على سفح جبل قاسيون الذي يطل اطلالة حب على مدينة دمشق تقوم أحياء ثلاثة، كانت تفصلها عن دمشق بساتين وأنهار وغابات مضت الآن الى غير رجعة، فقد قضت عليها يد الانسان المجردة من الحب والعقل والوفاء وحولتها الى كتل اسمنتية طالت سفح قاسيون، وامتد الاسمنت القاسي المتحجر ليتصل بتلك الأحياء التي لم تخلع عن تكوينها تلك الخصوصية الرائعة، المنسوجة من خيوط التاريخ ونسغ التراث الاسلامي العريق، لتبقى محجا ومنارة لمحبي القيم والمؤمنين بدور الانسان في ظل رسالة الاسلام الحنيف، وتلك الأحياء الثلاثة ونبدأ بأقدمها هي:

- حي الصالحية وفيه كنوز التراث والتاريخ الاسلامي العائدة الى حقب الايوبيين والمماليك والسلاجقة والفترة العثمانية.

- حي ركن الدين، ويأتي بعد حي الصالحية في الأهمية وموجودات التراث.

- حي المهاجرين وهو الأحدث وفيه بعض الشواهد من التاريخ الحديث أهمها بيت الشهيد يوسف العظمة والقصر الجمهوري القديم.

حي الصالحية

في حي الصالحية توجد مجموعة كبيرة من الاضرحة والجوامع والتكيات التي بناها ملوك وسلاطين بني ايوب، والمماليك، والاتابكة، ومجموعة أخرى من اضرحة المتصوفة ورجال العلم والدين، وقد اخذت اسمها الأول من السلطان الصالح نجم الدين ايوب مؤسس الدولة الايوبية الذي أمر ببناء مدارس وتكيات في هذه المنطقة، وكانت تشرف عليها ابنته ربيعة خاتون اخت صلاح الدين الايوبي التي توفيت فيها ودفنت في احدى مدارسها التي تعرف بالمدرسة الصاحبية.

وفي وسط هذا الحي يوجد مقام شهير لفيلسوف صوفي يعرفه العالم الاسلامي كله هو الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، ونظراً لشهرة هذا العام الزاهد المتصوف التي طبقت الآفاق، فقد طبعت الأحياء المجاورة لضريحه وجامعه بطابعه واخذت اسمه فاشتهرت بهذا الاسم حتى إنها سجلت بهذه التسمية رسمياً في دوائر الأحوال المدنية والنفوس، واستبدل الناس اسم الصالحية باسم الشيخ محيي الدين، الا أن الصالحية اسم مازال يتردد على ألسنة الناس في دمشق معبرين في ذلك عن احترامهم لتراثهم.

البيمارستان

ويتألف مقام الشيخ محيي الدين بن عربي من مجموعة ابنية لاتزال قائمة بأكثرها حتى يومنا هذا رغم ما مر عليها من عاديات الزمن وصروف الدهر فقد احترق بعضها وتهدم بعضها الآخر، ولكن أهل السلطان وأرباب الحكم كانوا دائماً يعيدون بناءها من جديد لما لها من أهمية تاريخية اسلامية كبيرة.

أول هذه الابنية، بيمارستان أمر ببنائه الأمير سيف الدين أبو الحسن القيمري الذي كان نائباً للسلطان بدمشق ما بين عامي 646 و655 ه. ودور البيمارستان عرف تاريخياً بأنه مركز لتدريس الطب ومستشفى ودار إقامة لذوي الأمراض المستعصية.

وقد كتب عالم التاريخ الفرنسي سوفير مستعيناً بقراءات العالم الألماني فان برشيم عن هذا البيمارستان يقول:

يبهرنا البيمارستان بتنظيمه وبدقه هندسته التي تنتمي الى مدارس الهندسة الرافدية والفارسية ذات الأواوين الأربعة، ولكنها عدلت بحيث زادت من جمالها وروعتها، ان سلسلة الغرف المقبية في هذا البيمارستان طغت على حجم الصحن الذي رصفت الغرف نفسها حوله كما تقلص حجم الايوانات الجانبية لمصلحة الغرف المجاورة لها، وهكذا أصبحت الخدمة في البيمارستان ذات اتساع يسمح بتقديم افضل الخدمات لنزلائه والدارسين في رحابه.

