كل كلام على محمود درويش في غيابه المفاجئ المرير.. وفي هذه اللحظة بالذات التي لم يجف بعد الماء على تراب قبره، كما لم تجف بعد دموع الشعب الفلسطيني والعربي والعالمي على صاحب لماذا تركت الحصان وحيداً وسرير الغريبة وغيرهما من إبداعات استثنائية في تاريخ الشعر العربي المعاصر.. كل كلام في هذه اللحظة إنما يشرق بملوحة الدمع.. غيابه كان مباغتاً، تماماً مثل قصيدته المباغتة.. القصيدة التي كانت تطير من عاصمة الى عاصمة، ومن صحيفة الى صحيفة ومن جلسة ثقافية هنا الى جلسة ثقافية هناك، هذه القصيدة الحدث.. والرجّة، والهزّة أو الرنين
الجمالي الأخّاذ كانت هي حياته.. نصّ حياته.. دافع عنها باستقلالية لا تخلو من كبرياء.. ذلك أن الشعر في بعض معانيه هو الكبرياء، الشعر، أيضاً، هو بطولة، وعلى هذا المعيار كان محمود درويش بطل زمانه، وكوكب زمانه، وإن كان بعيداً عن ذلك يلوذ في ذاته بذلك الخجل الذي كان يأخذه الى نوع من عزلة خصوصية جداً.. كأنما هي ذاتها العزلة التي تحتاجها القصيدة قبل أن يحتاجها درويش.
هنا، شعراء عرب توافدت شهاداتهم واستعاداتهم ودموعهم على الملحق الثقافي في الخليج الذي كان طيلة سنوات نجومية درويش منبراً سريع التفاعل مع نتاج هذا الشاعر الخالد.
من فلسطين قال رئيس بيت الشعر الفلسطيني، مراد السوداني، ل (الخليج)، ان وفاة الشاعر الكبير محمود دوريش تعتبر رحيلا للاسم الحركي للشعرية الفلسطينية واحد الاسماء الشعرية العربية التي حملت الالم والوجع الفلسطيني الى الكون واستطاعوا ان يشكلوا نقطة فارقة في الثقافة العربية والانسانية لينضم الى مجموعة الاصوات الحرة التي تنادي بالحرية والحق والعدالة وقيم الجمال.
واكد الاديب الفلسطيني علي الخليلي، ان رحيل دوريش يعتبر خسارة ثقافية كبيرة على المستوى الفلسطيني والعربي والانساني خاصة وان رحيل شاعر بوزن محمود درويش تعتبر خسارة كبيرة جدا لأنه نشأ من خلال قضية مهمة مثل القضية الفلسطينية.
وقال ان رحيله يعتبر خسارة كبيرة للفلسطينيين على مستوى البعد الثقافي والانساني والحضاري والانساني.
كما قال عزام أبو السعود الروائي والمسرحي المقدسي للخليج رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بأنه خسارة فادحة للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية وللقدس الشريف، فنحن عرفنا درويش بشهامته وبمواقفه التي تشهد له القضية الفلسطينية فيها وهو من سطر بأصابعه إعلان استقلال فلسطين وهو أيضا من رفض اتفاقية أوسلو، فدرويش قبل أن يكون شاعراً هو صاحب موقف سياسي وقضية، فكانت له رؤيا صحيحة، فهو الذي عاش قيام دولة إسرائيل وتعلم لغتها وعاش في سجونها.
الشاعر العراقي الفريد سمعان نائب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق قال: إن محمود درويش اسم كبير وشاعر لعب دورا جيدا في الثقافة العربية عموما وكان الصوت الهادر المعبر عن الثورة الفلسطينية وعن توجهاتها وعن شعاراتها ومطالبتها بحقوق الشعب الفلسطيني الذي حرم طيلة سنوات الاحتلال الإسرائيلي من حقوقه المشروعة. إن محمود درويش كان يحمل الراية الفلسطينية ويسير كحادٍ للقافلة.
