كيف يمكننا السفر في الفضاء سريعاً وبعيداً، فحتى يومنا هذا تعتبر المحركات الدافعة المستخدمة في المركبات والمسابر الفضائية ذات قدرات جيدة لكنها محدودة على المدى البعيد، الأمر الذي من شأنه إعاقة إمكانية استكشاف النظام الشمسي، إلا أن الباحثين استطاعوا تطوير محركات جديدة ذات قوة دفع عالية تسمى محركات البلازما . ولقد أظهرت التجارب الأولى في المختبرات أن هذه المحركات ذات قدرات ممتازة ولم يبق إلا وضعها في مجال التطبيق . والحقيقة أن هذا العمل المهم قام به الفيزيائي ورائد الفضاء الكوستاريكي فرانكلين شانج الذي يتنقل من أجل هذا المشروع الضخم بين بلدان عدة ففي الأسبوع الماضي كان في ألمانيا وبالأمس كان في كوستاريكا وها هو اليوم يتوجه إلى هيوستن حيث وكالة ناسا الفضائية، أهمية هذا المشروع تكمن في السماح للمركبات الفضائية أن تصل إلى المريخ خلال 39 يوماً فقط علماً بأنها ستقطع مسافة قدرها 232 مليون كيلومتراً .
إذا كان شانج ومساعدوه ال 25 يعيشون لحظات استثنائية مفعمة بالإثارة، فهذا لأن النتائج الأخيرة على المحرك الجديد اظهرته بمثابة المرشح الأول ليقوم بهذا الدور الكبير المتمثل في إيصال المركبات الفضائية إلى المريخ خلال تلك الفترة الزمنية .
وربما يأتي هذا الإعلان عن النتائج الأخيرة المشجعة متوافقاً مع ما أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الخامس عشر من إبريل/نيسان الماضي، أن تاريخ إرسال بعثة علمية مأهولة إلى المريخ قد حدد في العام 2035 .
وعلى الجانب الآخر من الأطلنطي، انطلق الروسي والأوروبين في مهمة أخرى تتمثل في وضع ستة رجال في كبسولة لمدة 520 يوماً بغية محاكاة الظروف التي من الممكن مواجهتها خلال الرحلة إلى المريخ . وإذا كانت فكرة استعمار المريخ في أدمغة كل علماء الأرض، فإن الوسائل المتوافرة لبلوغه لم تزل متواضعة رغم التقدم العلمي الذي نشهده في مجال الفضاء، إذ يجب على رواد الفضاء إذا أرادوا السفر إلى المريخ أن يمضوا فترة زمنية قدرها 6 أشهر على الأقل لقطع المسافة الكبيرة الفاصلة بين الأرض والمريخ .
فكرة مستوحاة من النووي
ولكن قطع ستة أشهر من الناحية الصحية والنفسية شيء صعب على الإنسان لا سيما أنه سيكون في الفضاء الخارجي ومعرضاً لشتى المخاطر من أشعة جاما وإكس الضارتين بالجسم، علاوة على الشعور بحالة انعدام الجاذبية التي تؤثر تأثيراً سلبياً في العظام . ومن هنا تبدو هذه المدة الزمنية حتى الساعة غير ممكنة بغض النظر عن المأزق التقني الذي يجد الباحثون أنفسهم محكومين به .
ولكي نستوعب شيئاً ما من تقنية المحركات الفضائية لا بد لنا أن نفهم كيفية عملها، فالمبدأ الأساسي لعملها يقوم على طرح المادة إلى الخارج (الوراء) كي تتحرك إلى الأمام وهو عمل كل محركات الدفع تقريباً، الجدير بالذكر أن المحركات الكيميائية المستخدمة في الوقت الحالي في الصواريخ النفاثة والمكوكات الفضائية قادرة على توفير قوة دفع عالية للتخلص من جاذبية الأرض والتي تعادل 100 مليون نيوتن، لكنها تتطلب قدراً هائلاً من الوقود، وبما أن حجم خزانات الوقود كبير جداً فإنه سيكون من المستحيل نقل أي مسبار فضائي أو مركبة فضائية إلى مكان بعيد جداً كالمريخ وبالسرعة العالية المطلوبة .
