التربوي المخضرم محمد عبدالله فارس آل علي، وكيل وزارة التربية والتعليم المساعد للإدارة التربوية سابقاً، كان من أول المعلمين المواطنين المتخرجين في معهد المعلمين في الكويت وأول مدير لمكتب التربية والتعليم الذي سمي فيما بعد بمنطقة رأس الخيمة التعليمية، عاش حياته محباً لوظيفته مخلصاً لرسالته التربوية التي يتحدث في هذا الحوار عن أبرز محطاتها ومراحل حياته عموماً منذ أيام الدراسة في الخمسينيات من القرن الماضي إلى آخر يوم في عمله بوزارة التربية والتعليم، وأضاء فارس من خلال محطات حياته على مسيرة تطور التعليم في الدولة.

عن البداية التي تشكل بيئة الشخص ومستقبل حياته وتنعكس على طبيعه تكوينه الاجتماعي يقول فارس إنه ولد في منطقة تسمى الجويس في رأس الخيمة في صبيحة يوم عيد الفطر عام ،1945 ويقول: أسرتي اشتهرت بالعلم، فقد كان جدي، رحمه الله، لوالدي أحمد بن سالم بن فارس أحد رجالات العلم في المنطقة وكذلك جدي لوالدتي عبدالله أحمد المطوع كان قاضيا وشيخ علم، عشت طفولتي من بين تلك الأسرتين ووالدي ألحقني بالمطوعة موزة كانت تقرئنا القرآن وتحفظنا له حتى عام 1953.

وعن بداياته التعليمية قبل عصر الاتحاد يقول فارس: التحقت أولاً بالتعليم في مدرسة القاسمية عام 1953 درسنا فيها سنتين على يد الأساتذه سلطان حميد السويدي رحمه الله وعيسى حمد النعيمي والمرحوم محمد سليمان، وهم أول من التحق بالتدريس فيها بعد ان عينهم الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله كمدرسين وكانوا سابقا مطاوعة. ودرسنا في منزل يعود لسموه لعام ثم انتقلنا إلى منزل علي المفتول مع نفس المعلمين وانضم إليهم المعلم أحمد علي الشامسي الذي قدم إلينا في السنة الثانية، وخان مدير المدرسة آنذاك، لا أتذكر لقبه وهو عربي الجنسية، وقسم الطلبة في المدرسة إلى ثلاثة فصول حسب الأعمار وكنا نتعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم والحديث الشريف والحساب، وفي عام 1955- 1956 تبنت دولة الكويت تحويل مدرسة القاسمية إلى التعليم النظامي والتحق مدير جديد للمدرسة يدعى محمود الجعفراني وانضم معلمان جديدان أحدهما يسمى خميس الموسى.

وفي نفس السنة الدراسية نقلونا إلى المكان الحالي لمدرسة القاسمية، وفي تلك الفترة كان الأهالي ينتقلون إلى النخيل في الضفة الأخرى من مدينة رأس الخيمة، وكنا نأتي من تلك المناطق مشياً على الأقدام ومصروفنا لا يتعدى آنتين أي 10 فلوس تقريباً.

وحول مسيرته في التعليم وكونه من أوائل خريجي معهد المعلمين في الكويت يقول : استمررت في الدراسة إلى الصف الأول الثانوي، وفي عام 1963 أعلنت حكومة الكويت عن بعثة لطلبة الإمارات للالتحاق بمعهد المعلمين وكنت من بين المبتعثين وفي عام 1966 كنت أول خريج في المعهد من رأس الخيمة، وأحد 6 معلمين على مستوى الإمارات، وكانت أول مدرسة التحق للتدريس فيها مدرسة القاسمية، وبعدها أتت نشرة التوزيع التي تشرف عليها الكويت وجاء نقلي بعد أسبوع من التدريس إلى مدرسة آل مكتوم في منطقة جميرا في دبي ولم اعترض أبدا وبقيت هناك شهراً، وبعدها كان أحد الإخوة الفلسطيينين المعلمين معيناً للتدريس في منطقة الرمس في رأس الخيمة وكانت بعيده بالنسبة له، وطلب مني مبادلته إلا اني طلبت منه إتباع إجراءات النقل لدى مكتب الكويت للتعليم، وتبادلت معه الموقع طبقاً لتلك الإجراءات ونقلت لمدرسة الرمس رغم ان مدرسة القاسمية التي عينت فيها في بادئ الأمر كانت بجانب منزلي ولم اعترض على النقل، وكنت مستعداً للعمل ولو في أبعد بقعة على أرض الوطن.