إن رحيل درويش يشكل خسارة كبيرة للثقافة العربية، لأنه كان إنسانا وديعا وطيبا وشاعرا يحبه الجميع لأنه مخلص لكل ما كان يؤمن به ولاسيما حقيقة انتمائه إلى الشعب الفلسطيني.
وربما سيكون في المستقبل القريب هناك شعراء ينهجون نهج محمود درويش، لأن فيه من السلاسة والطراوة ومن التوجه الفكري الشيء الكثير الذي يساعد ويشجع الشباب من الشعراء على تبني وجهة نظره أو الاستفادة من طبائعه وأصالته في هذا الميدان.
وقال الشاعر والناقد علي الفواز: درويش من الشعراء العرب القليلين الذين انفتحوا على القراءات التاريخية وعلى قراءة التراث العربي وكذلك التراث المناطقي وكل السلالات التي شكلت ملامح التاريخ. فقدرة درويش في التعرف والتوغل في هذه الكواليس هي أحيانا تمنح القصيدة طاقة استثنائية. لذلك فهو من الشعراء الذين يفكرون دائما وهو شاعر يجيد الحرفة بامتياز. إن ما يميز درويش عن غيره هو هذه الرشاقة، هذه البنية اللغوية المتماسكة، وأضاف أن محمود درويش منذ أن بدأ في عام 1964 كظاهرة شعرية تشكلت داخل فضاء الثورة الفلسطينية بدأ يهرب من هذا الفضاء إلى الفضاء العربي والفضاء الجمالي. أعتقد أن درويش منذ ذلك العام وحتى 2003 مثّل ظاهرة متوهجة لأنه لم يغفُ لحظة ولم يتوقف وبقي مشتعلاً، وربما قدمت قصائده الأخيرة رثاء ليس له وحده وإنما رثاء لزمن ثقافي، لكنه أيضا كان يشترح أملاً آخر بأن ثمة جيلاً آخر هو الذي سيصنع الحياة، هو الذي سيصنع الأمل. هذا العالم الذي بدأ يحارب ذاته وبدأ يدخل في لعبة المرايا المتطاحنة هو بحاجة إلى شعراء مثل محمود درويش. لذلك أنا أرى أن محمود درويش، كان منقذا كان صانعا لحلم كبير.
وقال الشاعر جبار سهم السوداني: إنه من حسن الصدف أنني التقيت الشاعر الراحل في مهرجان الاتحادات الأدبية العربية الذي أقيم في القاهرة حيث كنت ممثلا لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، في حين كان هو ممثلا لاتحاد الأدباء والكتاب الفلسطيني. وقد التقينا في دار الأوبرا بحضور حشد كبير جدا من الشعراء العرب. وعندما قدمني له وزير الثقافة المصري وقال له: إن هذا هو ممثل اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين. التقيت درويش وكان شاحبا ونحيفا ومثخنا بالألم. وقال: يكفي العرب فخرا أن العراق هو الذي أبدع في موسيقا الشعر العربي علم العروض على يد العلامة البصري الكبير الخليل بن احمد الفراهيدي بعد ذلك بدأت مساجلات شعرية في حين كان درويش يعاني من شحوب وذبول وكنت أتوقع أن هذا الرجل يمكن أن يأكل من شاطئ عمره، وذكّرني حاله بحال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، أما محمود درويش فقد كان مصابا بنفس فاجعة السياب ولكن بنوع آخر.
وقال الشاعر إبراهيم الخياط: نحن لا نختلف في أن المقاومة الفلسطينية بكل ما تحمل من بريق لم تستطع أن تنجب مثل الشاعر محمود درويش لأنه كان شاعراً وثائراً في آن واحد، وهذا لا يخرج عن تأثيرات المؤسسة السياسية اليسارية داخل فلسطين حتى بعد تهجير عائلته وتهجيره للمرة الثانية من بيروت. لقد كان درويش صاحب حضور شعري لا يستطيع أي شاعر عربي من جيل السبعينات أن يجاريه وأن يحفظ نفسه من تأثيرات محمود درويش المتأتية من سطوته في الصوت واللغة والشعر.. إن درويش طوّر شكل الشعر العربي، كما طور وكتب القصائد ذات النفس السيمفوني الطويل.
من الأردن قالت الشاعرة رئيسة مجلة اقلام واعدة د.لينا عوض على إنه رحل آخر الشعراء العرب.. وكأن جداريته كانت نبوءة مبكرة بالنهاية التي سار إليها: الموت، فقد مات بالطريقة نفسها التي اقترحها في جداريته..
وقال الشاعر موسى حوامدة: حزينة عمان هذا المساء، حزينة رام الله والبروة والجديدة وحيفا، وفلسطين هي الأكثر حزنا لانها ستنام لأول مرة بدون عريسها الفتي والوسيم وبدون شاعرها الاجمل.
وقال المتوكل طه: اعتقد ان فلسطين الآن يتيمة، لأنها لم تعد بدون المساء ورموز، لقد كان العالم يعرف فلسطين من خلال اسمين كبيرين هما ياسر عرفات ومحمود درويش والآن لم يعد لفلسطين اسم يعرفها العالم به واعتقد ان الشعر صار يتيما وان اللغة العربية فقدت الكثير من نبضها الحيوي، واعتقد كذلك ان ادوارد سعيد ومحمود درويش هما اللذان كانا سر جمال صورتنا امام العالم والان وقد رحل الاثنان فإن صورتنا تزداد سواء خصوصا مع الاحداث الاخيرة المؤسفة والجارحة، واعتقد ان الشعراء الفلسطينيين كانوا جميعهم يكتبون الدراما والحدث الوطني والسياسي والمقاوم لكن محمود درويش وحده الذي كتب دراما الروح الجماعية.
وقال الشاعر خالد ابو خالد: في تقديري ان غياب درويش هو المعادل لخلود شعره، ودرويش لم يكن في فلسطين فقط وانما كان في العالم وبالتالي هو يترك فراغا كبيرا، فهو واحد من الذين شكلوا القصيدة الفلسطينية، واذا قلنا ان فلسطين بتضحياتها الجليلة والعظيمة قد حملها درويش فهي ايضا حملته الى آفاق العالم باعتبارها قضية كونية.
وقال الشاعر زهير ابو شايب: محمود درويش قامة كبيرة من الصعب ان تتكرر كثيرا سنحتاج الى الف سنة اخرى لنجد قامة شعرية وثقافية لا تمثل او تقدم القصيدة فحسب بل تقدم الوجدان العربي بأكمله، محمود شاعر كبير ولا يتكرر وقصائدنا الشخصية فيه خسارة كبيرة فهو شاعر وصديق ممثلا للشعر العربي في العالم، نحن نأمل ان القصيدة الفلسطينية والعربية ان تستمر في التطور لتمثيل الوجدان العربي الرافض لليأس والمتشبث باحلام هذه الامة وحقوقها وهويتها.
كنت من آخر الاصدقاء الذي التقوا بدرويش قبل سفره وقد تحدثت معه انا وصديقي الشاعر طاهر رياض قبل دخوله لغرفة العمليات كان شخصا يضحك ويمزح ولم تكن هنالك اية اشارة للموت وسبب الموت هو فشل العملية ولم يمت قبل موته بثانية وبقي متوقد بكامل حيويته في آخر لحظة بالرغم من تعبه وارهاقة لم يكن مطفأ، الخسارة الشخصية في محمود درويش خسارة كبيرة فهو استاذي وصديقي واخي الكبير والمي لا استطيع ان اكتبه لأني لم استوعب صدمة.
ومن اليمن وصف الشاعر حسن عبد الوارث ورئيس تحرير صحيفة الوحدة الأسبوعية العامة محمود درويش بأنه رسول القصيدة القضية،وشاعر النار المقدسة، والوردة المقدسة، والقضية المقدسة، وقال: كان محمود درويش وسيظل واحداً من أكثر شعراء الضاد عملقة وجبروتاً..وستظل قصيدته أيقونة القضية العربية الكبرى في حدائق الحب،أو في محراب التوجُد.. لمن يبحث عن القرنفلة في الكلمة،أو لمن يبحث عن الرصاصة النبيلة.
ويقول رئيس فرع اتحاد الأدباء والكُتاب اليمنيين في العاصمة صنعاء،الشاعر محمد القعود إن محمود درويش لم يمت مساء أمس الأول، ولكنه ذهب في نزهة مع الموت ليكتب حضوره المتجدد في ذاكرة الإبداع الإنساني.
وتابع: هذا الشاعر الكبير كتب قبل رحيله قصيدة جديدة، رأى فيها موته يصافحه في يوم السبت صدقت أني مت يوم السبت القصيدة منشورة في الصفحة الأخيرة من هذا الملحق، وصادف أن يكون رحيله يوم السبت.
واعتبر الشاعر أحمد السلامي، رئيس تحرير عناوين ثقافية، أن الراحل شاعر النخبة والجمهور وصاحب تجربة مفصلية في الشعر العربي، وقال: برحيل درويش تطوى مرحلة هامة من مراحل الشعر العربي المعاصر استطاع خلالها درويش أن يظل الشاعر الأقرب إلى الجماهير والنخب في آن واحد،وارتقى بجمهور الشعر معه في انتقالاته ومحطاته الشعرية المختلفة، التي انحازت للشعر وجعلت قصيدة درويش تكتسب ملمحاً إنسانياً وكونياً.
وفي سوريا قال الروائي خيري الذهبي: ربما لم يعرف التاريخ الأدبي العربي شخصية أدبية اختلط فيها الأدب بالسياسة كما حصل منذ أيام المتنبي إلا مع محمود درويش، فهذا الرجل الذي حملته القضية وحملها، اختلطا لزمن طويل حتى صار لدى الكثيرين الممثل الشعري والثقافي للقضية الفلسطينية. رحمه الله وعوضنا عنه أحسن منه فنحن نستحق أكثر من محمود درويش واحد.
وقال الكاتب وليد إخلاصي: أي كلام لا يمكن أن يفي بحق هذا الرجل الكبير محمود درويش، لم يكن شاعر المقاومة فحسب هو شاعر الهم العربي والحلم العربي، كيف نستطيع أن نفي حق هذا الرجل الذي لم يستكمل مشروعه بعد ومع ذلك كان ابرز الذين عبروا عن هذا الحلم والوجع، كان اقرب إلى صديق وأنا أكن له مشاعر كبيرة إلى جانب احترامي وتقديري لأهميته في صناعة الشعر ليس بهذا الزمن ولكن للزمن القادم أيضاً. لذا لا استطيع أن اعترف بأنني لم استطع أن أذرف دمعة على رحيله لأنه كان اقرب إلى قلبي من أخ وولد وابن. أن تقول انك حزين لأنك فقدت محمود درويش تقر بأنك رجل عادي، إن رحيل محمود درويش يحتاج إلى حزن الكبار وسيذكرونه مع مرور الأيام بأنه قد تفوق أحياناً على المتنبي، لذلك فإن فجيعتنا كبيرة برحيله.
إن محمود درويش لكبر من مؤسسة وأكبر من دولة وإذا أردنا أن نتكلم بنوع من الصدق والشفافية لقلنا بنوع من المبالغة أن محمود درويش عوّض أحياناً عن مأساة فلسطين نفسها.
فهل يا ترى نحن بحاجة إلى مآس مثل فلسطين أخرى لكي يظهر لنا محمود درويش آخر.
وقال المخرج المسرحي د. تامر العربيد: محمود درويش كان يمثل صوت الشارع العربي في أحاسيسه وفي تبنيه لقضية بعيداً عن السذاجة والمباشرة بشكل إنساني وشاعري، كان أفضل سفير للقضية الفلسطينية، كان صوت فلسطين في العالم، وإن رحيل محمود درويش ليس خسارة لفلسطين فحسب بل هو خسارة للشعر والقضية والإنسانية، وإنه تجاوز بعطائه وبرسالته النبيلة التي وصلت للناس الحدود ليصبح رسولاً للإنسانية وكأنه سفير الكلمة الصادقة والمقاومة.
وقال الكاتب حسن حميد: رحيل محمود درويش هو فاجعة ومأساة واسى يضاف إلى الحال التي نحن عليها، ذلك لأن محمود درويش من خلال تجربته الشعرية يشكل حداً معرفياً بين ما كتبه العرب من شعر قبل مولده وما كتبه هو فجعله مدونة شعرية لا شبيه لها ولا مثال، فهو ثالث ثلاثة شعراء في العالم عاشوا المقاومة والثورة في بلدانهم قصدت بالاثنين: بابلو نيرودا وناظم حكمت، ولكن ما يميز محمود درويش منهما أن قصيدته كانت متفلتة من سطوة إلحاح الثورة والمقاومة كي تكون أكثر وضوحاً ومباشرة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، استجابتها لكل جماليات الحداثة والإبداع وبذلك فإن محمود درويش لم يكتب إلا في موضوع واحد هو مقاومة شعبه وثورته.
وفي موريتانيا قال الكاتب سيد محمد ولد يونس قد يبدو رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش في ظاهره أمرا عاديا لرجل عاش 67 عاما، عانى خلال عقديْه الأخيرين من مرض القلب الذي تطلب عمليات أجريت آخرها قبل يومين.
لكن الأمر؛ في جوهره، لم يكن كذلك.. فمحمود درويش، ظل طوال حياته ركنا منيعا، وسندا قويا للثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.. حمل القضية الفلسطينية برمتها في أحشاء قلبه ليوصلها، أينما حل وارتحل، إلى قلوب الملايين عبر العالم، فكان شعره الراقي، وأدبه المتميز، خير سفير لدولة لها من مظاهر الوجود شعب مقاوم، وسفراء متجولون.. ليظل محمود سفيرا فوق العادة، وكامل السلطة.. بيد أن سلطته لم تكن محكومة بإملاءات السلام، كما لم تكن محصورة في مربع ضيق،بل إنها امتدت لتشمل الأراضي المحتلة، وفلسطين المغتصبة، ومخيمات الشتات، والمدن والأرياف العربية.. بل والعالم بأسره.
أما الشاعر محمد ناجي ولد أحمد فقال كان نخلة سامقة، وصوتا هادرا يشكل جزء لا يمكن تجاهله في الأصوات المتناغمة في إطار ملحمة الكينونة العربية.
من الخطأ أن نعد غياب درويش خسارة للقضية الفلسطينية فقط، ولا مصيبة أصابت الأدب العربي المقاوم في الصميم، لكنه جرح أصاب حنايا كل عربي وكل إنسان.
من ينسى بطاقة التعريف التي كتبها سجل أنا عربي، منذ أن كنا صغارا دلف إلى طبلات آذاننا اسم رجل يختزن قبيلة من الرجال.. هو درويش.. كان اسمه يعني عندنا فلسطين كل فلسطين، فلسطين المنافي والشتات، فلسطين الداخل والمقاومة..
الكلمات تترجل دون أن توفي رجلا مثله حقه، فلنعز فلسطين والشعر والأمة، ولنعزف لدرويش لحن الأبدية.
وبعث الشاعر كابر هاشم، رئيس رابطة الأدباء الموريتانيين ل الخليج بالبرقية التالية: لقد أصيب البيت الشعري العالمي بعاصفة هوجاء.. رحل محمد درويش.. وازدادت قتامة الجو العربي الذي غاب منه هذا النجم.. هذا الشاعر العملاق الخالد.. أي صدمة وأي حزن، وأي بكائيات، وأي انتكاسة تلك التي ضربت جبهة الأدب العربي، الفيلق الفكري المقاوم الذي رفع راية الكرامة وأبقاها عالية..
لا يمكن للكلمات التي تتعثر على اللسان أن تفي هذا الشاعر حقه.. تجاوزنا الشاعر درويش أمة ولغة وشعرا بمئات ملايين السنين الضوئية راسما للغة العربية أسلوبا شعريا جديدا.. كل مفردة فيه مملكة شعرية متحدة ومتكاملة... لقد كان وحده أمة شعرية.
درويش لاعب كوني بالنرد.. لاعب بالكواكب والنجوم والمجرات الشعرية العبقة..
ما أحزن الهدهد اليوم.. ما أحزن يوسف.. وأشقى أشقائه.. كم عين شعرية مبيضة اليوم من الحزن.. أي ريح تعيد البصر... أي حلم في السجن الكبير.. أي خزينة شعرية نلجأ إليها..
علمتنا أن نكون نحن، وأن نقاوم بعيدا عن الشرف التجاري.. علمتنا أن نكتب بعزة وشموخ، ونؤذن بالفصحى عاليا من فوق القمم الشماء..
الشاعر ناجي محمد الإمام الملقب متنبي موريتانيا يقول عن درويش كان صوتا متميزا وكان حالة متفردة، عبر عن الوجدان العربي ومثل القضية، احتفت به موريتانيا باعتبارها المعبر الأصيل عن هذا الوجدان.. مدحته كما يمدح الأمراء ولكنها امتدحته امتداح الأمراء الثوار.. لن تموت القضية ولن يموت شعر القضية عند محمود درويش وغيره، وتبقى جذوة النضال من أجل فلسطين والوحدة العربية الميسم الوحيد لمعرفة المناضل من العاطل.. لقد فقدت صديقا عزيزا وشاعرا أفتخر به على العالم.. ناضلت معه للم شمل اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في الجزائر سنة 1987 أيام كانت الفرقة تهدد وحدة الصف الفلسطيني، وكانت مساعينا برعاية الشهيد أبو عمار وكلل مؤتمر الجزائر آنها بالوحدة، وكان درويش إنسانا طيبا وأكثر من صادق في شعره وعمله النضالي... فإليه في مثوى الخلود التحية وإلى أبي شاور ويحي يخلف التحية والعمر المديد.. ولتبق القضية إلى أبد الآبدين...
وقال الكاتب والباحث الكاديمي عبد السلام ولد حرمة إن مقولة الالتزام لم تتحقق في أي مرحلة من مراحل الأدب العربي الحديث في أية فترة من الفترات مثلما تحققت عند الراحل محمود درويش وهو يخوض مقاومة شعبه سواء وراء قضبان السجون أو في متاهات المنفى واللجوء.
إذ لا يمكن الحديث عن شعر المعاناة الجميل في الأدب العربي دون الحديث عن شعراء الأرض المحتلة الذين ابتدعوا تاريخ قهرهم ونضالهم على مداه الطويل فيضا شعوريا أقاموا به الاتصال بين من هم في داخل الأرض المحتلة مع من هم داخل سجونها.
فعبر جدران الزنزانة والحراس بدأ درويش شعره النابض بالقوة والعذوبة والكبرياء النادرة فتحولت الأصفاد القيود إلى أساور ذهبية تنبعث منها شحنات الصمود والاطمئنان وتتيح لحاملها العيش في زمن كفاحي بقياساته الخاصة كما هو حال قصيدة الراحل في برقية السجن.
إن تاريخ الشعر العربي المعاصر يشهد للراحل الكبير أنه أسس لمدرسة فنية التزامية أصحابها رضوا بأن يكونوا من الذين يقولون كلمتهم لتعانق هموم مجتمعهم ولذلك كانت ذاكرة التاريخ الفني تحتضنهم وتنبت قصص الكفاح رواية خالدة عن كل واحد منهم يأتي في مقدمتهم محمود درويش الذي أراد للنرد ولعبة المجهول أن يؤثثا لرؤيته الفنية في آخر صياغة إبداعية عذبة يخطها في وجدان المتلقي العربي الذي حمل من الهموم ما يدخله في رحلة التيه التي عنون بها الروائي عبد الرحمن منيف جزءا من خماسيته مدن الملح فتداخل العملان تداخل تجربة الراحلين ونشابهها.