جامع ابن عربي

يتصل هذا البيمارستان من ناحية الشرق في مكان تعلوه ردميات من العهود السابقة للاسلام، بمبان ذات طابع عثماني اطلق عليها اسم مباني السليمية نسبة الى السلطان سليم الأول الذي انشأها وهي: التكية السليمية، والحمام، وقاعة الحسنات، وفي وسطها اقيم الجامع الذي يضم قبر الشيخ محيي الدين بن عربي.

يطل الجامع الذي تتوسطه قبة خضراء تعلو ضريح الشيخ الأكبر، على واد كان يمتلئ بالاشجار المثمرة، ويمر فيه فرع من فروع بردى، هو نهر توري.

وكانت تقوم فوقه طاحونة، كان أهل المنطقة يستخدمونها لطحن قمحهم، وكانت تعتبر وفقاً من أوقاف جامع الشيخ الأكبر وهذه الطاحونة التاريخية مازالت قائمة حتى الآن ببنائها الخشبي واقواسها الخشبية ودولابها الذي كان يدير احجار الرحى بقوة المياه الدافقة من نهر توري.

أما الآن فهذه الطاحونة معلم وحيد من الماضي بين ابنية اسمنتية غطت الوادي وجعلته ذكرى. يتألف الجامع من حرم صغير مزدوج الاجنحة، هو عبارة عن فسحتين توازيان جدار القبلة، بحيث يخترقها صف واحد من الحوامل، وهي اعمدة تعلوها تيجان كورنتية ملونة ذات أصول سابقة للاسلام ويتقدم الحرم صحن يوجد في زاويته الجنوبية الشرقية درج رخامي يؤدي الى قبر المتصوف الزاهد محيي الدين بن عربي، والى جانب ضريح ابن عربي قبور اخرى من بينها قبر الأمير عبدالقادر الجزائري، الذي نقل رفاته منذ سنوات عدة الى الجزائر ليعاد دفنه في تراب وطنه الجزائر، وهناك ايضاً الى جانب ضريح الشيخ ابن عربي قبران صغيران هما لولديه، عبدالله ومحمد.

قسمت الفسحة التي تحيط بالضريح الى قسمين احدهما للرجال والآخر للنساء، وتمتلئ غرفة الضريح الصغيرة بالعطايا النذرية، والأموال التي تنفق على أعمال صيانة الجامع وخدمته، وقد كان ينفق حتى وقت قريب جزء من هذه الأموال لاطعام الفقراء والمساكين في التكية المواجهة للجامع.

وهذه التكية اشتهرت في جميع انحاء دمشق، بطعامها النظيف والطيب، فكانت عائلات كثيرة من سكان المنطقة ترسل ابناءها للحصول على شيء منه تبركاً واستطياباً للمذاق، وقد كانت العائلات الميسورة تتبرع لتلك التكية لتبقى قائمة في خدمة الفقراء والمعوزين.

يقوم فوق ضريح الفيلسوف المتصوف ابن عربي هيكل من البرونز المصنع على شكل تغصينات ازهار وصفائح فضية مطروقة أما الاجزاء الخالية من الزخارف فإنها مسدودة بشبكة من الاسلاك المذهبة، وتكسو جدران الغرفة بلاطات قيشانية جميلة.

وفوق البوابة الخارجية تقوم مئذنة مغطاة بشمسية بارزة محلاة بزخارف عثمانية متأثرة بفن الباروم الاوروبي، ويعتبر هذا التصميم نوعاً من التداخل بين المفهومين التركي والعربي، وتتألف من الأسفل الى الأعلى من جذع مثمن أصم، ومقرنصات وشرفة محاطة بتصوينة حجرية مخرمة بأشكال هندسية دقيقة.

التكية السليمية

تقوم الى جوار الجامع ومن ضمن ابنية السليمية تربة أخرى هي للأمير القيمري أول من بدأ ببناء هذا المجمع الديني الكبير.

