لم يفارق التربوي المخضرم محمد أبو ليلة جو الاجتماعات والنقاشات، لكنه حوّلها من رسمية إلى اجتماعية، يجلس في مكتبه صباحاً من الساعة الثامنة إلى الثانية عشرة ظهراً يستقبل التربويين القدامى وأصدقاء وزملاء المهنة، يتناقشون باستمرار حاملين همّ الأجيال القادمة وكيفية توعيتها والرفع من شأنها من خلال الأخلاق والعلم .

وقبل أن يفتح مجلسه العامر بالأصدقاء مساءً، يجتمع في مفوضية الكشافة أيضاً مع الأصدقاء القدامى، لم تتغير علاقاته الاجتماعية منذ أن تقاعد وترك إدارة منطقة رأس الخيمة التعليمية التي أدارها لمده 20 عاماً .

محمد أبو ليلة، 64 عاماً، يحفظ عن ظهر قلب ويسرد باستمرار تاريخ التعليم منذ عهد المطاوعة إلى التعليم شبه النظامي والنظامي، كان ضمن أولى الدفعات التي تخرجت في مدارس المناهج الكويتية وأتم دراسته في مصر إبان فتح الدولة المجال لأبنائها لإتمام تعليمهم الجامعي، بإجازة دراسية مفتوحة المدى، وانتقل بعدها من موظف في وزارة الإسكان إلى وزارة التربية والتعليم كمدير للمنطقة التعليمية في رأس الخيمة .

في هذا الحوار، نسترجع مع أبو ليلة ذكريات محطات في مسيرته الحياتية والتربوية .

كيف كانت بدايتك التعليمية؟

- درسنا بمناهج الكويت وكانت أول بعثة تعليمية أرسلتها الكويت عام 1955 ثم أرسلت مصر بعثتها عام 1958 ثم دخلت مناهج قطر عام ،1959 وكانت أول مدرسة نظامية مدرسة القاسمية للبنين ومدرسة خولة التي تحولت إلى مدرسة هند بنت عتبة للطالبات . ولدت عام ،1948 في البداية انتظمت بالتعليم شبه النظامي على يد علي بن سلطان حميد المطوع الذي كان يدرسنا اللغة العربية والحساب . وفي الماضي أنشئت مراكز شبه نظامية للتعليم افتتحها المغفور له الشيخ سلطان بن سالم القاسمي، حاكم رأس الخيمة في قصره، وكانت بعثة من السعودية تتواجد بانتظام في قصر سموه، رحمه الله، لتحفيظ القرآن وتدريس الفقه، كما افتتح بيت صفوان كمركز شبه نظامي على نفقته، رحمه الله، وكانت عائلة الرضوان حولت منزلهما الخاص إلى وقف للتعليم . انتظمت في الدارسة عام 1953 في مدرسة الفتح، في منزل راشد المفتول، وكانوا يدرسوننا الرياضيات والإنجليزية، وكان يعمل فيها 3 مدرسين منهم محمود فلسطيني الجنسية وسلطان بن حميد بن مطر وعيسى بن بهادر النعيمي .

ماذا بعد مدرسة الفتح؟

- افتتحت بعدها عام 1955 مدرسة القاسمية وشكلت لجان لمعادلة دراستنا السابقة، ودرست فيها من الصف الرابع إلى السادس، ثم انتقلت بعدها إلى مدرسة الصديق وكانت تدرس المتوسط والثانوي، وكانت بجانب مدرسة القاسمية وإلى الآن مبناها قائم بفصوله، وانتهيت من الثانوية العامة في العام الدراسي 1972 - ،1973 وكنت من الصف الأول ثانوي حولت إلى النظام المسائي لأتفرغ للعمل في الصباح .

أي كنت يافعاً عند قيام الاتحاد؟

- نعم كنت أعمل في دائرة الحسابات العامة وأدرس في الفترة المسائية، كنا شباباً يعتد بنا ونعتمد على أنفسنا، لم نقتصر على طلب العلم في وقت تحتاج فيه الأسر لدعم أبنائها الشباب، واغتنام فترة شبابهم الأولى بالعمل وطلب العلم .

أين كان أول عمل لك؟

- في دائرة الحسابات العامة التابعة لحكومة رأس الخيمة، كنت أمين الصندوق فيها عام ،1968 وكان يرأسها سامي صقر، وكنت حينها أيضاً أمين المكتبة العامة التي افتتحها المغفور له باذن الله تعالى الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم رأس الخيمة، رحمه الله، أعمل بها بعد انتهائي من الفترة المسائية في المدرسة، وكانت ساعات يومي كلها خارج المنزل منذ الفجر إلى المساء، وكان زمن الكفاح . وبعدها أصبحت سكرتير وكيل وزارة الإسكان عام ،1972 وبقيت عامين إلى أن اخذت إجازة دراسية سافرت خلالها إلى مصر لأدرس في جامعة عين شمس لمدة 4 سنوات في كلية الآداب قسم الاجتماع، ثم درست دبلوماً عالياً عاماً في الدراسات الإسلامية والاقتصاد في المعهد العالي في مصر وانتهيت من الدراسة عام 1979 .

