بيروت: إلياس سحّاب
ولد في مطلع القرن العشرين، ورحل مع حلول العقد الأخير من هذا القرن. إنه محمد عبدالوهاب، عبقري الموسيقى والغناء العربيين، الذي تربع على عرشهما في أواخر الربع الأول من القرن الفائت، بعد سنوات على رحيل أستاذه العبقري المؤسس، سيد درويش، عام 1923، واحتفظ بمقعده الوثير على عرش الموسيقى والغناء في القرن العشرين، حتى يوم رحيله المتأخر 4/5/1991.
من الثابت أن محمد عبدالوهاب قد اعتزل الغناء رسمياً مع أغنية «هان الود» في العام 1960، إلّا أنه لم يتوقف عن إنتاج أبدع الألحان الرائعة حتى ما قبل رحيله بعشرة أيام، عندما سجل بصوته لحنه الديني الرائع «النداء الأخير»، الذي نفذه للأوركسترا المايسترو سليم سحّاب، بعد سنتين من رحيله. وكان إنتاج عبدالوهاب الموسيقي وإبداعه اللحني يتوزع على أكبر الأصوات المتبقية في السنوات الأخيرة للعصر الذهبي: أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، فايزة أحمد، نجاة الصغيرة، وردة.. وذلك من دون أن يتوقف عن اكتشاف وتشجيع عدد من الأصوات الصاعدة، التي كان يتوسم فيها خيراً، مثل صوت محمد ثروت، المصري، وسمية قيصر، المغربية.
تميزت بداية عبدالوهاب بعدة عوامل، إلّا أنه إضافة إلى المواهب الموسيقية والغنائية التي جاءته هبة من الخالق، قد تأسس على أقوى قاعدتين ثقافيتين في القرن العشرين: سيد درويش، مؤسس مدرسة الموسيقى العربية في القرن العشرين، وأحمد شوقي أمير الشعراء العرب في القرن نفسه.
مع أن تعامله مع سيد درويش، لم يتعد السنوات الثلاث الأخيرة من حياة هذا العبقري، الذي رحل باكراً بعد استكمال ثورته الموسيقية، فإن حضانة أحمد شوقي لمحمد عبدالوهاب، قد تواصلت بشكل يومي، طوال السنوات الثماني الأخيرة من حياة أمير الشعراء (1924- 1932). كان خلالها عبدالوهاب تلميذاً ثقافياً نجيباً في صالون أحمد شوقي، الذي كان يضم زبدة الطبقة الثقافية والطبقة السياسية في مصر، في ذلك العصر الذهبي الذي انبثق من ثورة شعب مصر في العام 1919.
السنوات الأولى من الحياة الفنية لمحمد عبدالوهاب، عرفته مطرباً ناشئاً مبدعاً يردد أغاني الشيخ سلامة حجازي، ويسجل بعضها على أسطوانات بصوته، كما سجل صيغة ممتازة لموشح محمد عثمان (ملا الكاسات) زعيم الموسيقى العربية في القرن التاسع عشر، وبعض ألحان الملحن محمود رحمي. لكن محمد عبدالوهاب، وربما أحمد شوقي أيضاً، اكتشف قبل انقضاء الربع الأول في القرن العشرين، أن لدى هذا المطرب العبقري الناشئ، مواهب موسيقية، ورثها عن التدرب الكامل على مدرسة سيد درويش، ثم على استيعاب كل تراث القرن التاسع عشر على أيدي حفظته. كل هذا جاء إضافة إلى تأسسه منذ نعومة أظفاره، وهو ابن الشيخ وشقيق الشيخ، على زبدة تراث الإنشاد الديني.
بعد ذلك تفتحت أذنا عبدالوهاب على تراث الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية، بمرافقة أستاذه عازف العود العبقري، محمد القصبجي، ومن خلال معاشرة الطبقة المصرية الاجتماعية الراقية. ومنذ العام 1927، انطلق محمد عبدالوهاب في إنتاجه العبقري موسيقياً وغنائياً. وكنت عندما أسأله: ماذا تعتبر نفسك أولاً يا أستاذ، مطرباً أم ملحناً؟ فيرد بسرعة وبلا تردد: ملحن.
منذ تلك اللحظات الأولى، التي سرعان ما تربع فيها محمد عبدالوهاب على العرش، لم يتوقف عن التطور كمطرب، وعن تطوير الموسيقى العربية بلا توقف في إنتاج كان يعرف كل عدد من السنوات بفنان متجدد، وكأنه قد غيّر جلده بالكامل. ومع أن محمد عبدالوهاب، قد عاشر زملاءه العباقرة في الموسيقى العربية مثل محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، ثم جيل محمود الشريف ومحمد فوزي وفريد الأطرش، حتى جيل كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومنير مراد، فقد ظل الجميع، كباراً وشباباً يعتبره أستاذ الموسيقى والغناء العربيين في القرن العشرين، حتى أصبح الحصول على لحن أو أكثر من محمد عبدالوهاب، حلماً لدى جميع عباقرة الغناء في النصف الأول والنصف الثاني من القرن العشرين، بما في ذلك خارج حدود مصر، حيث وضع لأصوات كل من: فيروز ونورالهدى وصباح اللبنانيات، روائع موسيقية وغنائية متميزة.
كل تلك العبقرية، وذلك الإبداع الفني، ومرور ربع قرن على رحيل هذه العلامة الفارقة في العالم العربي، تؤكد لنا أننا أمة لا تُحسن التعامل مع ذكرى عباقرتها الخالدين، ولا البناء على الإنجازات التاريخية التي خلفوها لنا.