يظل اسم محمود المليجي هو العنوان الأكثر تعبيراً عن التمثيل في الوطن العربي . . إنه الوجه الأكثر عمقاً في السينما العربية، فقد التصق به لقب شرير السينما المصرية، ورغم ذلك لم يكتف بالتعبير عن وجه واحد فقط من الإبداع، فكما أجاد وبرع في تجسيد الشر، برع أيضاً وبنفس الدرجة بل وتفوق في تجسيد الخير، وليس أدل على ذلك من دوره الرائع الذي يعد علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية دور محمد أبو سويلم في فيلم الأرض للراحل يوسف شاهين .

هو صاحب مساحة عريضة امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان، لم يغادر خلالها موقعه في البلاتوه، كما لم يسمح له الجمهور بأن يترك مكانته على الشاشة . لذا فهو بالأرقام صاحب أعلى رقم عرفته السينما للنجوم، حيث شارك في بطولة ما يقرب من 700 فيلم، ولم يضاهه في هذا الرقم سوى الكوميديان الرائع صديق عمره إسماعيل ياسين .

ولد محمد محمود المليجي في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول عام 1910 في حي المغربلين، وهو أحد الأحياء الشعبية بمدينة القاهرة، وقد حرص على أن يعيش كما نشأ في بيئة شعبية حتى بعد أن انتقل مع عائلته إلى حي الحلمية الجديدة . وبعد أن حصل على الشهادة الابتدائية اختار المدرسة الخديوية ليكمل فيها تعليمه الثانوي، فقط لعلمه أن مدير المدرسة آنذاك ويدعى لبيب الكرواني كان يشجع المواهب التمثيلية، ويحرص على الاستعانة بكبار الممثلين والمخرجين لتدريب الموهوبين من الطلبة، فالتحق المليجي بفريق التمثيل بالمدرسة، وكانت هناك فرصة لكي يتتلمذ على يد عمالقة التمثيل في ذلك الوقت مثل: جورج أبيض، أحمد علام، فتوح نشاطي، وغيرهم . . حتى جاء المخرج الكبير عزيز عيد، فانبهر الطالب محمود المليجي بأفكاره المتطورة في فن التمثيل وأسلوبه في الإخراج، فكان دائم الالتصاق به وتنفيذ كل تعليماته بدقه، وشعر بأنه الفتى المدلل بين أقرانه، لذا كان لابد أن يعمل عزيز عيد على رده إلى رشده، فصدمه قائلاً: يا بني إنت مش ممكن تبقى ممثل . . أحسن لك تدور على مهنة تانية من دلوقت لأنك عمرك ما هتبقى ممثل!

شعر المليجي كأن عزيز عيد غرس خنجراً في صدره، وكان وقت تدريب زملائه يترك التدريب ويجلس بجوار شجرة ضخمة في فناء المدرسة يبكي حظه، حتى جاءه أحد زملائه بعد عدة أيام وأخبره بأن عزيز عيد يقول إن الواد ده يقصد المليجي هيبقى ممثل رائع . . وهيبقى له مستقبل كبير جداً . . هنا صرخ المليجي في وجه زميله: عزيز عيد قال الكلام ده لمين؟، فأخبره زميله بأنه قاله لكل فريق التمثيل على الملأ . أسرع المليجي وراح يلح على عزيز عيد ويسأله عن رأيه فيه، ولماذا قال له إنه لن يكون ممثلاً، وهنا أعطاه عيد أول درس ليكون ممثلاً حقيقياً، حيث قال له: لأنني لمحت في عينيك الغرور والتعالي على زملائك، وأنك بتقربك مني وتنفيذك لكل ملاحظاتي أصبحت أفضل منهم، فكان لابد أن أكسر ذلك الغرور بداخلك .

منذ ذلك اليوم استوعب المليجي هذا الدرس الأهم، والذي ظل يلازمه طيلة حياته حتى عندما قدم أهم وأكبر الأعمال، ليس في تاريخه بل في تاريخ السينما المصرية .

شارك المليجي بعد ذلك في المسرحية التي أعدها عزيز عيد للمدرسة وكانت بعنوان الذهب ولعب فيها دور ميكلوبين، وكان من بين الحضور الفنانة الكبيرة فاطمة رشدي، وما إن انتهى العرض حتى أرسلت في طلب المليجي وهنأته على دوره وطلبت منه أن يزورها في مسرحها، وقبل أن تنتهي زيارة المليجي لمسرح فاطمة رشدي، كان قد تعاقد على العمل في فرقتها المسرحية براتب قدره أربعة جنيهات شهرياً . عندها ترك المليجي المدرسة لأنه لم يستطع التوفيق بينها وبين عمله في المسرح الذي كان يسيطر على كل وجدانه .

قدم مع فاطمة رشدي مسرحية 667 زيتون الكوميدية، كما مثل دور زياد في مسرحية مجنون ليلى، وكان أول ظهور له في السينما في فيلم الزواج 1932 الذي أنتجته وأخرجته فاطمة رشدي، وقام هو بدور الفتى الأول أمامها . وبعد أن حُلت فرقة فاطمة رشدي، عمل المليجي كملقن في فرقة يوسف وهبي المسرحية، ثم اختاره المخرج إبراهيم لاما لأداء دور ورد غريم قيس في فيلم سينمائي من إخراجه عام ،1939 وكان قد وقف، عام ،1936 أمام أم كلثوم في فيلمها الأول وداد، إلا أن دوره في فيلم قيس وليلى يعتبر بداية أدوار الشر له، والتي استمرت في السينما لأكثر من ثلاثين عاماً .

التحق المليجي بعد ذلك بفرقة إسماعيل ياسين المسرحية وظل بها فترة، بعدها عمل مع فرقة تحية كاريوكا، ثم فرقة المسرح الجديد . . فقدم أكثر من عشرين مسرحية، أهمها أدواره في مسرحيات: يوليوس قيصر، حدث ذات يوم، الولادة، ودور أبو الذهب في مسرحية علي بك الكبير لأحمد شوقي .

عندما انتعشت السينما المصرية وبدأ الإنتاج السينمائي يزدهر في الأربعينيات، كان الاتجاه المبدئي هو أن يتم تقسيم الممثلين إلى طيبين وأشرار . . الطيبون ملامحهم هادئة ونظرتهم مستكينة، بينما الأشرار ملامحهم حادة ونظراتهم أكثر حدة، وعلى هذا أصبح المليجي تبعاً لهذه القسمة من الفريق الثاني، ويقف في مقدمة الصف . . لم يقاوم المليجي، واعتبر هذه القسمة مثل القضاء والقدر، ورغم ذلك استطاع أن يحتل مقدمة الطابور ويصبح الأول بين الأشرار، إذ فور أن ترى ملامحه تتأكد أنه يدبر لجريمة، فكان هو الشرير الأول والمجرم الدائم على شاشة السينما، غير أن المفارقة الحقيقية والتي نقلها عنه كل المقربون منه أنه رقيق القلب ضعيف المشاعر، يبكي لبكاء طفل صغير، وربما يخاف من خياله .

من المؤكد أن قوة تأثير فنان بقامة محمود المليجي عند الجمهور لم تكن تخضع فقط لقسمات الوجه ونبرات الصوت التي تعبر عن الشرير، وهو الأمر الذي أكده النقاد والمحللون في السينما، مؤكدين أنه فنان لديه فيض من الجاذبية التي تتيح له أن يمتلك مشاعر الناس .

انطلق محمود المليجي في السينما خلال الأربعينيات والخمسينيات فقدم أفلام: غزل البنات، السجينة رقم ،17 أمير الانتقام، من القلب للقلب، والبيت الكبير، وسجين أبو زعبل، حيث كان الأخير بطولة مطلقة عبر فيها المليجي عن قدراته الكبيرة كممثل، وإن كانت مسألة البطولة المطلقة قليلاً ما تعرض عليه، كما لم يكن هو يهتم بها وليست في حساباته مثل أقران جيله أنور وجدي، عماد حمدي، وشكري سرحان، أو حتى تلامذته مثل فريد شوقي وكمال الشناوي وحسن يوسف، وغيرهم . . فلم يكن محمود المليجي نجماً بمقاييس شباك التذاكر، ولكن ساعده على تألقه بعيداً عن هذه المنطقة أنه جاء في عصر لم يكن منشغلاً بقدر كبير بهذه المسميات، لدرجة أنه كان من الممكن أن يظهر عدد كبير من نجوم هذا الزمان في عمل واحد، وبعيد عن مسميات البطولة المطلقة أو نجم الشباك، وغير ذلك، لدرجة أنه قرر أن يخوض تجربة الإنتاج السينمائي مساهمة منه في رفع مستوى الإنتاج الفني، ومحاربة موجة الأفلام الساذجة، فقدم مجموعة من الأفلام، منها على سبيل المثال: الملاك الأبيض، الأم القاتلة، سوق السلاح، المقامر . . ليقدم الكثير من الوجوه الجديدة للسينما، فهو أول من قدم فريد شوقي، وتحية كاريوكا، ومحسن سرحان، وحسن يوسف، وغيرهم .

كان محمود المليجي هو أستاذ الفنان فريد شوقي، يكبره بنحو 12 عاماً وعندما بدأ فريد في الأربعينيات أداء دور الشرير على طريقة أستاذه المليجي، كان المنتجون يرون في فريد بديلاً له، وهكذا كانت الأدوار تعرض أولاً على المليجي وعندما يرفضها تذهب إلى فريد شوقي . . وبلغ تسامح المليجي أنه كان بعد الرفض يسارع بالاتصال بفريد ليؤكد له اعتذاره حتى يتمكن هذا الأخير من رفع أجره لأنه كما يقول دائماً: لا بديل للبديل!

ويصبح فريد شوقي نجماً جماهيرياً وسوبر ستار يقطع له الجمهور تذكرة السينما، بينما أستاذه لم يتصدر اسمه الأفيش أبداً، بل ووافق المليجي أن يلعب في العديد من أفلام بطولة تلميذه فريد شوقي الدور الثاني أو الثالث، وبلغة السينما ينضرب له ليصبح فريد وحش الشاشة، ولم يغضبه ذلك، كما لم ينتقص من قدره لدى الجمهور الذي يحبه ويعرفه قيمته ومكانته كممثل كبير وقدير حتى ولو في دور السنيد لوحش الشاشة!

جاء فيلم الأرض ليعطي المليجي جزءاً من مكانته التي يستحقها، لدرجة أن النقاد والفنانون العرب أطلقوا عليه لقب أنتوني كوين الشرق، وإن كان هذا اللقب فيه بعض الظلم له، لأنه لم يكن يقل قدراً ولا قيمة عن كبار الفنانين العالميين .

لم يتوقف عطاء محمود المليجي، عند جيله فقط، بل إنه راح يساند كل الأجيال التالية له طالما استشعر الموهبة عند أي فنان فهو يدفعه للمقدمة . . لدرجة جعلت فنان الشعب يوسف وهبي وهو من هو قيمة وأداء يقول: محمود المليجي هو الممثل الوحيد الذي أستطيع أن أقول إنه أفضل من يوسف وهبي .

كما قال عنه يوسف شاهين: المليجي فنان ليس عادياً . . فهو أبرع من يؤدي دوره بتلقائية لم أجدها لدى أي ممثل آخر، كما أنني شخصياً أخاف من نظرات عينيه أمام الكاميرا . . وكنت أرى فيه صورة أبي .

شكل المليجي الحالة الإبداعية التي كان يحلم بها يوسف شاهين في أفلام مثل ابن النيل، جميلة، حب للأبد، الناصر صلاح الدين، الأرض، الاختيار، الناس والنيل، العصفور، عودة الابن الضال، إسكندرية ليه، وحدوته مصرية .

ظل محمود المليجي في الميدان حتى النفس الأخير، ولم يترك موقعه لتأتي نهايته أمام الكاميرا في 7 يونيو/ حزيران عام ،1983 بينما كان يشترك مع عمر الشريف في أول بطولة له بعد عودته من الخارج في فيلم أيوب، وقبل أن يبدأ تصوير المشهد الأخير له في الفيلم كان يتناول فنجان القهوة مع عمر الشريف، وسقط الفنجان من يده، ليفارق الحياة على الفور مبتسماً شامخاً كالأشجار العتيقة العظيمة التي تموت واقفة . ورحل وهو في الثالثة والسبعين من عمره، ولكنه عاش بقلوب عشاق فنه ليقدم لنا دروساً في الحياة من خلال فنه العظيم، وكانت معظم أدواره حتى أدوار الشر منها تهدف إلى مزيد من الحب والخير والإخلاص للناس والوطن . . كان مدرسة فنية في حد ذاته، وكان بحق أستاذاً في فن التمثيل العفوي الطبيعي، البعيد كل البعد عن أي انفعال أو تشنج أو عصبية . . كان يقنع المتفرج أنه لا يمثل، فاكتسب حب الجماهير وثقتهم، حتى بعد أن غيبه الموت.