حوار: مها عادل
يتسم بالوقار والمرح، بالاتزان والتلقائية، بالشهرة والتواضع . . ولذلك فهو شخصية تحفزك على الاقتراب منها والتعرف إليها أكثر .
اجراء حوار مع مذيع متمرس في الحوار التلفزيوني ليس مهمة سهلة . . خاصة عندما يكون مثقفاً متنوع الاهتمامات والخبرات . . يتنقل عبر فضاءات عدة بين السياسة والأدب والرواية والمسرح . لكنه ببساطة يفتح قلبه بينما أفتح أوراقي وتنساب مشاعره وأفكاره وهو يتحدث عن ربع قرن من العمل الإعلامي والأدبي . . إنه محمود الورواري المذيع بقناة "العربية" .
*تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولك إنتاج أدبي وروائي مميز . . ولكنك تركت كل هذا وطرقت بوابة الإعلام لتتفوق فيه، لماذا؟
- درست السياسة وبعدها التحقت بأكاديمية الفنون وتخصصت في مجال النقد الفني والأدبي، وأثناء دراستي في البكالوريوس أو الدراسات العليا كنت أعمل في مجال الصحافة المكتوبة، وعملت في كثير من الصحف والمجلات وأكمل دراستي، ولم أتخيل نفسي في أي مجال غير الصحافة . وكان الفن هو متنفسي الحقيقي، فكنت أقوم بالإخراج المسرحي على مسرح الجامعة وعلى خشبة الهناجر في الأوبرا ومازلت أذكر دعم د . هدى وصفي لكل أبناء جيلي، وأذكر أنه كانت بيني وبين السينما كممثل خطوة صغيرة لكن كان هناك دائماً ما يحول دون إتمامها، وربما ارتباطنا كجيل بيوسف شاهين وارتباطه هو بنا أثر فينا جميعاً .
لذا أستطيع القول إنني لا أجد مانعاً بين تخصصي في الدراسة وممارستي لمهنة الإعلام أستطيع القول بعد ما يزيد على 22 عاماً من العمل في المهنة إن الإعلام يعني كل شيء، بقدر ما تكون ثقافتك بقدر ما يكون نجاحك
* علاقتك بالإعلام العربي بدأت مع تلفزيون الشارقة . . كيف تقيم التجربة؟
- لا أنسى عملي في قناة الشارقة الفضائية التي سمحت لي أن اقدم أغلى وأعز برامجي خصوصاً برنامج "روائيون" الذي صنف وقتها ومازال على أنه أول وثيقة تلفزيونية للرواية العربية والأجنبية، ولعل الأدباء والكتاب الذين التقيتهم مازالوا يحتفظون بحلقات هذا البرنامج لأنه كان توثيقاً دقيقاً لكل روائي، فكنت تتابع حلقة عن ماركيز وأخرى عن نجيب محفوظ وثالثة عن حنا مينا وهكذا . . ووقتها تم تدريس هذا البرنامج في جامعة إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية .
* يقول المقربون منك إنك رغم خبرتك الإعلامية الواسعة تحرص على الإعداد الجيد، وتذاكر كل التفاصيل قبل مواجهة الكاميرا . . حدثنا عن طقوسك الخاصة قبل الهواء؟
- الثقة لا تأتي من فراغ، فبقدر الجهد المبذول والإعداد والتحضير تظهر الثقة، والظهور أمام الناس باحترام ورقي واتزان مسؤولية صعبة، فما بالك بمسؤولية من يتحدث أو يدير حواراً ويقدم حصة تلفزيونية على شاشة كبيرة مثل "العربية" أو غيرها؟ في كل قناة عملت بها وشاءت الظروف أن أخرج منها كنت حريصاً على التأكد من أنني لم أرتكب خطأً مهنياً واحداً أو خطأً أخلاقياً . هذا ما يسعدني، أن تطل يومياً على الشاشة حاملاً ملفات معقدة وأحداثاً أكثر تعقيداً تمر بسلام، أعتقد أن هذا كرم من الله وستر منه .
وبعد أربعة أعوام من التخصص والعمل في الملف المصري في ظروف شديدة الحساسية منذ ثورة 25 يناير مروراً بحكم الإخوان ثم ثورة 30 يوينو، لم يحدث أنني ارتكبت خطأً مهنياً أو ورطت القناة التي أعمل بها أو انحرفت ولو قليلاً عن مهنيتي وعن وطنيتي . كانت مصر دائماً في قلبي ورغم ذلك لم أتحول إلى خطيب وكان منبري وبرنامج الحدث المصري ساحة للجميع إسلاميين وليبراليين، الكل كانت له تلك المساحة . وأهم طقس أحرص عليه هو أن أقول لنفسي يومياً إنني تلميذ صغير في جامعة كبيرة اسمها "المهنة والحياة"، ولم يحدث أن اشتغلت في مكان ولم أتعلم منه شيئاً، أما المواضيع التي أناقشها فيجب أن أكون ملماً بجميع تفاصيلها لأكون نداً للضيف .
* متى يلجأ المذيع للإرتجال على الهواء وهل إظهار العاطفة يخل بالحياد الواجب على الشاشة؟
- الارتجال له قواعد دقيقة جداً أولها: "متى وأين"؟ في مجال الأخبار هو في مساحة ضيقة جداً وخصوصاً التغطيات الخاصة، أو التعليق على مؤتمر صحفي، مع الالتزام بالوقت المحدد، لكن في اعتقادي أن أهم ما يميز مذيع عن آخر قدرته على الارتجال مع الإلمام بالموضوع وسلامة اللغة والتدفق، والارتجال ليس على طريقة بعض المذيعين في مصر، أن يظل يتحدث لمدة ساعة أو أكثر منفرداً أمام الشاشة هذا ليس ارتجالاً إنما شيء آخر، فجملة الارتجال عليك أن تحدد نهايتها قبل أن تحدد بدايتها، لأن كثيراً من زملاء المهنة الجدد يقع في مشكلة عدم قدرته على إغلاق وإنهاء الجملة .
أما مسألة العاطفة في التعامل مع حدث ما، فإذا كانت العاطفة تعني الانحياز فهذا خطأ أما العاطفية بمعنى التأثر وفي الشكل وفي نبرة الصوت فنحن بشر .
* ما رأيك في واقع الإعلام المصري في الوقت الحالي؟
- الإعلام المصري يمر بأزمة كبيرة وهي سيادة "الاستثناء" وغياب الثوابت، لو افترضنا أن في مهنة الطب هناك طبيباً وهناك عشابين ومعالجين بالحجامة والكي بالنار، فالثابت هنا هو الطبيب المتخصص بينما الاستثناء هم العشابون تخيلي أن تكتشفي فجأة أن كل الذين يعملون في المستشفيات من فئة العشابين وجميع الأطباء جلسوا في منازلهم . . هذا ما نعيشه في مصر، العشابون انتشروا على الشاشات واحتلوها، وجلس أهل المهنة في البيوت، وأنا لا أعمم فهناك نماذج إعلامية مشرفة في "التوك شو" المصري ولهم جمهور ونسعد بهم لكنهم قلة .
ثانيا الإعلام في مصر ركبت "النون" فوق "الميم" ونتج عنها إعلاني وليس إعلامياً، وأصبح المعلن هو الآمر الناهي في اختيار كل شيء، مالك القناة أسير عند المعلن لأنه يريد أن يربح وفي النهاية الكل ربح وخسرت المهنة وخسر المشاهد البسيط الذي أصبح مشتتاً ضائعاً في زحمة أبواق لا يدري من يقف وراءها .
* كيف تتعامل مع الشهرة وحب الجمهور، هل تحرمك أحياناً من حياتك الخاصة وتفرض قيوداً على تصرفاتك؟
- الشهرة بالنسبة لي كانت مرضاً أعترف بأنه رافقني في الخمسة أعوام الأولى من حياتي المهنية، وأضحك كثيراً على نفسي الآن حين أتذكرها، فقد وصل بي الأمر وقتها أنه لو خرجت في مكان عام ولم يتحدث معي أحد كنت أغضب وأحزن، وأذكر أنني جلست جلسة مع نفسي لأجيب عن سؤال "ما الذي أريده من هذه المهنة؟ الشهرة والانتشار؟" إذا كان الأمر كذلك فعلي أن أعمل مطرباً أو مقدم برامج مسابقات أو غيره . أما إذا أردت أن أكون جزءاً من الإعلام الجاد والمحترم فعلي أن أركز على نفسي ومشروعي الذي أتبناه . وقد كان، وبدأت أطور نفسي دون الانشغال بوهم الشهرة .
أما حب الجمهور فهذا وقودي الذي لا أستغني عنه في رحلتي المهنية وأسعد كثيراً أن هذا الحب يكون مرتبطاً ومقروناً باحترام الجمهور وهذه الصفة تسعدني جداً حين يقول لي البسطاء: "أنت رجل محترم" .
* أعود للحديث عن روافدك المتعددة . . السياسة والأدب والإعلام، أي الجائزتين تسعدك أكثر: "أفضل مذيع عربي" أم "جائزة البوكر للرواية"؟
- الحقيقة كلاهما يسعدني، ولكن الجوائز في حد ذاتها لدي علاقة متوترة معها ولا أثق كثيراً بها، ولا تسعدني، في اعتقادي هي أحكام شخصية أكثر منها تقييمات مع احترامي للجوائز .
البوكر شاركت بها في رواية "حالة سقوط" ووصلت إلى القائمة الطويلة ولم أشترك مرة أخرى، وأعتقد أن الأمر متروك لدار النشر، وكنت أتمنى مشاركة روايتي الأخيرة "مدد" لكن لحسابات لا أفهمها لم تشارك دار النشر بروايتي . في المحصلة لا أستطيع أن أفصل مشروعي الأدبي عن الإعلامي، واستطعت بعد عناء أن أجعل "الضرتين" بلغة المصريين أصحاباً، وأصبح كل منهما يستفيد من الآخر .
* في روايتك "حالة سقوط" تبدو تجربتك الإعلامية واضحة هل تعمدت ذلك؟
- الورواري الأديب يستفيد من الورواري الإعلامي ولعل رواية "حالة سقوط" نموذجاً على هذه الازدواجية فلولا تجربتي المهنية ومعايشتي لما حدث في العراق إبان الاحتلال وتواجدي في إيران وأفغانستان وباكستان، وتحركي في هذه المناطق، ما استطعت أن أحرك أبطالي وأجد تلك النماذج الرائعة التي ظهرت في الرواية، وهنا تظهر شخصيتي وتوجهي الحقيقي، فأنا عربي حتى النخاع من التكوين وحتى الانتماء، وفي الرواية أكتب عن أسرة عراقية وأبطالي من جميع أنحاء العالم العربي أكتب عن مصر ولبنان وسوريا والخليج والعراق . وفي المقابل، لولا شخصية الأديب لدي لما تجمع هذا المخزون اللغوي ورصانة اللغة وجزالة اللفظ، وفهم ما وراء السياسة . وبصراحة حين أقدم حلقة عن الفن أو الأدب أشعر بروحي تعود إليّ من جديد .
* ومتى تفصل في كتاباتك الأدبية بين الشخصيتين؟
- أذكر أن الناقد الكبير د . صلاح فضل حين كتب نقداً عن رواية "مدد" قال إنني قفزت من الإعلام على مجال الأدب، وهذا غير حقيقي لأن مشروعي الأدبي سبق بكثير مشروعي الإعلامي الذي بدأ مع دخولي الجامعة في عام 1986 لكن مشروعي الأدبي اكتشفته وأنا في الصف الخامس الإبتدائي صدفة حين طلب منا أن نكتب موضوعاً تعبيرياً عن الأم في عيدها . وما كتبته دفع مديرة المدرسة لطباعته وراحت تشترك به في جميع المسابقات وتحصد الجوائز، لأجد نفسي وقد أصبحت أديباً صغيراً . . وكبر الأمر معي لدرجة أنني عندما كنت في السنة الأولى بالجامعة كان قد صدر كتاباً باسمي يحمل قصصي القصيرة وأشعاري المنشورة في الدوريات .
يتسم بالوقار والمرح، بالاتزان والتلقائية، بالشهرة والتواضع . . ولذلك فهو شخصية تحفزك على الاقتراب منها والتعرف إليها أكثر .
اجراء حوار مع مذيع متمرس في الحوار التلفزيوني ليس مهمة سهلة . . خاصة عندما يكون مثقفاً متنوع الاهتمامات والخبرات . . يتنقل عبر فضاءات عدة بين السياسة والأدب والرواية والمسرح . لكنه ببساطة يفتح قلبه بينما أفتح أوراقي وتنساب مشاعره وأفكاره وهو يتحدث عن ربع قرن من العمل الإعلامي والأدبي . . إنه محمود الورواري المذيع بقناة "العربية" .
*تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولك إنتاج أدبي وروائي مميز . . ولكنك تركت كل هذا وطرقت بوابة الإعلام لتتفوق فيه، لماذا؟
- درست السياسة وبعدها التحقت بأكاديمية الفنون وتخصصت في مجال النقد الفني والأدبي، وأثناء دراستي في البكالوريوس أو الدراسات العليا كنت أعمل في مجال الصحافة المكتوبة، وعملت في كثير من الصحف والمجلات وأكمل دراستي، ولم أتخيل نفسي في أي مجال غير الصحافة . وكان الفن هو متنفسي الحقيقي، فكنت أقوم بالإخراج المسرحي على مسرح الجامعة وعلى خشبة الهناجر في الأوبرا ومازلت أذكر دعم د . هدى وصفي لكل أبناء جيلي، وأذكر أنه كانت بيني وبين السينما كممثل خطوة صغيرة لكن كان هناك دائماً ما يحول دون إتمامها، وربما ارتباطنا كجيل بيوسف شاهين وارتباطه هو بنا أثر فينا جميعاً .
لذا أستطيع القول إنني لا أجد مانعاً بين تخصصي في الدراسة وممارستي لمهنة الإعلام أستطيع القول بعد ما يزيد على 22 عاماً من العمل في المهنة إن الإعلام يعني كل شيء، بقدر ما تكون ثقافتك بقدر ما يكون نجاحك
* علاقتك بالإعلام العربي بدأت مع تلفزيون الشارقة . . كيف تقيم التجربة؟
- لا أنسى عملي في قناة الشارقة الفضائية التي سمحت لي أن اقدم أغلى وأعز برامجي خصوصاً برنامج "روائيون" الذي صنف وقتها ومازال على أنه أول وثيقة تلفزيونية للرواية العربية والأجنبية، ولعل الأدباء والكتاب الذين التقيتهم مازالوا يحتفظون بحلقات هذا البرنامج لأنه كان توثيقاً دقيقاً لكل روائي، فكنت تتابع حلقة عن ماركيز وأخرى عن نجيب محفوظ وثالثة عن حنا مينا وهكذا . . ووقتها تم تدريس هذا البرنامج في جامعة إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية .
* يقول المقربون منك إنك رغم خبرتك الإعلامية الواسعة تحرص على الإعداد الجيد، وتذاكر كل التفاصيل قبل مواجهة الكاميرا . . حدثنا عن طقوسك الخاصة قبل الهواء؟
- الثقة لا تأتي من فراغ، فبقدر الجهد المبذول والإعداد والتحضير تظهر الثقة، والظهور أمام الناس باحترام ورقي واتزان مسؤولية صعبة، فما بالك بمسؤولية من يتحدث أو يدير حواراً ويقدم حصة تلفزيونية على شاشة كبيرة مثل "العربية" أو غيرها؟ في كل قناة عملت بها وشاءت الظروف أن أخرج منها كنت حريصاً على التأكد من أنني لم أرتكب خطأً مهنياً واحداً أو خطأً أخلاقياً . هذا ما يسعدني، أن تطل يومياً على الشاشة حاملاً ملفات معقدة وأحداثاً أكثر تعقيداً تمر بسلام، أعتقد أن هذا كرم من الله وستر منه .
وبعد أربعة أعوام من التخصص والعمل في الملف المصري في ظروف شديدة الحساسية منذ ثورة 25 يناير مروراً بحكم الإخوان ثم ثورة 30 يوينو، لم يحدث أنني ارتكبت خطأً مهنياً أو ورطت القناة التي أعمل بها أو انحرفت ولو قليلاً عن مهنيتي وعن وطنيتي . كانت مصر دائماً في قلبي ورغم ذلك لم أتحول إلى خطيب وكان منبري وبرنامج الحدث المصري ساحة للجميع إسلاميين وليبراليين، الكل كانت له تلك المساحة . وأهم طقس أحرص عليه هو أن أقول لنفسي يومياً إنني تلميذ صغير في جامعة كبيرة اسمها "المهنة والحياة"، ولم يحدث أن اشتغلت في مكان ولم أتعلم منه شيئاً، أما المواضيع التي أناقشها فيجب أن أكون ملماً بجميع تفاصيلها لأكون نداً للضيف .
* متى يلجأ المذيع للإرتجال على الهواء وهل إظهار العاطفة يخل بالحياد الواجب على الشاشة؟
- الارتجال له قواعد دقيقة جداً أولها: "متى وأين"؟ في مجال الأخبار هو في مساحة ضيقة جداً وخصوصاً التغطيات الخاصة، أو التعليق على مؤتمر صحفي، مع الالتزام بالوقت المحدد، لكن في اعتقادي أن أهم ما يميز مذيع عن آخر قدرته على الارتجال مع الإلمام بالموضوع وسلامة اللغة والتدفق، والارتجال ليس على طريقة بعض المذيعين في مصر، أن يظل يتحدث لمدة ساعة أو أكثر منفرداً أمام الشاشة هذا ليس ارتجالاً إنما شيء آخر، فجملة الارتجال عليك أن تحدد نهايتها قبل أن تحدد بدايتها، لأن كثيراً من زملاء المهنة الجدد يقع في مشكلة عدم قدرته على إغلاق وإنهاء الجملة .
أما مسألة العاطفة في التعامل مع حدث ما، فإذا كانت العاطفة تعني الانحياز فهذا خطأ أما العاطفية بمعنى التأثر وفي الشكل وفي نبرة الصوت فنحن بشر .
* ما رأيك في واقع الإعلام المصري في الوقت الحالي؟
- الإعلام المصري يمر بأزمة كبيرة وهي سيادة "الاستثناء" وغياب الثوابت، لو افترضنا أن في مهنة الطب هناك طبيباً وهناك عشابين ومعالجين بالحجامة والكي بالنار، فالثابت هنا هو الطبيب المتخصص بينما الاستثناء هم العشابون تخيلي أن تكتشفي فجأة أن كل الذين يعملون في المستشفيات من فئة العشابين وجميع الأطباء جلسوا في منازلهم . . هذا ما نعيشه في مصر، العشابون انتشروا على الشاشات واحتلوها، وجلس أهل المهنة في البيوت، وأنا لا أعمم فهناك نماذج إعلامية مشرفة في "التوك شو" المصري ولهم جمهور ونسعد بهم لكنهم قلة .
ثانيا الإعلام في مصر ركبت "النون" فوق "الميم" ونتج عنها إعلاني وليس إعلامياً، وأصبح المعلن هو الآمر الناهي في اختيار كل شيء، مالك القناة أسير عند المعلن لأنه يريد أن يربح وفي النهاية الكل ربح وخسرت المهنة وخسر المشاهد البسيط الذي أصبح مشتتاً ضائعاً في زحمة أبواق لا يدري من يقف وراءها .
* كيف تتعامل مع الشهرة وحب الجمهور، هل تحرمك أحياناً من حياتك الخاصة وتفرض قيوداً على تصرفاتك؟
- الشهرة بالنسبة لي كانت مرضاً أعترف بأنه رافقني في الخمسة أعوام الأولى من حياتي المهنية، وأضحك كثيراً على نفسي الآن حين أتذكرها، فقد وصل بي الأمر وقتها أنه لو خرجت في مكان عام ولم يتحدث معي أحد كنت أغضب وأحزن، وأذكر أنني جلست جلسة مع نفسي لأجيب عن سؤال "ما الذي أريده من هذه المهنة؟ الشهرة والانتشار؟" إذا كان الأمر كذلك فعلي أن أعمل مطرباً أو مقدم برامج مسابقات أو غيره . أما إذا أردت أن أكون جزءاً من الإعلام الجاد والمحترم فعلي أن أركز على نفسي ومشروعي الذي أتبناه . وقد كان، وبدأت أطور نفسي دون الانشغال بوهم الشهرة .
أما حب الجمهور فهذا وقودي الذي لا أستغني عنه في رحلتي المهنية وأسعد كثيراً أن هذا الحب يكون مرتبطاً ومقروناً باحترام الجمهور وهذه الصفة تسعدني جداً حين يقول لي البسطاء: "أنت رجل محترم" .
* أعود للحديث عن روافدك المتعددة . . السياسة والأدب والإعلام، أي الجائزتين تسعدك أكثر: "أفضل مذيع عربي" أم "جائزة البوكر للرواية"؟
- الحقيقة كلاهما يسعدني، ولكن الجوائز في حد ذاتها لدي علاقة متوترة معها ولا أثق كثيراً بها، ولا تسعدني، في اعتقادي هي أحكام شخصية أكثر منها تقييمات مع احترامي للجوائز .
البوكر شاركت بها في رواية "حالة سقوط" ووصلت إلى القائمة الطويلة ولم أشترك مرة أخرى، وأعتقد أن الأمر متروك لدار النشر، وكنت أتمنى مشاركة روايتي الأخيرة "مدد" لكن لحسابات لا أفهمها لم تشارك دار النشر بروايتي . في المحصلة لا أستطيع أن أفصل مشروعي الأدبي عن الإعلامي، واستطعت بعد عناء أن أجعل "الضرتين" بلغة المصريين أصحاباً، وأصبح كل منهما يستفيد من الآخر .
* في روايتك "حالة سقوط" تبدو تجربتك الإعلامية واضحة هل تعمدت ذلك؟
- الورواري الأديب يستفيد من الورواري الإعلامي ولعل رواية "حالة سقوط" نموذجاً على هذه الازدواجية فلولا تجربتي المهنية ومعايشتي لما حدث في العراق إبان الاحتلال وتواجدي في إيران وأفغانستان وباكستان، وتحركي في هذه المناطق، ما استطعت أن أحرك أبطالي وأجد تلك النماذج الرائعة التي ظهرت في الرواية، وهنا تظهر شخصيتي وتوجهي الحقيقي، فأنا عربي حتى النخاع من التكوين وحتى الانتماء، وفي الرواية أكتب عن أسرة عراقية وأبطالي من جميع أنحاء العالم العربي أكتب عن مصر ولبنان وسوريا والخليج والعراق . وفي المقابل، لولا شخصية الأديب لدي لما تجمع هذا المخزون اللغوي ورصانة اللغة وجزالة اللفظ، وفهم ما وراء السياسة . وبصراحة حين أقدم حلقة عن الفن أو الأدب أشعر بروحي تعود إليّ من جديد .
* ومتى تفصل في كتاباتك الأدبية بين الشخصيتين؟
- أذكر أن الناقد الكبير د . صلاح فضل حين كتب نقداً عن رواية "مدد" قال إنني قفزت من الإعلام على مجال الأدب، وهذا غير حقيقي لأن مشروعي الأدبي سبق بكثير مشروعي الإعلامي الذي بدأ مع دخولي الجامعة في عام 1986 لكن مشروعي الأدبي اكتشفته وأنا في الصف الخامس الإبتدائي صدفة حين طلب منا أن نكتب موضوعاً تعبيرياً عن الأم في عيدها . وما كتبته دفع مديرة المدرسة لطباعته وراحت تشترك به في جميع المسابقات وتحصد الجوائز، لأجد نفسي وقد أصبحت أديباً صغيراً . . وكبر الأمر معي لدرجة أنني عندما كنت في السنة الأولى بالجامعة كان قد صدر كتاباً باسمي يحمل قصصي القصيرة وأشعاري المنشورة في الدوريات .