محمد عبدالله القاز... العصامي الذي بنى لنفسه مجداً (2)

02:30 صباحا
قراءة 3 دقائق
بقلم: عبدالغفار حسين
من حق أولي العزم من الأفراد والشخصيات الذين كان لهم دور ومساهمة في بناء المجتمع المدني في البلاد، أن نذكرهم بالخير، ونثني على دورهم مهما كانت درجة تقييمنا لهذا الدور، صغر هذا التقييم أم كبر.
ولا ينبغي أن تثنينا عن القيام بهذا التقييم أحاسيس أو مشاعر شخصية تجاه هذا الفرد أو ذاك من الذين يتم تقييمهم، بحيث تحجب أحاسيسنا ومشاعرنا الشخصية هذه ما لهؤلاء الأفراد من الجوانب الإيجابية.
ولا ينبغي أن يكون تقييمنا لقيمة الأفراد ودورهم في حياتنا العامة، حسب الجاه أو المنصب أو الفلوس، ومقدار ما يقيمه الفرد من مشروعات تجارية تدر عليه الربح، وتملأ خزائنه بالمال، وتزيده ثراء، وهو خال من المروءات ومن النفعية للناس، ونصبح من القوم الذين يعنيهم الشاعر العماني بن عُديم.

سريّهم من جمع المالَ ولو

         أفلس من مروءة ومن حجا

فالتقييم بتأثير من المال أو الجاه ليس تقييماً ذا قيمة في العرف الحضاري، وإنما التقييم الذي يتفق مع هذا العرف هو مدى ما يسخره الثري أو صاحب المنصب للمنفعة العامة، لشيء يستفيد منه الناس، عموم الناس.

وتقييمنا اليوم هو كما أشرنا في الحلقة يوم أمس، لشخصية رائدة، هي شخصية محمد عبدالله القاز، هذه الشخصية التي لعبت دوراً له أهمية في تاريخنا الاجتماعي والاقتصادي في الإمارات، وذلك بتأسيسه أول جمعية خيرية، هي الجمعية الخيرية العربية في بداية الستينات من القرن الماضي، وبذلك أصبح القاز سباقاً إلى إقامة هذا المشروع الذي كان وجوده يومئذ نادراً في منطقة الخليج.

واستطاعت هذه الجمعية بفعل ما خصص لها محمد القاز من أوقاف تدر عليها دخولاً ثابتة، أن تعين أسراً مواطنة، حيث تقوم بتقديم إعانات شهرية لها، وتتولى علاج مرضاهم و إيفادهم إلى الخارج كالهند وغيرها، وكذلك تقديم الإعانات لهم لإلحاق أولادهم بالمدارس وحتى لا ينقطعوا عنها..
ويعتبر القاز في مقدمة العصاميين من أهل الإمارات الذين كونوا أنفسهم واكتسبوا منزلة في عالم الشهرة والصيت، وكان من أوائل التجار العرب الذين دخلوا السوق التجارية بشكل غير تقليدي، زمن أوائل التجار الذين حاولوا التوكيل عن المنتوجات الأجنبية من معدات إلكترونية وسيارات وغيرها، وكان القاز أول تاجر إماراتي يجري اتصالاً مع الاتحاد السوفييتي وتسويق المنتجات الروسية في الوقت الذي كان الإنجليز من أشد خصوم روسيا، ولهم نفوذ واسع في المنطقة..
وقد بذل القاز مساعي حميدة لإقناع حكومة الكويت بإيفاد بعثة طبية إلى الإمارات للقيام بمعالجة الناس في مستهل الستينات من القرن الماضي، وخصص القاز بيوتاً ومباني لهذه البعثة مجاناً لممارسة أعمالها.
وبسبب ما اكتسبه من ثقافة وخبرة في عالم التجارة وجهوده في المساهمة في التعمير، اختير القاز عضواً في المجلس البلدي، ونائباً لرئيس البنك المركزي وغيرهما من المناصب المهمة.

وبجانب التجارة التي كان أحد أركانها في الإمارات، كان محمد القاز مثقفاً، وذا معرفة غير محدودة بالتراث الثقافي المحلي والعربي، وحافظاً للشعر وراوياً له، وأتته الثقافة من مداومته على القراءة، وله كما علمت مكتبة زاخرة بالكتب، وكان يحب أهل العلم والمعرفة ويحسن إلى المحتاجين منهم، وبهذه الصفات الحسنة استطاع القاز أن يبني لنفسه في المجتمع الإماراتي منزلين في التجارة والثقافة.

ولم يتجاوز الدكتور أحمد أمين المدني شاعر الإمارات المعروف الواقع عندما وصف مناقب كثيرة للقاز في قصيدة لا يحضرني منها غير بيت واحد بقوله بعد أن عدد الصفات الحسنة لهذه الشخصية:

صفات لو جمعنَ لما تجلت

          لغير القاز في سِفر الزمان

ولعَمري فإن هذا من جميل المدح وذكر المناقب، ولأحمد أمين ، رحمه الله، من روائع القول ما يحلو به ضرب الأمثال.

[email protected] 

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3zo5882