الوالد محمد بن متعب بن غانم المحيربي أحد سكان ليوا الذين عاصروا فترة ما قبل حكم المفغور له بإذن الله الشيخ زايدبن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وفترة حكمه، وكان شاهداً على العصر، حيث شاهد التطورات التي جعلت من صحارى الإمارات أراضي خضراً على أيدي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد . حدثنا المحيربي عن ذكرياته مع الشيخ زايد وذكريات الماضي التي شابتها المتاعب والمصاعب وكيف أنها زالت بفضل الله ورعاية الشيخ زايد واهتمامه بمناطق الإمارات كافة برها وبحرها .

أنا محمد بن متعب بن غانم المحيربي من سكان ليوا ومن محضر نفير، ولدت في محضر نفير وعشت مع والدي وأختي في هذا الموطن ولم نفارقه قط، وتوفي والدي وأنا صغير، فتربيت ونشأت لدى أحد الأقارب، حيث كانت الحياة قديما تسودها الروابط الأسرية القوية ويتشارك أفراد القبيلة مسؤولية كل فرد منها، ويكونون مسؤولين عن كل فرد يحتاج إلى مساعدة أو تنقصه حاجة .

سكان محضر نفير من المحاربة وكان منهم خلفان بن علي المحيربي وعلي بن محمد المحيربي وعبدالله بن سيف المحيربي وفاضل بن سيف المحيربي ومحمد بن ملفي وسعيد بن عرار ومبارك بالعامرية، وهذا سكن عندنا منذ نحو ثلاثين سنة وجاءنا من السعودية، وتوطن عندنا وتزوج منا وأنجب أولاداً وأصبحوا رجالاً وهم يعيشون معنا وهم الآن منا ونحن منهم . وسكان نفير القدامى أكثرهم مات وبقي أولادهم وأحفادهم، ومنهم من بقي في نفير ولم يغادرها ومنهم من غادرها لطلب فرص العمل والحياة في المدن في أبوظبي والعين وغياثي والوثبة وبدع زايد وغيرها من المدن الحديثة، وقد أخذت نفير تسميتها بسبب وجودها على بعد ومسافة من محضر مزيرعة الذي يعد الأساس والقلب لمحاضر ليوا، فجاء موقعها على بعد مسافة من مزيرعة فلهذا قيل لها نفير أي أنها منفورة، وبقربها الرايغة وأخذت تسميتها كونها تأتي بعد نفير وكأنها تروغها أي تلحقها، وحالياً سميت الرايقة أي الرائقة التي يروق للناس سكنها بعكس معنى اسمها القديمة الرايغة، والتي يفهم منها وكأنها تروغ أي تطرد الناس منها، وكان الشيخ زايد رحمة الله عليه يحرص على تغيير بعض المسميات القديمة بما يخالف وضعها السابق ويناسب وضعها الجديد، كما يوجد بقربها محضر قديم يسمى القرمدة وهي القرمدة الكبيرة والقرمدة الصغيرة والتي تأتي من نفير من الجهة الشرقية، ولا نعرف ما معنى القرمدة ولم يخبرنا بها أحد من أهلنا أو أحد كبار السن من اهل المنطقة وهي أسماء قديمة جدا لهذه المحاضر .