وللحيلولة دون هذه المشكلة، ظهرت في سبعينات القرن الماضي المحركات الكهربية التي كانت تعمل عن طريق قذف جسيمات مشحونة (أيونات) وكانت تستهلك قدراً من الطاقة (الوقود) يقل بخمس مرات وربما بعشر مرات عن غيرها مع درجة كفاءة جيدة نوعاً ماً .
لكن هذه الكفاءة كانت على حساب قوة دفع متواضعة يبلغ قدرها 0،1 نيوتن الأمر الذي كان يحد من سرعة المركبة الفضائية . وتبين للباحثين أن هذا النوع من المحركات ربما يناسب تماماً المسابر الفضائية غير المأهولة حيث لا تمثل مدة الرحلة فيها أي عائق حقيقي كما هي الحال في المركبتين (ديب سبيس -1) و(هايابوزا) . أما إذا أردنا أن نضع بشراً على هذه المركبات فالأمر يختلف .
ولحل هذه المعضلة: (رحلة طويلة خلال فترة قصيرة) انكب شانج على تصميم محرك جديد منذ 30 عاماً، وفي تلك الفترة، كان هذا الباحث الكوستاريكي يجري أبحاثاً على الاندماج النووي وفيزياء البلازما وهي الحالة التي توجد فيها المادة مأينة وتتفاعل مع المجالين الكهربي والمغناطيسي . ولقد قام الباحث (شانج) برسم أول تصميم لمحرك يعمل بالبلازما على أوراق فقط، ثم حول هذا المشروع إلى دراسة معمقة خلال الفترة الواقعة بين عامي 1993 و،2005 وذلك حين كان يدير مختبر الدفع الفضائي لدى وكالة ناسا الفضائية في الولايات المتحدة .
وإلى جانب ذلك، كان الباحث (شانج) محظوظاً حيث استطاع أن يصعد إلى الفضاء 7 مرات خلال الفترة الواقعة بين 1986 و2002 محققاً بذلك 1600 ساعة من التحليق الفضائي .
ومن هذه التجربة ولد محركه الأول الذي اطلق عليه اسم (Vasimr) (فازمير) وهو اختصار لجملة (الصاروخ المغناطيسي البلازمي ذي قوة الدفع النوعي المتغير) . ويتمثل هذا الصاروخ في محرك ضخم يعمل بمبدأ المحركات الفضائية المهربية التي يتم فيها تسخين الغازات المحايدة (أرجون، إكزينون، هيدروجين) وتحويلها إلى بلازما ثم تسريعها لتوليد قوة الدفع المطلوبة .
وعلى خلاف المحركات الموجودة حالياً والتي يتم فيها حصر البلازما بواسطة جدر عازلة من السيراميك، قرر الباحث (شانج) أن يحصر البلازما التي حصل عليها بين مرآتين مغناطيسيتين كي لا تكون هذه البلازما متصلة مع جدران المحرك والأجزاء المكونة له، وذلك بهدف بلوغ درجات حرارة تصل إلى مليون درجة مئوية علاوة على عدم تشويه أو تدمير الجهاز المستخدم . ويشير (شانج) إلى أن هذا المبدأ قريب من ذلك المستخدم في الأبحاث التي تجرى على خاصية الاندماج النووي .
ويقول الباحث (شانج) إن فائدة هذه العملية تكمن في أنه عند درجات الحرارة العالية جداً، فإن جسيمات البلازما ستتحرك بسرعة عالية جداً وكلما ازدادت سرعتها كلما قل استهلاك المحرك للطاقة من أجل أن يبلغ المرء السرعة المطلوبة .