ويشرح محمد فارس كيف قضى بداياته في التدريس في منطقة تبعد أكثر من 25 كيلو متراً من منزله فيقول عشت في منطقة الرمس عامين، في العام الأول كنت أتنقل بدراجة نارية لبعد المسافة بين منزلي والمنطقة واعبر من خلال العبرة أي القوارب الخشبية من رأس الخيمة إلى المعيريض في الضفة الأخرى من خور رأس الخيمة، قبل إنشاء جسر يربط بين الضفتين، والعام الثاني سكنت في الرمس لأكون قريباً من المدرسة وكان عمري آنذاك واحداً وعشرين عاماً، وبعد عامين نقلت لمدرسة في منطقة المعيريض، كنت مدرس فصل وأدرس 5 مواد هي الموسيقا، وتربية إسلامية، ولغة عربية، وعلوم، ورياضيات، وتربية رياضية كذلك احتياط في حالة عدم وجود معلم، أي بمجموع 30 حصة بالأسبوع بالإضافة إلى 5 حصص احتياط، ولم نكن نتأفف أو نضجر من العمل.

ويتحدث فارس عن القرار الذي غير منحى حياته فيقول: في العام الدراسي 1969-1970 استدعاني المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله، للعمل ضمن معارف رأس الخيمة في قسم شؤون الطلبة والامتحانات التي تشرف على المدارس في القرى والتي لا تشرف عليها الكويت. وكان، رحمه الله، حريصاً على إيصال التعليم للقرى البعيده عن المدينة كشمل والعريبي والحويلات وخت والخران وغيرها، وفتح فيها رحمه الله مدارس وطبق فيها منهج قطر وكانت رواتب المدرسين من حسابه الشخصي ومن مساعدات أبوظبي والسعودية وقطر والبحرين. وكان انتقالي من المدارس التي تشرف عليها دولة الكويت الشقيقة إلى معارف رأس الخيمة خطوة غيرت مجرى حياتي. ففي الفترة ذاتها طلب مني الاستقالة ومعي خلفان بخيت من مكتب الكويت للتعليم والانضمام إلى معارف رأس الخيمة، وترددت في البداية ثم قررت الاستقالة، وأعطوني مهمة الاشراف على شؤون الطلبة والامتحانات، وكانت الدراسة في المدارس التي يشرف عليها الشيخ صقر، رحمه الله، إلى الصف السادس فقط، وكان رئيس المعارف، رحمه الله، الشيخ عبدالله بن حميد القاسمي ومدير المعارف الدكتور محمد عبدالرحمن البكر. ومعهم عبدالقادر هليل سكرتير الشيخ عبدالله بن حميد القاسمي، والتحقنا بالعمل ووصلت رواتبنا آنذاك إلى 1200 درهم تصرف من حكومة أبوظبي، بعد أن تبنى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، دعم التعليم في عام 1969. وبعد ان قام الاتحاد عرضت عليّ وظائف مختلفة الا ان حبي للعمل التربوي جعلني أستمر فيه، وبالنهاية عرض علي ان أكون مدير مكتب وزارة التربية والتعليم في رأس الخيمة وانضمت مدارس الإمارة للوزارة في مايو/ أيار 1972.

ويقول: أتذكر أن أول من التحق في التدريس من المدرسات المواطنات في عام 1965 خالتي الدكتورة روضة المطوع، رحمها الله، وموزة راشد الشرهان فبعد انتهائهما من المرحلة المتوسطة عينتا في مدرسة خت وكانتا تتنقلان عبر الطرق الوعرة لتلك المنطقة للتدريس فيها.