محضر مزيرعة سكانها من المحاربة والقبيسات فنصفها من المحاربة ونصفها الآخر من القبيسات، ويوجد في مزيرعة قلعة قديمة جداً، وقد أمرنا الشيخ زايد بالبحث والتأكد عمن بنى هذه القلعة، فتوصلنا في بحثنا إلى أن من بنوها هم القبيسات . وقد أمر الشيخ زايد بترميم هذه القلعة والحفاظ عليها، ومنذ أكثر من مئتي سنة وكبار السن يتوارثون خبر وجود القلعة وهي أقدم من هذا التاريخ، وكان أهل المنطقة يحتمون بهذه القلعة أوقات الحروب والغزوات، وكانوا يحتمون بها في الليل، وفي الصباح يذهب كل صاحب عمل إلى عمله فراعي النخل يذهب لنخيله وصاحب البوش يذهب لبوشه وفي الليل يأخذ كل بيت عشاه معه ويقصدون الحصن وهناك يجتمع الجميع ويتعشون ويباتون في الحصن إلى طلوع الصبح، وكان فيها مرامي لرمي البنادق أحدها موجه لأسفل الجدار وأخرى موجهة للأمام وللأماكن البعيدة، وكان في كل محضر يوجد حصن، فيوجد حصن في ظفير وحصن في قطوف وحصن في موقب وحصن في خنور وحصن في قريّب، وهكذا في كل محضر يوجد حصن، فكل قبيلة بنت حصناً في محضرها لتحتمي به أوقات المخاطر والحروب، وكان كل أهل محضر في محضرهم، وإذا دهمهم خطر كبير يشملهم جميعاً تجمعوا في مكان واحد، وكان تجمعهم في حوايا وهو مورد شامل يمر عليه كل من يمر في هذه المنطقة، فمن يأتي من الشرق يتلقونه ومن يأتي من الغرب يتلقونه في هذا الموضع، فمن يأتي من مسقط يوردون عليه ومن يأتي من السعودية يوردون عليه، وشهد هذا الموضع الكثير من المواجهات بين أهل المنطقة والغزاة، منها موقعة دارت بين أهل المنطقة وجماعة غازية وانتصر أهل المنطقة على غزاتهم فقال شاعرهم:

تشهد حوايا والنقا المتعلي

الصلف هاش وبن هويدن ذلي

تكاتف

نعم كان أهل المنطقة من حميم إلى عرادة على يد واحدة، متكاتفين ومتعاونين في صد الأعداء وعلى صروف الدنيا، ومساعدتك في أعمال نخلك وحفر الماء، وكانت المياه في السبخة خوراً ومالحة وفي الرملة المرتفعة حلوة، وكانوا يحفرون حتى يصلوا إلى المياه على بعد قامة أو قامتين وثلاث، وبعد ذلك يدفنون مكان الماء قدر قدم ومن ثم يضعون الصرمة ومن ثم يسقونها بصب الماء عليها مدة شهر تقريباً، حتى تشب لها عروق وتصل إلى الماء وبعدها يتركونها دون سقاية فتعتمد على المياه الجوفية، ومن الصرم ما يموت فيتم زراعة غيرها، وهكذا يحفرون ستين أو سبعين بئراً ويزرعون الأرض بالنخيل فتصبح جو، فالجو هو المكان الذي يزرع فيها النخيل وتكون في المناطق المنخفضة، والمحضر هو المكان الذي يسكن فيه أصحاب هذه النخيل أو من يحضر معهم من المدن البعيدة وقت الحضارة، وتكون في المناطق المرتفعة التي تعلو اليوّان (الجواء) وتشرف عليها، وهذه أسماء قديمة، وأكثر مسميات المحاضر واليوّان (الجواء) لا نعرف معناها من قدمها ونعرف انها عربية قديمة مخلفة علينا من السابقين، فمثلا هناك محضر يسمى (إنميل) من كثرة النمل الذي فيه، وهناك من يسميه (الميل) كونه مائلاً، وفيه قلعة بناها الشيخ محمد بن شخبوط أحد شيوخ آل نهيان وحكام أبوظبي من زمن بعيد لا نعرفه، وبينه وبين الشيخ زايد رحمة الله عليه عدد من الشيوخ والحكام، كانوا يقيظون في هذا الموضع ويشتون في التراب الشمالي الذي هو شرقي المدينة (مدينة زايد)، وكانوا يقنصون فيها وكانت تأتيهم البدوان من كل صوب ويضعون بوشهم عندهم ويقنصون ويسرحون ركابهم فيها إلى أن يرحلوا إلى أبوظبي، وهذه المنطقة أبطأ فيها الشيخ محمد بن شخبوط، وكذلك كان الشيخ سعيد بن طحنون من الشيوخ الذين أبطأوا في هذه المنطقة وكان في (كية) وهي لآل بوفلاح وهي دارهم الأولية، وكذلك كان الشيخ زايد بن خليفة وهو زايد الأول الذي أمّن هذه المنطقة وحارب القبائل المناوئة له، حتى غزا دار آل وهيبة وصالحهم وتزوج من ابنة شيخهم وأحضرها معه إلى سكنه في أبوظبي، وحضر معها أخوها حمد وإخوته، ولما أصبحوا أرادوا العودة إلى ديارهم، فزودهم الشيخ زايد بن خليفة بما يحتاجونه من مير وزهاب ورحلوا، وهنا سمع أختهم وهي زوجته تنشد وتقول:

يا زايد بن خليفة

رخصة منك مباح

شاموا حمد واخوانه

على بكرات صحاح

شاموا وأنا خلوني

طير كسير جناح

فقال لها: ألا تريدينني؟ فقالت: لا . . أريد أن أرجع مع إخوتي إلى أهلي . فأرسل الشيخ زايد في إثر إخوتها ورجعوا وأخذوا أختهم معهم بعد أن طلقها الشيخ زايد وأرسل معها المير والهدايا والزهاب .

الحضارة

محضر قطوف يسكنه القبيسات وبعض المناصير، وظفير يسكنه الهوامل ولا يسكنه احد معه، والمارية يسكنها المزاريع والقبيسات وبعض المريخات بيتين أو ثلاثة، والحويلة يسكنها المحاربة وحفيف يسكنها المزاريع، والسالمي كانت مزارع لا يسكنها أحد وحالياً أصبحت محضراً، وهكذا كانوا يعيشون على البحر والنخيل والركاب، وكانت حياتهم يملؤها التعاون والتماسك وكانوا سعيدين بها، فقد كان الوقت يحدهم على ذلك، فاليدان تغلبان اليد الواحدة، فالدنيا كانت صحراء وكانوا يحتاجون للتكاتف والتماسك طلباً للحماية فقد كان يأتيهم العدوان من كل صوب، وكانوا في القيظ يحضرون ليوا فتسمى حضارة، وأهل البحر يذهبون إلى بحرهم ووقت الغوص في غوصهم، وكانت حياة أهل المنطقة تعتمد كثيراً على البحر حيث يقصدون السواحل للدخول في مواسم الغوص كل عام، ومن ليس لديه ركاب ليقصد البحر يحمله الجمّالة إلى حيث يريد مقابل أجرة التوصيل، وكان أهل ليوا يقصدون طريف ورديم والمغيرة، فكل قبيلة لها مشرعة في البحر، فالمغيرة للمحاربة والقبيسات ورديم للهوامل والمرفأ للمزاريع وهكذا كل هذه المناطق مقسمة على القبائل منذ القدم من قبل الشيوخ والحكام القدامى، وما إن يصل القوم إلى سيف البحر حتى يجدوا السفن في انتظارهم فيركبوها وتسير بهم إلى أبوظبي ومنها يدخلون في رحلات الغوص ومنهم من يوفق فيحصل على حصباة أو دانة ومنهم من يعمل طيلة الموسم ولا يعود برأس ماله، وهنا يعجز عن الإيفاء بمتطلبات وأجور البحرية الذين معه وكذلك لا يفي بالدين الذي عليه لصاحب المركب أو الممول، فيشتكون إلى الشيوخ ويطلب الشيوخ على كل صاحب حق أن يمهل النوخذة سنة أو سنتين إلى أن يوفق ويحصّل دينه ويسدد للمطالبين بالحقوق التي عليه، وكانوا يقضون مواسم الشتاء في أبوظبي وهناك يعملون في البحر