ويضيف أن الفائدة الأخرى المهمة من هذه التقنية التي يتم فيها حصر الجسيمات، تكمن في جعل المحرك فازمير (Vasimr) يعمل بقوة عالية تبلغ ميغاوات عدة وهو ما لا يمكن للمحركات الكهربائية الحالية أن تقدمه بالنظر إلى هشاشة المواد المكونة منها، وفي النهاية يشير (شانج) إلى أن عملية تأبين الجسيمات وتسريعها تمت على مرحلتين مختلفتين، بمعنى أنه من الممكن دعم عملية الدفع عن طريق ضخ المزيد من الغاز وبالتالي انتاج قدر أكبر من الأيونات، أو الحد من استهلاك الوقود عن طريق تسخين قدر كبير من البلازما وبقذفها بسرعة عالية .
تطور حاسم
على الرغم من أن نظرية الباحث (شانج) مثيرة للاهتمام بالنسبة للباحثين، إلا أن أغلبهم لا يزالون مترددين حول قابلية تنفيذ هذا المشروع، فحتى شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي أي حين تمكن الباحث (شانج) من إجراء العديد من الاختبارات في مختبره والخروج بنتائج ذات مصداقية عالية بخصوص اختراعه، ظهر إلى الوجود نموذج لمحرك دياز يسمى (VX-200)، وقد استطاع هذا النموذج الأولي إصدار قوة دفع تبلغ 4،2 نيوتن مع قدرة كهربية تبلغ 200 كيلووات .
ويؤكد ستيفان مازوفر المسؤول عن فريق الباحثين المتخصص في الدفع الكهربي في مختبر إيكار في فرنسا أن هذه المرحلة في التطور كانت حاسمة لأن هذا المستوى من القوة هو الذي نعول على اختباره في الفضاء خلال التجارب الأولى المقبلة . ويرى الباحث (شانج) من جهته أن هذا التطور هو بلا شك تطور كبير للغاية فالمحرك فازمير (Vasimr) سيكون محرك الدفع الكهربي الأقوى الذي لم يتم استخدامه قبل ذلك في الطيران .
وأمام هذه النتائج المهمة، يسعى الباحث الكوستاريكي إلى تحسين عمل المحرك باللعب على عناصر مختلفة: الوقود، درجة حرارة البلازما، المجال المغناطيسي، قوة الدفع . . .
ويشير (شانج) إلى أنه إذا استمرت الاختبارات الحالية بنجاح خلال الأشهر المقبلة، فمن الممكن أن يتم استخدام المحرك (فازمير) (Vasimr) في الفضاء عن طريق وضعه أولاً على المحطة الفضائية الدولية (ISS) في العام 2013 .
ومن المزمع أن يتم تركيب محرك بقوة 200 كيلووات على أن تتم تغذيته بالطاقة الشمسية من خلال الألواح الشمسية بغية مساعدة المحطة على الاحتفاظ بمسارها ضمن معدل استهلاك للوقود تقل تكلفته عشرين مرة عما هو عليه اليوم!
وإذا أظهرت تقنية الباحث (شانج) نجاحاً واضحاً على المحطة المدارية الدولية، فإنه من المزمع تطبيقها على الصواريخ التي ستتوجه إلى المريخ في المستقبل والتي ستتمكن من بلوغه بواسطة محركات (شانج) التي تعمل بالبلازما خلال 39 يوماً، وفي تلك الحال لن تكفي الألواح الشمسية وحدها لإنتاج القدرة المطلوبة (200 ميغاوات) بهدف بلوغ الكوكب الأحمر خلال فترة زمنية معقولة، بل لا بد من الاستعاضة عن الألواح الشمسية بمفاعل نووي صغير .
وحتى اللحظة لا شيء يثبت أن هذه التقنية ستنجح لأنه لا بد أولاً من إيجاد الوسيلة التي ستحمل المحرك (Vasimr) إلى الفضاء كي يعمل في الفراغ كما يجب الحفاظ على بلازما (Vasimr) تحت ضغط منخفض كي نحصل على الكفاءة المطلوبة .
وسيتطلب هذا الأمر استعمال صاروخ دفع كيميائي لإخراج المحرك البلازمي من الغلاف الجوي قبل أن يتولى هذا الأخير عملية الدفع في الفضاء في اتجاه المريخ .
