ضيفنا اليوم الوالد محمد بن أحمد بن محمد بن مرشد بن بليد المرر الياسي، الذي التقينا به عام ،2003 والذي يعتبر من أعرف الناس بمنطقة بدع زايد وما يحيط بها من مناطق، ويملك ذاكرة متوقدة ويحفظ الكثير من أشعار الأقدمين، ويستحق عناء قطع أكثر من 500 كيلو متر للوصول اليه، وما أن تلتقي به وتجلس معه وتسمع أخباره وعلومه حتى تخرج ولديك انطباع واحد هو أن هذا الشخص لو كان على بعد خمسين ألف كيلومتر، فإنه يستحق عناء وتعب وطول الطريق والزيارة مراراً وتكراراً من كثرة ما لديه من معلومات قيمة تتوزع بين الشعر والحوادث والأنساب والعادات والتقاليد وأسماء المواضع والأمكنة وغيرها من معلومات قيمة قلما تجدها عند غيره، وكونه شاهداً على عصر لم نعشه ولم نعرف عنه إلا القليل .

بدأ الوالد محمد بن بليد حديثه معناً بأنّةٍ طويلة يتحسر بها على وقت مضى وزمان ذهب بلا عودة، لم يبق من ذلك العصر سوى الذكريات الجميلة وخيال أشخاص عاش معهم على الحلوة فقط ويقول لم يكن هناك ما هو مر حتى التعب وشظف العيش الذي عاشوه هو جميل إذا ما قيس براحة هذا الزمن مادياً فقط، ولكن الحياة تعب من شدة ما يرى فيها كل يوم من تغير طباع الناس وتغير أنفسهم التي كانت أفضل شيء فيهم، وهي التي كانت الرابط الأول والأساس في التعامل بين الأهل والأصحاب وأبناء القبيلة الواحدة وحتى الخاطر والضيف، وكيف أصف الدنيا الآن سوى أن أوجزها في بيت شعر للشاعر الشيخ جاسم بن ثاني أو هو لاْبن ظاهر ولا أذكر بالضبط لمن البيت سوى أنه خير تعبير ووصف للدنيا في وقتنا الحاضر وهو قول الشاعر:

نشوف دنيانا علينا تغيرت

تغيرت ولا نعرف غيورها

رقعة البابه

نحن حالياً نسكن في منطقة كانت تعرف قديما ب رِقْعَةْ البَابهْ وهي عبارة عن مورد ماء تقصده جميع قبائل المنطقة بلا استثناء، وحتى القبائل الرحل التي تقطع هذه المنطقة كانت تمرح ركابها وتنزل شدادها عند هذا المورد في الصيف أو الشتاء وتتنزل عنده مدة عشرة إلى عشرين يوما ومن ثم تتجه إلى مقصدها أو ترجع إلى مواطنها أو مواطن العشب والمرعى، وكان من عادة أهالينا الأقدمين حفر الآبار لطلب الماء وجعله لوجه الله وليقصده كل طالب ماء دون استثناء أو منع أحد دون غيره .

وبالقرب من هذا المورد توجد مجموعة من القبور القديمة جدا والتي يبلغ عددها من ثلاثين إلى خمسة وثلاثين قبراً ويبلغ طول القبر الواحد نحو الأربعة أمتار، وتعرف هذه القبور بقبور آل هلال أو بني هلال كما يلفظها آخرون، وكما ينقل آباؤنا عن أجدادنا أن هذه القبور قديمة جداً ولا يعرفون لها تاريخاً بالضبط، وإنهم سألوا الأقدمين فأخبروهم بأنهم منذ أن وطأت أقدامهم المنطقة والقبور موجودة وهي على حالتها هذه، وقد قام مكتب ممثل سمو الحاكم في المنطقة بتسوير القبور واْعتبارها منطقة أثرية يجب الحفاظ عليها فجزاهم الله كل خير .

كذلك يوجد في المنطقة أثر لخب ناقة أي أثر قدم الناقة وأثر لقدم رجل وهذان الأثران أكبر من الآثار العادية بأكثر من عشر مرات، وقد طبعت على أرض سبخة ومع مرور الوقت والزمن تحجرت وأصبحت كتلة حجرية يعجز الإنسان من تحطيمها، ويقول لنا كبار السن من الآباء والأجداد إن هذا الأثر لناقة تسمى سيدح وإن قايدها وصاحبها يسمى غيلان مورد يسمى المليشة لآل مساعد أحمد ومبارك زارعينها ولا نعرف تفاصيل أخرى للقصة تغب أي تقصد السلع وهو مورد يفور منه الماء من الصخر بطبيعته وتسقي منه العرب وكان مرعى للإبل وكانت الناقة تغب أربعة أيام ومن ثم تقصد الشبهانة وهي غابة ومن ثم تعود لأهلها، وكان بين الخطوة والخطوة التالية من خطوات هذه الناقة مترين، وكان أثرها باقياً في الأرض وكنا نقصد الموقع لنرى الأثر كلما عبرنا في ذلك الموقع، ولا أعرف هل الأثر باقٍ أم أنه دفن أثناء عمليات تسوية الأراضي في هذه المنطقة .