وعلى الجانب الآخر من الشارع مع انحراف قليل نحو الغرب والشمال الغربي يقوم مطبخ السليمية التابع لجامع الشيخ ابن عربي، وبحسب المصادر التاريخية الموثقة فإن باني هذا المطبخ هو السلطان سليم الأول وقد اكمله ابنه السلطان سليمان، واطلق على هذا البناء اسم التكية السليمية، وتعلو هذا البناء قبتان ضخمتان وكان هذا البناء قد احترق وتهاوى سنة 962ه، ثم اعيد بناؤه من جديد وبصورة احلى واجمل، وفي نهاية الناحية الشمالية الشرقية لمطبخ السليمية كانت تقوم منذ فترة تربتان احداهما للشيخ عساكة ارخ بناؤها عام 703ه والأخرى محا الحريق احرف اسم صاحبها، وما بقي من الكتابة يدل على أنه من خطوط القرن السابع الهجري، ويقال ان الشيخ عساكة وصاحب القبر الآخر كانا القيمين على ارزاق هذه التكية السليمية واطعام فقراء الناس.

هذا الجزء من السليمية تحول الآن الى سكن تهدمت على اثره الواجهة الجنوبية ولكن حجم العقار المسكون يعطي فكرة عن حجمها الأصلي.

أما الآن وفي ايامنا هذه فلم يعد اسم السليمية يتردد على الألسنة الا عند من يدرس التاريخ والتراث، مثلما اسم الصالحية لا يتردد إلا على ألسنة كبار السن والعائلات العريقة في المنطقة، فقد اصبح الحي كله يعرف بحي الشيخ محيي الدين والتكية ايضاً تعرف بتكية الشيخ محيي الدين.

وحول الجامع وبجوار التكية والمباني الأخرى يقوم سوق كبير للخضار والفاكهة وكل ما يتطلبه البيت الدمشقي من مؤن ويضم هذا السوق عشرات المحال وينتشر بينها بائعو العرق سوس والتمر هندي والمثلجات صيفاً، وفي الشتاء يبيع هؤلاء أكلة شامية مصنوعة من الحبوب المنوعة والسكر وجوز الهند المطحون اسمها الحبوب، وعلى باب الجامع تقوم ارفف بائعي الكتب الدينية وعند المدخل يجلس بعض الفقراء والمعاقين يتلقون هبات الزوار، ويقدر عدد زوار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ما بين 2000 و3000 زائر يومياً يأتون من داخل سوريا ومن خارجها للتبرك بزيارة هذا الزاهد العابد صاحب فلسفة التخلص من زخارف الدنيا والخلوص الى الله وصاحب رسالة العمل وبذل الجهد وعدم التقاعس والجلوس انتظاراً للحسنات، وصاحب مقولة البعد عن حب المال لأنه آفة الآفات.

من هو ابن عربي؟

على لوحة رفعت داخل غرفة الضريح تعريف جميل بهذا المتصوف الزاهد العارف بالله يقول: هو محمد بن علي بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي الأندلسي قدس الله سره، ولد رضي الله عنه ليلة الإثنين السابع والعشرين من رمضان سنة ستين وخمسمائة في مرسية من بلاد الأندلس، انتقل الى اشبيلية سنة ثمان وستين وأقام فيها الى سنة ثمان وتسعين، ثم دخل بلاد المشرق وطرق بلاد الشام ودخل بلاد الروم، وكان من عجائب الزمان وكان يقول: اعرف اسم الله الأعظم، اعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا طريق المكسب.

توفي رضي الله عنه في دمشق في دار القاضي محيي الدين بن الزكي وغسله الجمال بن عبدالخالق ومحيي الدين قاضي القضاة، ومحيي الدين بن علي وكان العماد بن النحاس يصب الماء، وحمل الى قاسيون ودفن بتربة بني الزكي في ليلة الجمعة الثاني والعشرين من ربيع الثاني سنة ثمان وثلاثين وستمائه، فيكون عمره ثمانياً وسبعين سنة، وقد اصطفاه الله وهو يكتب تفسيره الكبير ووقف قلمه عند قوله تعالى وعلمناه من لدنا علماً.

فاقت مؤلفاته الاربعمائة ويقال إنها بلغت ألفاً ولكن لم تصلنا كلها.