القاهرة: عيد عبد الحليم
محمد جبريل أحد الأصوات الإبداعية المتميزة في جيل الستينيات، صاحب رؤية تحتفي بالمكان والزمان، خاصة مدينة الإسكندرية التي ولد ونشأ فيها، فجاءت رواياته عنها سيرة فنية لتلك المدينة وأحيائها الشعبية خاصة حي بحري الذي كتب عنه مجموعة من الروايات أهمها «رباعية بحري».
وعن علاقته بمكان النشأة يقول محمد جبريل: تمثل الإسكندرية حالة خاصة عندي، فهي ليست مكان الولادة والطفولة والصبا، لكنها المكان الذي شكل وجداني وسكن مخيلتي وفرض نفسه على قصصي ورواياتي، بناسها وجوها وبحرها وأفقها المنفتح على العالم، هي مدينة تختلف عن باقي المدن التي عشت فيها وعرفتها، لذلك منحتني الإبداع.
الإسكندرية ليست مجرد مكان أو تاريخ بل هي علاقات إنسانية حميمة، لذا جاء تعبيري عن البسطاء والمهمشين في تلك المدينة الرائعة، في فترة الصبا كنت - دائما - ما أحب التجوال في شوارعها والاحتكاك بالناس، خاصة مجتمع الصيادين وإلى الآن تجمعني علاقات صداقة مع عدد كبير منهم.

حول انحيازه لعناصر المقاومة في الكتابة يقول جبريل: المقاومة عندي ليست مجرد شعار أحاول أن أطبقه في حياتي، إنها ترتبط بالإصرار على التطبيق، لا يظل الشعار في حدود بلاغية، لكنه يترامى في آفاق لا حدود لها، أقاوم وأدافع ما وسعني، أقاوم القهر والزيف والفساد، الأدب من وجهة نظري مقاومة مستمرة، ودون هذا العنصر من التحمس، من جانب من يكتب، ومن جانب من يقرأ، لا قيمة لأي عمل أدبي، ولا معنى له على الإطلاق.
ويضيف جبريل قائلاً: المقاومة هي العنوان العريض لفلسفة حياتي، كما تدل كتاباتي المختلفة، ثمة مقاومة الخوف والمطاردة، وفي المقدمة مقاومتي للعدوان الصهيوني على أرضي وموروثاتي وقيمي وهويتي، لا يقتصر ما كتب على مجموعتي القصصية «حارة اليهود» لكنه يشمل إبداعات أخرى غيرها، بل إن حارة اليهود تجميع للأعمال التي تعنى بالمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني من مجموعاتي القصصية، بالإضافة إلى انعكاس المقاومة في العديد من أعمالي الروائية.
المقاومة الإبداعية ليست في مجرد الكلمات الجهيرة أو الزاعقة، إنها تحتفي بالجمال والصوفية والخيال واللحظات الإنسانية، وأرى أنه من الخطأ وسم الإبداع المقاوم بالتقريرية والمباشرة، فرواية هيمنجواي «لمن تقرع الأجراس» على سبيل المثال، عمل إبداعي مقاوم، ويبين في الوقت نفسه عن قدرات فنية عالية، فأعمال «هيمنجواي» بشكل عام، وهي أعمال متفوقة فنياً، تعبر عن المكان الإنساني والتجربة الإنسانية، وتجيء تعبيراً عن الحرية.
رواية في 20 يوماً
يشير محمد جبريل إلى أن روايته الأولى «الأسوار» سبقتها محاولات يصعب نسبتها إلى النثر الفني بصورة حقيقية، فقد كتبها بعد تسع سنوات من الرحلات المتعددة إلى أماكن مختلفة في مصر وعن ذلك يقول: وجدت في رحلات «شتاينبك» في الولايات المتحدة الأمريكية دافعاً للتعرف بصورة أعمق على المكان المصري، المدن والقرى والساحل والصحراء والكفور والنجوع.
يقول: استغرقت كتابة الرواية عشرين يوما وأمضيت في مراجعتها حوالي الشهرين، ثم دفعت بها إلى الدكتور محمد الشنقيطي رئيس هيئة الكتاب آنذاك وكانت أول إصدار لسلسلة استحدثها وقتها باسم «الرواية» والرواية تتحدث عن المقاومة وراء الأسوار، حيث تدور أحداثها في المعتقل الذي يضم العشرات ما بين معتقلين سياسيين ومعتادي إجرام طالت بهم مدة الإقامة بلا تحقيق أو محاكمة، وبلا أمـــل في الإفــراج، ونجد في الرواية أصداء لتضحيات رموز بذلوا حياتهم فداء للآخرين مثل جيفارا وسلفادور الليندي وجمـــال عبد الناصر وسليمان خاطر وغيرهم، مثلوا معالم مهمة في مسار الإنسانية نحو رفع الظلم وتحقيق الكفاية والعدل.
وهذا- أيضا- ما حاولت أن أطبقه في رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي» وفي رواية «زهرة الصباح» التي تتحدث عن الطريق التي ارتادتها «شهرزاد» لإنقاذ نفسها، ومن ثم إنقاذ بنات عصرها، فتحاول إطالة «الليالي» التي قد تقصر أو تنتهي لو أدرك شهريار الملك، أو أخفقت شهرزاد في الحكي، وقد أضافت - في الوقت نفسه - معنى إيجابياً إلى الحياة في ظل الخوف حتى نجت بحياتها.