كان أكثر السكن في الطف والحمرا، ومرتكز المرر الأصلي هو محضر عتاب الذي هو لأجدادنا منذ القدم ويشاركنا المزاريع الذين يتمركزون على الأكثر في محضر شاه ويشاركهم في ذلك المناصير .

المناصير وواحدها منصوري والنسبة إليها المنصوري، فهم من أقدم وأكبر وأعرق قبائل هذه الدار، وهم تبارك الله بالألوف وكانوا وما زالوا درع هذه المنطقة منذ أقدم العصور، وهم وبني ياس عظم واحد أي من أصل واحد وهم مجتمعون في الحل والترحال والحرب والسلم ويشكلون في اندماجهم وعاداتهم وتقاليدهم قبيلة واحدة، إلا أن لكل قبيلة عشائر وفخايذ وشيوخاً وكباراً، وكثيراً ما صدوا الأعداء عن هذه المناطق التي عاشوا فيها معاً منذ مئات السنين، وكل بقعة في هذه الأرض شهدت وقيعة مع الأعداء الذين يقصدون هذه المناطق في موسم الصيف حيث المنطقة خالية من الرجال الذين يسرون وراء الموارد والأكثر يمدون الغوص ويكون الحلال هنا عند الرعيان فيسهل مهاجمتهم وسلبها .

المشتى والمقيظ

كانت عادة القبائل أن ترتحل إلى المقايظ في فصل الصيف والمشاتي في فصل الشتاء، وكنا نضم بلادنا في اللوى (الجواء، ويلفظها الأكثرية ليوا) ونلحق البيشان، أي نترك منازلنا ومواطننا في الجواء ونتبع الإبل التي تسير حيث العشب والموارد، وكان مقيضنا في كفة الحمرا والساحل والطف، فمن العصب شرق توجد الحمرا، ومن العصب شمال يأتيك الساحل، ومن العصب غرب تأتيك الظهارة واللوى وحميم التي تسمى اليوم جميعها الرملة ومن غربها تأتي البطانة ثم العصب وشتال وغربيها رمرامة وحميره ودشال ودهيميه والرقيعه والمردف ودويحيش وحوايا والمغيلة وهي للشيوخ ومغيلة غنوم بن فريح وهو من القبيسات وأخواله المناصير، وسلام وهي لعبدالله بن غلوط المحيربي ونحن المرر أخواله إلى الرستة وهي الطريق العام الرئيس وبعدها تأتي الرملة الغربية وفيها الكثير من المواضع والمسميات التي تحتاج لأشهر لسردها وعدها .

ومشتانا في الطف من أم اليويلة إلى العقيلة، وهي مرابع تردها الإبل وتكثر فيها الأشجار الدائمة والنباتات الموسمية التي تنبت مع المطر ومن هذه الأشجار والنباتات الهرم والرمث والخرّاز والشنان والغضا والعراد، ونشتي أيضا في العرق (تنطق العرج) وفيها من الأشجار والنباتات الأرطاة والخضرمة والبرشانة والحاذه والإثبطة والعلقاة والكرية والحلمة، ونقيض في هذه المواطن وفي الصيف نلم اللوى ونلم التمر ونتجه شمالاً من طرف الطف والعرج، ثم نرجع في الشتاء بالإبل إلى حيث المياه ونحن نسير في أثرها .

أيام الطفولة

قضينا طفولتنا كغيرنا من أبناء المنطقة بين اللعب والمرح وبراءة الطفولة، حيث كنا نلعب الألعاب الشعبية المعروفة منها ما هو لفترة النهار مثل الصقلة والمحلوسة، ومنها ما هو مخصص وصالح لفترة الليل مثل لعبة عظيم لواح التي تقوم على أن يقوم واحد منا بمسك عظم ما ويلوح به إلى أعلى ويقول: عظيم سرى قص الخريمة واْختفى ومن ثم يرمي بها في اتجاه معين وبعده يركض الأطفال الباقون للبحث عنها ومن يعثر عليها يكون الفائز .

وكان أهالينا يعتمدون في معيشتهم على البيئة وما فيها من مقومات الحياة، حيث كان الكديد يكد على نفسه من بيع الحطب حيث يحملون أربع يلبات (حمولة بعير) ومنهم من يحمل أكثر من هذا ويقصدون أبوظبي ويبيعون الغضا والحطب هناك على أهل الخشب (السفن) الذين يمزرون عماير (يملؤون مخازن)، ولم يكن أهل هذه المنطقة يتاجرون بالفحم لأنه من اختصاص الشرقيين الذين توجد في مناطقهم أشجار السمر والسدر والغاف بكثرة والتي تحرق ويصنع منها الفحم الذي يصل إلى سوق أبوظبي على ظهور المحامل التي تنزله قرب السوق ويباع بعدها على الأهالي .

ولما بلغ عمري عشر سنين كنت أطنف البوش بدلاً من والدي أي أقوم برعيها وأخذها من مرعى إلى مرعى ومن مورد إلى مورد آخر، وبقيت مع والدي في هذه المهمة إلى أن بلغ عمري إثنى عشر عاماً .

عادات أصيلة

كان من عادة أهالينا أن يربونا على عاداتهم وتقاليدهم التي لا أجد في أيامكم هذه من يهتم بها ويعلم بها أولاده من صغرهم، ولعل المناصير أكثر الجميع في المحافظة على عاداتهم الأصيلة التي يعتبرونها سلم وهي عندهم قوية، حيث كان آباؤونا يعلموننا كيف نحضر المجالس ونستقبل الضيوف بأن نسلم ونحييهم والتي تسمى المحاول وهو السؤال عن أحوالهم وأحوال أهلهم وأقربائهم وجماعتهم وقومهم، وبعده يتم تحضير القهوة حيث تلقم الدلة بالقهوة وتوضع على النار وبعده فهقها بعدها عن النار بعد أن فارت ونضجت، ومن ثم يقوم بتلقيم المزلة ويقوم باللف على الضيوف وصب القهوة لهم والضيف يشرف فنيال أو فنيالين (فنجان)، وبعده يقوم أهل الدار بالسؤال عن حاجته وقصدها ويقولون له: خص وعم، أي اذكر حاجتك الخاصة والعامة ويقولون له: علومك يا لحيةٍ غانمة، فيقوم هو بسرد أخباره والعلوم التي أتى بها ويخبرهم بحاجته إن كانت له حاجة فتقضى إن شاء الله .

وفي الماضي كانت حريمنا عن ألف حرمة من حريم هذه الأيام، كن يصبحن وبعد صلاة الفجر يبدأن في إعداد القهوة والصباحة وهو الفطور، وبعدها يقمنا بإنجاز بعض الأعمال الموكلة بهن ويساعدن أزواجهن وأهلهن في جلب الحطب والثمام ويبدأن في إعداد الغداء، ومن أكلاتهن القديمة القرص والممروس وهو عبارة عن تمر ودهن وبزار أسود وهذا أكل البدو .

رحلات الصيد

كنا قديماً نعتمد في حياتنا كثيراً على الصيد حيث نحبل الحبال ونصيد أرنب أو ثعلب أو الظبا وغيرها من حيوانات البر، وكنا نصيد أيضا بكلاب السلق، وقد كانت عندي كلبة صيادة ما لها مثيل تصيد أربع وخمس أرانب في كل رحلة صيد، وقد ضربها أحد الأشخاص وأصابها برصاصة في بطنها وقمت بمعالجتها لأكثر من شهر ولكنها ماتت وقد دفع لي الذي ضربها ثمنها كتعويض ولكنني لم آخذه لأن ثمن البيع والشراء والمعاوضة للكلب حرام وقد كنا قديماً نهادي بعضنا بالكلاب ولا نبيعها ونشتريها لعلمنا بحرمة قبض الثمن عن الكلاب .

وكلاب السلق لم يعد لها وجود في البيئة الحالية وقد تجدها عند أشخاص معينين يحافظون عليها أيما محافظة ولا يفرطون بها أبدا أمثال منصور وهزاع بن ناصر بن سالمين المنصوري من العين، ولله الحمد قامت الحكومة بسن قوانين للمحافظة على ما تبقى من حيوانات البيئة التي قضى عليها الصيد الجائر الذي يمتهنه البعض من شباب هذا اليوم للتسلية فقط، بينما كنا نحن نصيد لنعيش ونحيا على ما نأكله من هذا الصيد، ويكثر هذا النوع من الكلاب في السعودية الذين لا يزالون يستخدمونها في الصيد .

ولما بلغت من العمر إثنتي عشرة سنة مديت (دخلت) الغوص رضيف مع سعيد بن علي بن فاضل الهاملي وعبيد بن محمد بوعقر المزروعي ومعنا يزوة (جماعة) ستة أوسبعة أشخاص منهم فاضل بن سعيد المزروعي، وشاركناهم الغوص في حويشي وهي سفينة غوص تشبه الصمعة ولكن لها مدعمية صغيرة ومركوزة رادة ورا مثل الصمعة، وأخذناها من صاحبها مقابل أن ياخذ خمس المية (نسبة خمسة في المائة) وطلع له من مائة ومائة وخمسين روبية .