يذكر الكاتب المسرحي فهمي فوزي أن شيخه «شيخ النقاد» الدكتور محمد مندور الذي تخرج على يده في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان قريباً منه قد سجن 21 مرة وكان مندور واحداً من طليعة حزب الوفد، يجاهر بالدعوة إلى معارضة الاحتلال الإنجليزي وإصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمساواة، وقد ظل قوي المعارضة حاد القلم في التعبير عما يراه حقاً وعدلًا، ولا شك أن هذا العدد الكبير من مرات السجن أثر فى حياته الخاصة كما أثرت عليها ضائقات أخرى، كما أن رجلًا هذه حياته كان يحتاج إلى امرأة قوية مقتنعة بكفاحه ومواقفه لكي تصبر عليه وتشد من أزره في صراعه ضد قوى أكبر منه، وفي محن لا يستطيع لها رداً.
وجد محمد مندور تلك المرأة في شخص زوجته الشاعرة ملك عبد العزيز، وقد تعرف إليها عندما كانت طالبة في السنة الثالثة من الجامعة، وكان مندور أستاذاً لها، فانتبه إلى نباهة وأدب تلك الفتاة ورقي أسلوبها، فتزوجها عام 1941.
عاشت ملك عبد العزيز مع مندور قرابة أربع وعشرين عاماً، كانت أكثر فترات حياته قلقاً واضطراباً مادياً نظراً لمواقفه المبدئية التي جرّت عليه الكثير من المآسي، ومع ذلك فقد كانت تلك الفترات من أخصب فترات إنتاجه النقدي والفكري، وربما كانت الشاعرة ملك أحد أسباب تلك الخصوبة الفكرية والنقدية، فقد كتب عنها مرة يقول: «كان الشعر المنبعث من شخصية ملك عبد العزيز ومن نبراتها الهامسة هو الذي هدى روحي الظمأى إلى الجمال»، وفي تلك الفترة سطر كتابه الشهير «في الميزان الجديد» 1944 الذي كان حصيلة المعركة التي افتتح بها مشواره النقدي مع رائد النقد وأستاذ الأجيال عباس محمود العقاد، وتناول فيه بالمراجعة والتحليل مجمل ما قدمه رواد النقد الذين سبقوه عبر مقالات كان ينشرها تباعاً في الصحف، وكتابه «النقد المنهجي عند العرب» 1948 الذي كان في الأصل رسالة دكتوراة في الجامعة المصرية، وقد اعتبر ذلك الكتاب الأساس المنهجي الذي قام عليه النقد الحديث، واستحق مندور بموجبه لقب «شيخ النقاد» الذي أطلقه عليه العقاد نفسه، ثم «في النقد والأدب» 1955.
كانت تلك الفترة كما ذكرنا عصيبة في تاريخ حياة مندور، وتخللتها أزمات شهدتها معه ملك ووقفت إلى جانبه فيها، فقد كان أستاذه طه حسين غضب عليه لأنه عاد من بعثته الدراسية في باريس عام 1939 من دون أن يحصل على الدكتوراة، فعارض تعيينه في قسم اللغة العربية في الجامعة، وحصل له أحمد أمين الذي كان عميداً لكلية الآداب يومها على ساعات قليلة في قسم اللغة الفرنسية، وفي سنة 1942 عينه طه حسين أستاذاً من الدرجة الرابعة في جامعة الإسكندرية التي افتتحت في تلك السنة وترأسها حسين، وفي عام 1943 حصل على الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة «جامعة فؤاد الأول» و لم يعترف طه حسين بشهادته ورفض نقله إلى الدرجة «أ»، ما جعله يترك التدريس في الجامعة كلياً، ويتوجه إلى الصحافة، ولم تكن طريقه في الصحافة ممهدة، بل كانت أصعب لأنها تعلقت بحرية الرأي واستقلاله في وقت عصيب حيث لا يزال الإنجليز يبسطون نفوذهم على مصر، وقد وصل إلى قمة ضعفه، وكان المجتمع في بداية وعيه ويحتاج إلى أقلام توجه ذلك الوعي وترشده، وكان ضمير مندور متوقداً وعشقه للحرية وإيمانه بها راسخاً، ولم يقبل المساومة على استقلالية الرأي، وكان أول صدام في ذلك حدث بينه وبين محمود أبوالفتح صاحب جريدة المصري، الذي عينه مدير تحرير للجريدة، غير أن أبا الفتح لم يلبث أن فصله بعد حوالي ثلاثة أشهر، بعد أن نشر مندور في جريدة الأهرام المنافسة مقالة كان أبو الفتح قد منع نشرها في جريدة المصري، فاعتبر أبا الفتح ذلك خروجاً على شروط العقد المبرم بين مندور و الجريدة، ورفض الاعتذار لأبي الفتح عما فعل، قائلاً إن أبا الفتح لم يشتره، ولم يشترِ قلمه ولا فكره، وما دام قد رفض نشر مقاله في جريدته، فمن حق مندور كإنسان أن ينشر رأيه في جريدة أخرى.
ازدادت ضائقته المالية سوءاً، وظل يكتب في عدة صحف حتى عين عام 1945 رئيس تحرير «الوفد المصري»، وكان في تلك الفترة يشن حملة قوية على الاستعمار، ويكتب مقالات وطنية جريئة ضد الإنجليز وحكومة إسماعيل صدقي، لكنّ صدقي شن سنة 1946 حملة أغلق فيها اثنتي عشرة جريدة منها جريدة المصري والبعث اللتين كان يكتب فيهما مندور، وأرادت حكومة صدقي إسكاته وشراء ضميره، فعرضت عليه منصب سفير في سويسرا فرفض، وقال: «إني أفضل الانتحار على مثل هذه الخيانة الوطنية»، فأودع السجن 46 يوما، لكنه ظل يكتب مقالاته الملتهبة من داخل سجنه حتى خرج. كانت ملك حاضرة في قلب معركة مندور النضالية التي انعكست عليها بشكل مباشر، لكنها كانت قوية بالدرجة التي جعلتها توفر لزوجها الأمان والقوة في مواجهة الطغيان والصبر في مواجهة الحرمان.