وعن امنياته في ذاك الوقت يقول محمد فارس: بقيت حتى 1977 مدير مكتب التربية والتعليم الذي أطلق عليه بعدها منطقة رأس الخيمة التعليمية، وكنت أحاول إكمال دراستي خلال تلك الفترة وأطلب من الوزارة تفريغي لذلك، إلا ان الدكتور عبدالله عمران وزير التربية والتعليم الأسبق، اقترح علي أن أنقل كمستشار ثقافي في سفارة الدولة في مصر ومن هناك أكمل تعليمي ووافقت على ذلك، إلا أني فوجئت بمهمة تأسيس ملحقيه ثقافية من الصفر والإشراف على 1200 طالب من الإمارات ولم يتسن لي إكمال تعليمي رغم قبولي بجامعة الأزهر في كلية التربية، وعملت بالسفارة لمدة عام ونصف العام ولم أكمل تعليمي لعدم تفرغي، وفي شهر يونيو/حزيران من عام 1979 منحت الإجازة الدراسية، إلا أن الدكتور سعيد سلمان، وزير التربية والتعليم وقتها ألغاها واستدعاني إلى الإمارات وطلب مني أن أكون وكيلاً مساعداً لشؤون المتابعة والمناطق التعليمية، ولكن بقي في نفسي حب إكمال الدراسة وكنت كل عام ادفع رسوماً لجامعة القاهرة لتجديد القبول، وبعدها استطعت إقناع الوزير بتفريغي للدراسة وكان عمري آنذاك 34 عاما ولدي خبرتي العملية، والتحقت بجامعه الإمارات واطلعت على دليل الدراسة فيها ووضعت لي خطة على ان أتخرج في 6 فصول دراسية إن أمكن، وقطعت صلتي بالعالم الخارجي، وكان معي طلبتي الذين درستهم في الفصول الابتدائية في المستوى الثاني وهنا كان التحدي. وتخرجت بامتياز في ستة فصول وفصلين صيفيين وبذلك تحققت أمنيتي.

وحول تأسيسه لأول جمعية للمعلمين في الدولة يقول محمد فارس، في عام ،1980 وبعد تكليفي من وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور سعيد سلمان، شرعت في إعداد تقرير مفصل عن واقع التعليم في الدولة وأشركت زملائي في العمل والميدان التربوي كوني أؤمن بأن العمل الجماعي أفضل، وفي الاجتماعات مع مديري المناطق التعليمية اقترح عبدالرحيم الشاعر مدير منطقة عجمان الأسبق تكوين جمعية للمعلمين فطرحت الاقتراح في أحد الاجتماعات على الحاضرين فوافق عليها الجميع، فتكفلت بالاطلاع على التشريعات والأنظمة المؤسسة لجمعيات مماثلة حيث كانت في الكويت جمعية للمعلمين استفدنا من نظامها التأسيسي وأسسنا أول جمعية مهنية في الدولة.

وحول تطور مراحل الجمعية وقيامها على أرض الواقع يقول فارس: في زيارة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عرضنا على سموه مشروع إنشاء جمعية المعلمين واقترحنا استضافتها في الشارقة فوافق سموه على ذلك وأمر لنا بمقر، ودعينا جميع المعلمين المواطنين في الدولة لتأسيس الجمعية في عام 1980 فحضر حوالي 291 من أعضاء الهيئة التدريسية والإدارية في المدارس من مختلف أرجاء الدولة، وشكل مجلس إدارة مؤقت وانتخبت رئيسا للجمعية من قبل الجمعية العمومية. وحضرنا في صيف 1980 مؤتمر اتحاد المعلمين العرب وانضممنا للاتحاد كجمعية، وبعد ذلك العام طلب مني الترشح لرئاسة مجلس الجمعية مرة أخرى الا اني اعتذرت لسببين أحدهما أنني كنت اريد التفرغ لدراستي الجامعية وثانيهما لأفك الارتباط بين وظيفتي في الوزارة كوكيل وزارة مساعد للمتابعة والمناطق التعليمية وبين إدارة الجمعية وليحس أعضاء الجمعية بأن الوزارة لا تديرها، وبعدها ترأس الجمعية الدكتور حميد ناصر الزري مدير منطقة الشارقة التعليمية آنذاك.