ثم انتقلت مع وزير الإسكان وقتها سعيد عبدالله سلمان عندما انتقل وزيراً للتربية والتعليم، وعينت مديراً لمنطقة رأس الخيمة التعليمية في 10 يوليو/ تموز عام 1980 واستمررت 20 عاماً إلى أن تقاعدت في بداية مايو/ أيار 2000 .

خلال 20 عاماً ما الذي قدمته واستفدت منه؟

- بذلت جهدي خلال تلك الفترة إلى أن تصل المدارس الثانوية إلى جميع المناطق النائية، وكنا نستأجر منازل في الحمرانية وفي كدرا نخصصها مراكز لرياض الأطفال إلى أن أقيمت المدارس في جميع مناطق الإمارة، وكان دعم الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله، يدفعنا إلى مزيد من الاجتهاد والمثابرة لتقديم الأفضل، وكل شكوى ترده من أولياء الأمور يرجعها للمنطقة التعليمية وكان يضع الثقة بالمديرين والمعلمين التربويين، لذا كل واحد منهم يحاول ان يثبت كفاءته وعلاقته الجيدة مع أولياء الأمور، وكان، رحمه الله، يزور المدارس باستمرار . صحيح كانت المهنة معاناة ولكنها رسالة خالدة، ويكفي ان يتذكرنا حالياً أجيال وأولياء أمور مازالت علاقتنا بالكثير منهم وطيدة، والدولة لم تقصر في توفير التعليم لكل فرد من أفرادها .

ما رأيك بالتعليم الحالي؟

- جيد، والقرار الصائب هو التركيز على المدارس الفنية ودعمها، فمعاهد التكنولوجيا التطبيقية وكليات التقنية تخرج أيدي عاملة ماهرة، وهو ما تحتاجه الدولة اليوم أكثر من خريجي التعليم العام، وكانت المدارس الفنية الزراعية والتجارية والصناعية مفتوحة، ولكن الإقبال عليها ضعيف، والامتيازات التي تقدم لطالب المعاهد الفنية يشجع الطلبة على الانضمام إليها .

كيف تقضي وقتك حالياً؟

- أوزعه بين مكتب للعقارات اجتمع فيه مع أصدقائي القدامى من التربويين والمعلمين والموجهين من الساعة الثامنة والنصف صباحاً إلى الثانية عشرة والنصف ظهراً، ثم أذهب إلى مفوضية الكشافة مساء كذلك لألتقي بالزملاء والأصدقاء القدامى لنتناول القضايا التربوية والاجتماعية بالنقاش، ثم أفتح مجلس منزلي أيضاً للتسامر مع الأصدقاء القدامى والأقرباء .

كم ترتيبك بأسرتك؟

- أنا الثالث من الأولاد، ولي 4 إخوة و4 أخوات، وكذلك أسرتي تضم 5 أولاد و4 بنات، وجميعهم تخرجوا ودرسوا باختيارهم ولم أجبرهم على تخصصات معينة، لأنه إذا كان هناك هدف يفوق القدرة فإن النتيجة تصبح إضاعة الممكن في طلب المستحيل . ومن أبنائي اثنان يعملان في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وواحد موظف في الهيئة الاتحادية للكهرباء والمياه وآخر يعمل في مطار رأس الخيمة، والبنات اثنتان في التربية وواحدة موظفة منتدبة في منطقة راس الخيمة التعليمية واخرى موظفة في دائرة المحاكم.

ما هواياتك؟

- أحب القراءة في مختلف المجالات، وأحدث كتاب قرأته وأعجبني السيرة الذاتية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وأتابع المقالات والتحليلات في الصحف .

ما الدول التي زرتها؟

- زرت مصر ولبنان والأردن وعُمان والسعودية، ولا أحب السفر كثيراً وأغلب زيارتي لأصدقائي التربويين أو للعمرة .

من وجهة نظرك ما القضايا التي تواجه الشباب حاليا؟

- ثورة المعلومات والتكنولوجيا أصبحت تشتت افكار الشباب من دون توجيه، ومسؤولية التوجيه هنا مشتركة بين المنزل والأسرة والمؤسسات الاجتماعية.