والتجارة، فما إن ينتهي الإسفري ويبق الصيف أي ترتفع درجة الحرارة حتى يقصد أهل ليوا سواحل أبوظبي، وما إن يصلوا المرفأ أو الرويس حتى يرقوا سفنهم ويتوجهوا إلى أبوظبي ومنها يدخلون البحر في رحلة الغوص التي يتوفق من يوفقه الله ويحصل ما يرضيه ويرضي الغاصة وأهل السفينة ومنهم من يعود ولا يوفي التزاماته، وإذا حصّل صاحب السفينة على صيد واف فكان الغواص يحصل على مئتي أو ثلاثمئة أو أربعمئة روبية والسيب الذي يجر حبال الغواص يحصل على مئة وخمسين روبية، وكان يأتيهم الطواويش إلى سفنهم ويشترون منهم القماش (اللؤلؤ)، وما إن ينتهي الموسم حتى علّوا سفنهم على سيف البحر في أبوظبي أو المرفأ ويركبوا مطاياهم وركابهم ويعودوا إلى ليوا، وكان أهل الركاب يأخذون ممن يريد التنقل من ليوا إلى المرفأ عشر روبيات وكانت في الأول خمس روبيات وأصبحت عشراً، فمن كانت لديه خمس مطايا يحصل خمسين روبية وكانت الخمسون روبية في ذلك الوقت مبلغاً كبيراً جداً، وكان الأرز رخيصاً والتمر والطحين والقهوة رخيصة، وكان التمر يأتينا من البصرة وكانت القلة بروبية وبروبيتين، وكان يأتينا التمر العماري ومن القطيف يأتينا التمر القطيفي، وكانت الحكومة قديماً تأكل مع الشعب وتشاركهم حزنهم وفرحهم، وكان أهل الغوص أول عودتهم يخرجون حاصلة الشيوخ، كذلك أهل النخيل إذا أكملوا عشرة أجرب تمر فالعاشر للشيوخ، فكان الحاكم والشيخ مع الشعب واحد، وكان الحاكم يبرز أمام الحصن ويفرشون له الفرش ويجلس ويلتقي بمواطنيه وإذا كان هناك من لديه قضية فالقاضي يجلس بالقرب من الشيخ فيحكم بين المتخاصمين، ولم تكن الأمور معقدة مثل يومنا الحاضر . وكان الناس قديماً يحترمون بعضهم بعضاً ويحافظون على حقوق الاخرين ويبغضون أكل الحرام والتعدي على الآخرين، والآن تقرض رجل مبلغاً من المال ولما تطالبه به يتهرب منك ولما تشتكي عليه فيحكم عليه بتقسيط المبلغ ولا تحصله إلا بعد أربع أو خمس سنين أو تقبل بجزء منه وتتنازل عن الباقي وتطلب العوض من الله سبحانه وتعالى، حتى أصبحنا الآن لا نقرض أحداً وإن أعطينا أحداً حاجة أعطيناه عطية لا ننتظر من وراءها جزية أو ردها فكما يقولون السلف تلف .

وأصل نخيل ليوا هي الدباس ولم نجد له مثيلاً في أي مكان، فالنخيل في ليوا عديدة ولكن الدباس هو الرقم واحد، وكنا إذا نجذ الدباس كانت النساء تعد خصافة من خوص النخيل وكنا نكنز الدباس فيه ومن ثم ندوسه بأرجلنا إلى أن ينعم ومن ثم نخيطه ونصفّه، وكانت البيوت تضم خمسة أجرب وعشرة أجرب وإن أكملت العشرة نرسل العاشر للشيوخ، ولم يكن يأتينا التمر من أي مكان، كان تمرنا يكفينا، وأهل أبوظبي تأتيهم التمور من السعودية والبصرة وإيران، كما توجد لدينا أنواع أخرى من التمور والنخيل مثل الخصاب الأبيض واليردي والخشكار والفرض وخصابة ريس وعين بقر واليواني والنغال والحمرية والخنيزي، وخنيزينا يقارب خنيزي عمان والسعودية، وكان يوجد في كل محضر (جو) نحو ألف إلى ألف وخمسمئة نخلة .

أمراء ليوا

كان أهل المنطقة يعملون ويعتمدون في معيشتهم إما على النخيل والتمور وإما في الركاب والماشية وإما في البحر على الغوص والصيد، وكان أهل المنطقة يملكون الإبل النجيبة والشهيرة بالإبل العمانية من سلالة بنات صوغان وبنات ظبيان وبنات الخطل وبنات مصيحان، وهذه سلالة الزمول التي تلقح النوق وهذه مختصة بنا ولا يوجد لها مثيل في السعودية وسلطنة عمان، فهذه المنطقة والدار تسمى كلها عمان منذ القدم والساحل يسمى ساحل عمان وفيه ليوا والظفرة والطف وبينونة وغيرها، وكانوا يملكون الماشية التي تختص بسلالتها ليوا والتي لا يوجد لها مثيل في مكان آخر، والتي إن كثرت لدى الشخص والأسرة بلغت ثلاثين رأساً، وكانوا يستفيدون من لبنها والسمن والكامي وكان العشب عندنا بكثرة والمطر لا ينقطع وكل سنة يأتينا المطر، والآن قل المطر وإن جاء لا يشبب العشب ولا ينبت الشجر والشجر الذي كان راح، وكانت بقعتنا هذه فيها الأشجار والعشب وفيها الظباء والوعول والوضيحي التي تكثر في الربع الخالي جهة اليمن، والأرانب وكذلك النعام التي لم نلحق عليها وأخبرنا أهلنا عنها، وكنا نجد في الحزوم قشور بيض النعام، وكانت فيها الثعالب، وكانوا يسكنون في بيوت عبارة عن خيمة مبنية من دعون وخوص النخيل، والمطبخ نسميه عريشاً، والمجلس يسميه أكثر الناس السبلة، وإن جاء الضيف استقبلوه في المجلس وجاء كل واحد ومعه شيء فهذا جاء بالتمر وهذا بالقرص وهذا بالقهوة وهكذا، وإن تغدى عندك اليوم فعشاؤه عندي وفي اليوم الثاني غداؤه عند شخص آخر وعشاؤه عند ثالث وهكذا يكون كل يوم عند أحد إلى أن يستوفي ضيافته ويرحل، وإن جاءنا ضيوف اليوم وقمت بالواجب وذبحت لهم وضيفتهم ورحلوا، وجاء في اليوم التالي ضيوف آخرون ونوخوا عندنا جاء أهل الفريج وأخذوهم عنك وضيّفوهم ولا يجعلون الحمل كله عليك، فالتعاون كان بينهم كبيراً، وكانوا يعتمدون على أنفسهم في كل أمورهم والحكومة تساعدهم، وأما الآن فأصبح الناس اتكاليين يريدون أن تعمل لهم الحكومة كل شيء يريدون منها أن تسوي لهم الأراضي وتحفر الآبار وتعطيهم الأراضي التجارية والصناعية والزراعية، ولا يريدون العمل يريدون كل شيء جاهزاً بحجة أن دولتنا طلع فيها خير كثير والحكومة لم تقصر ولكن الناس يمدون ويسوون البيوت وينجبون الأولاد وهم في تكاثر وزيادة، ويجب أن ينشأ الأولاد معتمدين على أنفسهم ولا ينتظروا من يقدم لهم كل شيء ويضعه لهم في أيديهم، وسألني الشيخ زايد في أواخر أيامه: كم عندك من الأولاد؟ فقلت له: ثمانية يا طويل العمر، فقال: ماذا حصلتم من عندنا؟ فقلت: بناية أربع طوابق يا طويل العمر فقال: والعيال! فقلت له: العيال لم يحصلوا على شيء يا طويل العمر، فقال سنرى لهم شيئاً إن شاء الله . ولما تولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الله يطول عمره أخبرته بالأمر فلم يقصر، وأمر لهم بالأراضي السكنية والتجارية والزراعية وهم يعملون عندهم من مهندس وطيار أطال الله أعمارهم فهم لا يقصرون في أي شيء .

أنا عملت في النخيل في نفير منذ كنت طفلاً حيث إننا لم نترك مكاننا هذا رغم أن أكثر أهل ليوا تركوها وقصدوا أبوظبي والجزر والمدن الأخرى التي كان فيها العمل مرتبطاً بأعمال التنقيب عن النفط، بحثاً عن فرص العمل هناك، وأنا بقيت في نخل أهلنا أعمل فيها مع من بقي من أهل ليوا ولم يرحل عنها، ولما جاءت شركات التنقيب عن النفط إلى منطقة ليوا عملت فيها بأمر الشيخ زايد رحمه الله، وقد عملت مدة سبع سنين مع هذه الشركات، وفي عام 1979 أمر الشيخ زايد رحمه الله بتوظيفي في بلدية ليوا، وكان مدير البلدية الشيخ محمد بن بطي آل حامد الله يذكره بكل خير، وعملت مسؤول قسم المعدات وعملنا في تسوية الأراضي وحفر الآبار وكانت تعمل لدينا سبعون بلدوزراً ومعدة، وأمرنا بتسوية الأراضي وردم الحفر بعد أن نقتلع النخيل منها ونسويها ونعيد زراعة النخيل فيها وإما أن تحيا وإما أن تموت فيأمرنا بتعويضهم عما يموت من نخيلهم

تسمع ونسمع كثيرا أن الشيخ زايد رحمة الله عليه جعل الصحراء جنة خضراء، ولكن لم يقف أي منا أمام هذه العبارة وتفكر في معانيها، ولم يقف أي منا على حقيقتها وتفاصيلها، ومن منكم ممن سمع بتلك العبارة جاء على الطبيعة لينظر ويشاهد هذه الصحراء التي تحولت إلى جنان، ومن منا أدرك مدى الجهد والتعب الذي بذله الشيخ زايد رحمة الله عليه لأجل ذلك، وما كان مقصده من كل هذه المزارع وأنواع المزروعات التي بعضها من زرعنا وزرع هذه الأرض الأصلية، بينما أكثرها جلبه من بلاد غير بلادنا ومن مختلف بلاد العالم، والتي لم تكن تنبت في أرضنا، ولو أن أحد سألنا قبل ثلاثين أو أربعين سنة عن إمكانية ذلك لما صدقناه ولكنني عملت إلى جوار الشيخ زايد رحمه الله ورأيت ما فعل في سبيل تحقيق الحلم الذي حاول بعض الخبراء الذين جلبوهم من الخارج لمشاورتهم وسؤالهم عن إمكانية زراعة المنطقة بالأشجار المثمرة غير النخيل، فأجاب الخبراء من مهندسين وفنيين وخبراء زراعة باستحالة ذلك، ولكن الشيخ زايد لم يسمع لقولهم ولم يسمح لهؤلاء الحؤول بينه وبين تحقيق حلمه وحلم أهل المنطقة بأن يروا صحراءهم الصفراء القاحلة التي لا يوجد فيها سوى بعض البقع الخضراء التي هي عبارة عن أعداد قليلة من أشجار النخيل المتباعدة والمتناثرة على وجه الصحراء، وكيف أنه بإصراره ومثابرته جعل من هذه الصحراء جنة خضراء، ولم يكن تحقيق هذا الحلم بالبساطة والسهولة، فقد كان رحمه الله يحضر شخصيا وفي عز الظهر والحر ويقف على آليات تسوية الأراضي ويشير إلى سائقيها بالسير في هذا الاتجاه وذاك وفعل هذا الأمر وذاك حتى سوى أراضي شاسعة من هذه المنطقة، وبعد ذلك أمر بإحضار التربة المناسبة للزراعة ووضعها في المواضع التي يريد زراعتها وغذاها بالأسمدة المناسبة، ومن ثم أحضر الأشجار المختلفة وأمر بتوزيعها وزراعتها في المزارع المختلفة، وقام بزراعة أكثرها بيديه وسقاها من عرقه، كما أمر ببناء المراكز والمختبرات العلمية المتخصصة بالزراعة لزراعة الفسائل والشجيرات الصغيرة وتكييفها مع بيئتنا وزراعتها في البيوت البلاستيكية المخصصة لذلك، ومن ثم زراعتها في الخارج لتواجه البيئة الطبيعية للمنطقة وقد نجحت الكثير من هذه الأشجار المثمرة من فواكه وحمضيات، وها أنت ترى الرقعة الخضراء الشاسعة في المنطقة وغيرها من مناطق الدولة والتي تنتشر فيها المزارع التي أمر بتوزيعها على المواطنين وزراعتها بأنواع الأشجار المختفلة وعلى رأسها النخيل بمختلف أنواعها .