وحول الأسباب التي دفعته لإكمال تعليمه الجامعي يقول محمد فارس: أخذت الشهادة الجامعية في عام 1983 كي أواكب التطور بالعلم ولأكون جديرا بوظيفتي ولم أكن أحرص على الشهادة لأحصل على راتب أعلى أو غيرها من المغريات الأخرى فقد وصلت لمستوى وكيل وزارة مساعد ولم أنتظر درجة أعلى عن تلك، إلا أنه كان لابد أن يوازي تلك الوظيفة المؤهلات العلمية مع الخبرة التي كنت امتلكها.

ويضيف: في فترة دراستي الجامعية تغير الوزير والهيكل التنظيمي للوزارة وأصبح فرج فاضل المزروعي وزيرا للتربية والتعليم، وبعد انتهائي من الدراسة أصبحت وكيل الوزارة المساعد للشؤون التعليمية، ومر عليّ الكثير من الوزراء هم الدكتور عبدالله عمران، والدكتور سعيد سلمان، وفرج فاضل المزروعي، وأحمد حميد الطاير، وحمد عبدالرحمن المدفع، والدكتور علي عبدالعزيز الشرهان، وبقيت في عملي حتى استقالتي عام 2000 لرغبتي في التفرغ لأبنائي وكان عمري 55 عاماً فيما كان عمر أكبر أبنائي 4 سنوات، ومضى على خدمتي في التعليم 34 سنة.

وعن رأيه في التعليم حاليا يقول: أرى أن التعليم في تطور وأؤمن بمبدأ إكمال عمل من سبق من دون ان ننسف جهود الآخرين لما لذلك من اثر سلبي على الطالب نفسه، وأؤمن بأن التطوير يحتاج إلى تغيير لكن في ظل دراسة الواقع وما يحتاجه.

أتابع أبنائي بحرص غير متشدد

وعن حياته الاجتماعية بعيدا عن العمل يقول أتابع أبنائي بشكل متواصل، واحضر اجتماعات مجلس الآباء وأتعجب من الظواهر الطلابية التي يشتكي منها المعلمون وأولياء الأمور، ولكني على يقين بأن الطلبة خلقوا لزمان غير زماننا، فوسائل الاتصال والإعلام اختلفت مقارنه بالماضي، سابقا كنا نتابع المجلات والصحف وأتذكر أول مجلة اشتريتها في إبريل/ نيسان 1958 كانت آخر ساعة المصرية وكان مضي على صدورها حوالي 4 أشهر وكذلك مجلة المصور المصرية، وحالياً وسائل الاتصال أكثر حداثة إلا أن الجيل يستخدمها للعب والترفيه اكثر عن البحث عن المعلومة والاستفادة.

وحول مقدار استفادته من العمل التربوي يرى محمد فارس أن العمل التربوي والإداري أكسبه حب التنظيم والتصنيف والتوثيق لأنه يبنى عليه قرارات وينعكس على تنظيم حياته.

ويقول: في الوزارة كان مستحيلاً أن أرمي أي ورقة، وحالياً كل مجال له ملف سواء كان عملي الشخصي أو فواتيري وغيرها، وأحاول أن أزرع حب التنظيم في أبنائي وخصصت لكل واحد منهم عدة ملفات منها لكتبهم ومنها للشهادات العلمية وشهادات التقدير وكتاباتهم الشخصية.

وعن هواياته الأخرى يقول: أحب السفر مع أبنائي وأن أنوع في البلدان لاكتساب ثقافة ومعلومات.

جائزة المعلم

حول اقتراحه تشكيل جائزة الشيخ خليفة بن زايد للمعلم قال محمد فارس: في عام 1995 بعد أن رجعت من مؤتمر جنيف عن التعليم وتخصيص 5 أكتوبر يوماً عالمياً للمعلم خاطبت وزير التربية والتعليم وكان آنذاك حمد المدفع لتخصيص جائزة للمعلم فرفض الاقتراح لأسباب مادية إلا أني حاولت أن أقنعه بأن القصد من الجائزة هو الدعم المعنوي، واقترحت عليه مخاطبة ولي العهد آنذاك صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، فاستجاب سموه للاقتراح وشكلت لجنة من وزارة التربية والتعليم وممثلي المناطق التعليمية ومن مكتب سمو ولي العهد، وشكل مجلس أمناء الجائزة وكنت الأمين العام لها منذ أن تأسست في عام 1995 إلى 2005.