التحدي الحقيقي
يكمن التحدي الحقيقي في عملية المرور من قوة 200 كيلووات إلى 200 ميغاوات، فالوصول إلى المريخ خلال 39 يوماً أمر سهل التطبيق على الأوراق أما في الواقع فلا بد من إيجاد المحركات الجيدة ذات الكفاءة العالية، وحتى الآن لم تزد قوة المحركات النووية التي استخدمت في الطيران الفضائي على 50 كيلووات ولإحداث تعديل في هذا المجال لا بد من تغيير تكنولوجيا تحويل طاقة المحركات وإلا سيكون نظام الباحث (شانج) ثقيلاً جداً خلال الرحلة أو حتى للخروج فقط من الغلاف الجوي .
وتقول إيلزا كليكيه المتخصصة في أنظمة الدفع في وكالة الفضاء الفرنسية: لبلوغ هذه القيمة لا بد لنا أن نجري أبحاثاً تمتد إلى مدة زمنية تتراوح ما بين 40 و50 سنة .
ولا شك أن هذه المدة التي تراها إيلزا لا تتناسب مع الأهداف التي وضعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما نصب عينيه اللهم إلا إذا اكتفى الباحث (شانج) بمحرك يعمل بقوة 10 ميغاوات، وهوما سيمكن المركبات الفضائية من بلوغ المريخ خلال 3 أشهر، أما إذا أراد غير ذلك فيجب أن تتحول هذه القوة إلى 50 ميغاوات وهذا غير ممكن قبل العام 2035 .
من جهته يشير الباحث ستيفان مازوفر إلى قيود أخرى في هذا الموضوع حيث يرى أنه لا أحد يمتلك معطيات تتعلق بالمدة الزمنية التي يمكن أن يتحملها جهاز كهذا على المدى البعيد وكم ساعة من العمل المتواصل يمكنه أن يتحمل، خاصة أن الرحلة إلى المريخ ستكون بلا شك محفوفة بالمخاطر الكثيرة .
علاوة على ذلك يشير مازوفر إلى مسألة أخرى تتعلق بدرجة تحمل الجدر الداخلية للمحرك تحت تأثير البلازما فيتساءل: ما الإيقاع الذي ستبدأ عنده الجدر الداخلية للمحرك بالتلف تحت وقع ضربات البلازما؟
في هذا الصدد يقول صاحب المشروع (شانج) أنا أعترف بهذه المسألة التي يشير إليها الباحث ستيفان مازوفر ولذا خصصت فريقاً كاملاً للعمل على حلها في المهد من خلال إجراء عملية محاكاة بالكمبيوتر لمعرفة مدى تأثير ضربات البلازما المستمر على الجدر الداخلية للمحرك .
وينتظر (شانج) بفارغ الصبر، نتائج الاختبارات المبدئية التي تجرى حالياً وستجرى في المستقبل القريب على المحطة الفضائية المدارية ليعلن على الملأ بعد ذلك وبكل تأكيد إن كان محركه البلازمي سيكون أفضل المرشحين لحمل المركبات الفضائية إلى المريخ في 39 يوماً أم لا!
3 أنواع من المحركات الفضائية:
* المحرك الأول كيميائي ويسمى (فيلكان -2) صُنّع في العام 2005 وتمت تجربته على الصاروخ (أريان -5) ويعمل بالأكسجين وتصل قوة دفعه إلى مليون 350 ألف نيوتن، كما تحتاج قوة اندفاعه إلى 431 ثانية.
* المحرك الثاني الكهربي ويعمل بتأشير (هال)، يسمى (PPS1350) صُنع في العام 2005 وتمت تجربته على المسبار الفضائي (سمارت -1) ويعمل بغاز الزينون وتبلغ قوة دفعه 0،088 نيوتن كما تحتاج قوة اندفاعه إلى 1650 ثانية.
* المحرك الثالث الكهربي ذو الشبكة ويسمى (NSTAR) صُنع في العام 1998 وتمت تجربته على المسبار الفضائي (ديب سبيس -1) ويعمل بالزينون وتبلغ قوة دفعه 0،092 نيوتن ويحتاج لقوة اندفاع تبلغ قوتها 3100 ثانية.