتح به هذه المقالة، كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، حيث يقول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، وفي رواية عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله ورغّب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: من هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم)، وعترة الرجل كما يقول ابن فارس أقرباؤه من ولده وولد ولده وبني عمه.

بعد هذا، لا أظن أن ثمة مسلماً يقرأ هذا الكلام النبوي الشريف، ثم لا يستشعر عظم المسؤولية تجاه آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فقد يقول قائل: فما مبرر هذه المقالة إذاً؟ فأقول:

تذكير وتحذير

إن مما لا ينبغي تجاهله أو الإغضاء عنه أن محبة آل البيت قد ضعفت في نفوس بعض المسلمين اليوم، وأن بعضاً منهم قد غالوا في تلك المحبة، وخير الأمور أوساطها، وكما قيل:

لا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
ولذا فقد جاءت هذه المقالة مذكّرة ومحذّرة، والله تعالى وحده هو الموفق والمستعان.
أما التذكير فهو التنبيه إلى مراقبة القلوب في هذه المحبة، ومعرفة مدى عمارتها بها، والمحبة على ما لا يخفى مرتبة قلبية، ولكن أثرها يظهر في السلوك، وكما قيل: «ما كان فيك لا بد أن يظهر على فيك».
فمن أحب آل البيت لهج بذكرهم، وتغنى بأمجادهم، ولازم الثناء عليهم، وأحسن معاملة من لقي منهم، وقد كان بعض العارفين رحمهم الله تعالى ورضي عنهم إذا لقي أحداً من آل البيت قبله مرتين وقال: «واحدة للإسلام والثانية لأنك من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام».
ومن محبة آل البيت التسمية بأسمائهم، وإحياء ذكرهم، ومن المؤسف أن نرى بيوتات كثيرة وعوائل كبيرة، ليس في أفرادها من سمي بأسماء آل البيت، فلا تجد فيها من اسمه علي أو حسن أو حسين أو حمزة أو عباس، أو فاطمة أو زينب أو رقية أو أم كلثوم مثلاً، بينما نجد فيها أسماء غريبة وعجيبة، وقد تكون لشخصيات غير إسلامية!!
وأرجو ألا يفهم من كلامي أني أعير الأسماء أهمية كبيرة، وأنه لا بد منها للتعبير عن الحب، لا.. فإنه كما قيل لا مشاحة في الأسماء ولكل أن يسمي من شاء بما شاء، ولكني أرى أن أهمية ذلك تتفق مع قاعدة: «من أحب شيئاً أكثر من ذكره» فتأمل!!

المغالون والمنتقصون

ومن باب التذكير أقول: حبذا لو أقيمت مؤتمرات، وعقدت ندوات، لدراسة سير آل البيت، والتحقيق فيما نسب إليهم، وكشف عوار من نسج وما نسج حولهم من أباطيل وافتراءات، وحبذا لو راعى خطباء الجمعة المناسبات المتعلقة بآل البيت، وتحدثوا عنها بمنطلق العقل والعلم والروايات الصحيحة، بعيداً عن الخرافات والأساطير والروايات الملفقة المكذوبة، فسيظهر قطعاً من خلال البحوث التي تقدم، والكلمات التي تقال، والخطب التي تلقى، أن العلاقة كانت حميمة وطيدة بين آل البيت وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن دعائم ذلك الحب ما أشرنا إليه قبل قليل من أهمية التسمية بأسمائهم، فإنا نجد أن من أبناء الحسن مَنْ اسمه عمر، وكذلك من أبناء الحسين وفي كتاب (من شواهد السنن والآثار على مودة الصحابة الأخيار) نماذج كثيرة، تكشف عن حقيقة التوادّ بين الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

وهنا لا بد من تحذير فريقين من الناس، أولئك الذين انتقصوا بعض آل البيت، أو أساؤوا إليهم بنوع إساءة، وأولئك الذين غالوا في حبهم، حتى ربما رفعوهم عن منزلة العبودية! فكلا الفريقين قد ناصبوا آل البيت العداء، أجل.. وما عداوة المغالين بأقل من عداوة المنتقصين.