وحول تأثره برؤية نجيب محفوظ يؤكد جبريل أنه تعرف على فلسفة الحياة من أعمال نجيب محفوظ من خلال ثلاثة عناوين رئيسية هي الدين والعلم والعدالة الاجتماعية، في حين أنه استفاد من «التعادليــــة» الموجـــودة في أدب توفيق الحكيــم، التي اختـارها فلسفة لحياته، فإن الزمـــن هو النبـــض الحقيقي لفلسفة حياته.
حول هذه التأثيرات يقول جبريل: «التعبير عن فلسفة حياة يمثل بعدا مهما في محاولاتي ليس بمعنى الميتافيزيقيا، وإن كان البعد الميتافيزيقي مهما جدا في الشخصية المصرية، وهو ما أسميه «الواقعية الروحية» وتمثيل في التعامل مع الموتى، والإيمان بكرامات الأولياء، وفي الواقعية الروحية أزاوج ما بين الميتافيزيقيا والخيال والفانتازيا والإلهام بالواقع، فالواقع من وجهة نظري أشد واقعية من الفن، وحين أتحدث عن الخيال، فأنا لا أعني بالخيال ما يحتفي به «الســورياليون» إنما أعني الخيال الفني في كل مستوياته، وإذا كانت الكتابة لم تدفع بالخيال إلى حدوده القصوى - كما يقول: «جمال الدين بن الشيخ، فإن الواقعية السحرية - والسوريالية كذلك - تفجر الخيال إلى أقصى مداه، فإذن بتحرير اللاوعي من الرقابة التي قد يمارسها العقل، وهذا فيما يمكن أن نسميه الواقعية الصوفية».
وحول استفادته في الكتابة من الجانب المعرفي والتاريخي والفنون البصرية الأخرى يقول محمد جبريل: حين بدأت كتابة الرواية انشغلت كثيرا بضرورة الاستفادة من الفنون الأخرى ومنها درامية الحوار والكولاج كما في الفن التشكيلي والهارموني الموسيقي، واستدعاء التراث والفلاش باك السينمائي، ومن وجهة نظري أنه إذا كانت الفنون بتنوعها تستفيد على نحو أو آخر من الحكي، فإن تفاعيل الرواية وبقية الأنواع ربما تشكل عملا تجريبيا مغايرا للمألوف السردي، وهذا ما أشار إليه الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا فيما سماه «وحدة الفنون» أو «تفاعل الفنون».
القصة تكتب نفسها
ويؤكد جبريل أن هناك تجليات من سيرته الحياتية داخل أعماله الروائية، وهذا ما يشير إليه قائلاً: حين أعود إلى قراءة ما كتبت فإني أكتشف أنني وضعت نفسي في تلك الكتابات، إن معظم ما أكتبه يستمد أحداثه وشخصياته من حياة عشتها، وشخصيات تعرفت إليها، لعل ذلك يبرز في روايتي «مد الموج» و«أغاني السنين» فسيرتي الذاتية موجودة في كتاباتي يبقى أنني لا أهدف بما قد ينتسب للسيرة الذاتية إلى تحقيق الإصلاح الاجتماعي، ولا لإعطاء المثل أو الإشارة إلى الأخطاء التي ربما وقعت فيها بل إنني أترك ذلك للقارئ، فما كتبته لا يخلو من عفوية لجأت فيها إلى مخزون معرفي وخبراتي وحكايات سمعتها، وهو ما يتحقق في مقولة «القصة تكتب نفسها»، فعلى ما أعتقد فإن المبدع لا يكتب من فراغ، فعفوية القص تستند - بالضرورة - إلى منابع تنهل منها.
وهذه العبارة تنطبق على تجربتي، بمعنى أنني حين أبدأ في كتابة عمل ما، فإن صورته في ذهني لا تكون واضحة تماما، إنني أكتفي بالفكرة دون تفصيلات، لكنني أفضل أن يكتب العمل نفسه، بمعنى أنني أرفض التحديد الصارم لصورة العمل منذ بداية الكتابة، حتى لحظة ترك القلم، فإن ذلك تعسف لا أتصور أنني أقدم عليه.
ويضيف جبريل: ما يهمني أن تترك كتاباتي الإبداعية تأثيرا وجدانيا، والتأثير في الوجدان الإنساني غاية ما تأمله هذه الكتابات، إنها تلامس ذاكرة الإنسان ووعيه، لا ترتبط بزمن معين، ولا بشخصية بعينها، المهم أن يكون الفن فناً، ومعبراً عن الإنسان بأزماته، ومشكلاته وتطلعاته وطموحاته واستشرافاته المستقبلية، إنني أحاول وما زلت أحاول.
وحول رؤيته لمستقبل الكتابة الإبداعية يؤكد جبريل أن الكتابة العربية متنوعة وتبشر بالخير، خاصة مع تواصل الأجيال وظهور أسماء أصبحــــت لها تجربــــــة مميـــزة في الروايـــة والقصة القصيرة التي تحاول في السنوات الأخيرة استعادة مكانتها في حركة السرد العربي، وبتدفق وغزارة ملحوظة، وبإجادة تامة من كثير من الأقلام التي تكتب هذا الفن العريق.
وحول العمل في الصحافة الأدبية يشير إلى أنه استفاد من العمل الصحفي الثقافي وحاول من خلال تجربته في ندوته الأسبوعية تقديم أصوات جديدة على مدار أربعين عاما، وقد تعرف من خلالها إلى أجيال متعددة ليس في السرد فقط وإنما في الشعر والنقد والفلسفة، الصحافة الأدبية - كما يقول - إضافة للمبدع الذي يعمل فيها لأنها تضيف إليه خبرات وتجارب حياتية وثقافية مختلفة وتجعله قريبا من نبض الشارع الثقافي، وهناك تجارب كثيرة للمبدعين العرب في هذا المجال.