العبودية لله

إن آل البيت عليهم السلام ما نالوا هذه المنزلة السامية، والمرتبة الرفيعة، إلا بتحقيق عبوديتهم لله، وصدقهم في القيام بحقوق الربوبية لله جل في علاه، وقد كانوا من أشد الناس اتباعاً للأثر، وتمسكاً بهدي خير البشر صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على قوة اتباعهم لهدي النبوة، ما روي في كرم سيدنا الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وجوده وسخائه، وذلك في أخبار كثيرة وتصرفات عجيبة، تدل على اتباعه هدي جده صلى الله عليه وسلم في ذلك الخلق العظيم، حتى قالوا: إن الحسن رضي الله عنه ما قال لسائل «لا» قط، مما جعل الناس يشهدون له بأنه ابن النبوة، وأنه ابن الرسالة، ويستشهدون بقول الله تعالى: «الله أعلم حيث يجعل رسالته»، (الأنعام: 124)، ولا غرو فهو الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (أشبهت خَلقي وخُلقي).

وحقاً إن أخلاق النبوة لكذلك، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد سائللاً، وما قال لمن سأله لا، ومن حكم الشعر:

ما قال لا قط إلا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: «ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، سأله رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فأتى الرجل قومه، فقال لهم: (يا قوم أسلموا فإن محمداً يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة)».

الحسين وابن الحنفية

وتأمل هذه الطرفة التي جاء فيها: أنه جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد بن الحنفية رضي الله عنهما كلام، فانصرفا متغاضبين، فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رقعة وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي بن أبي طالب، أما بعد: فإن لك شرفاً لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليَّ فترضّني، وَإِيَّاكَ أَنْ أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني، والسلام، فلما قرأ الحسين رضي الله عنه الرقعة لبس رداءه ونعليه ثم جاء إلى أخيه محمد فترضّاه.

هكذا إذاً يبرهن أهل البيت على صحة نسبهم، وكرم انتسابهم، بأخلاقهم العالية وصفاتهم الجليلة.

فإذا كان أهل البيت بهذه الدرجة من صدق الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بعد ذلك يرفعون عن رتبة العبودية، وقد كان صلى الله عليه وسلم عبداً لله شكوراً؟

ومن لطيف شعر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

يا أهل بيت رسول الله حبكمُ

فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكمُ من عظيم القدر أنكمُ

من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له

ولكن قد يضعف الحب كما ذكرنا، أو يلتبس الأمر على بعض أهل الجهل، أو يكون البغض عند من في قلبه مرض، ونعوذ بالله أن يبغض أهل البيت مسلم يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكيف يتصور ذلك وهو يقول في كل صلاة يصليها لله رب العالمين: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»؟

ليسوا بمعصومين

ومما ينبغي التنبه له هنا: أن ما تقدم لا يعني عدم إنكار المنكر على من صدر منه ذلك، فإن آل البيت ليسوا بمعصومين، وقد تقع من بعضهم بعض الأخطاء، أو التصرفات التي لا تستند إلى أصل شرعي، وحينئذٍ لا بد من النصح والتذكير، وتطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا في الحقيقة من الحب لهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قالوا يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم فذلك نصره. ولنتذكر ما سبق بيانه عن محمد بن الحنفية وأخيه الحسين رضي الله عنهما، في تلك القصة العجيبة اللطيفة.

فيا لهم من رجال أخيار أبرار، ويا لهم من آل بيت مكرمين أطهار، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وتفضل اللهم علينا بمحبتهم، ووفقنا لإكرامهم، وحسن الأدب معهم، حتى تحشرنا معهم في مستقر رحمتك على الرضا والمحبة آمين، والحمد لله رب العالمين.

مصير المبغضين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار».

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن