تحقيق: هند مكاوي

طفل لم يصل حتى إلى مرحلة المراهقة، لديه حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث من خلاله مع غرباء، فيكون عرضة لأسوأ ما يمكن أن نتخيله؛ التأثير في تفكيره، مشاهدته صوراً ومقاطع فيديو غير لائقة أو مناسبة لعمره، وصولاً إلى إمكانية استغلاله فيما يسيء إليه وإلى أسرته.

ما سبق مشهد يتكرر، مع اختلاف التفاصيل، على امتداد عالمنا العربي، بعدما بات استخدام الأجهزة التكنولوجية، الذكية منها وغير ذلك، والاتصال بالإنترنت 24 ساعة في اليوم؛ ضرورة لا يستغني عنها الكبار والصغار، وهي ضرورة كما أن لها فوائد فلها مخاطرها. الأطفال والمراهقون، من أبنائنا، هم أكثر من يقع ضحية لهذه المخاطر التي تتعدد، لتشمل الإدمان وسوء الاستخدام وتصل حتى تدميرهم أخلاقياً ونفسياً.

في هذا التحقيق نتناول دور المؤسسات والأهل في مواجهة هذه المخاطر، ووسائل علاج المشاكل التي تنجم عنها.
لأهمية مواجهة مخاطر الإنترنت وتداعياتها على شبابنا وأطفالنا، التي تصيب الأسرة ومن ثم المجتمع؛ ظهرت في الدولة مؤسسات وجهات للتصدي والتوعية بهذه المخاطر، منها «جمعية الإمارات للحماية من مخاطر الإنترنت»...

يوضح محمد مصطفى سيد، المدير التنفيذي ل«جمعية الإمارات للحماية من مخاطر الإنترنت»، أهداف الجمعية ودورها في التصدي لسلبيات الإنترنت، بالقول: هي جمعية غير ربحية، تعمل تحت رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية، وتهدف إلى حماية الأطفال من مخاطر شبكة الإنترنت، من خلال التثقيف ونشر الوعي، وتضع ضمن أولوياتها إعادة تأهيل وإدماج الأطفال والمراهقين من ضحايا الجرائم الإلكترونية، فضلاً عن تقديم برامج علاجية وتأهيلية خاصة بإدمان التكنولوجيا، من خلال مختصين نفسيين واجتماعيين.

ويضيف: كما تهدف الجمعية إلى أن تكون مركزاً للتميز في مجال تمكين المجتمع من الاستخدام المسؤول للإنترنت، وحماية الأطفال من سوء استخدامه، عبر التعليم والتوعية وبناء القدرات، ولعب دور إشرافي واستشاري، والتعاون مع مختلف الجهات المعنية بهذا الشأن. كما نعمل على توجيه نصائح وحملات توعية لجميع أفراد المجتمع.

ويتطرق علي العمادي، أمين سر الجمعية، إلى نقطة مهمة وخطرة، وهي ليست حماية الطفل فقط من مخاطر الإنترنت، بل حماية الأسرة بأكملها، لأن مخاطر الإنترنت تمتد لتصل إلى كل فرد من أفراد الأسرة. يقول: لاحظت من خلال عملي أنه ليس الأطفال فقط هم من يحتاجون إلى وعي كاف بمخاطر الإنترنت، بل الأسرة كلها. فهناك أولياء أمور ليست لديهم أي فكرة عن هذه المخاطر، وكيفية التعامل مع التقنيات التي تظهر يومياً، ويتركون أبناءهم يستخدمون الأجهزة الإلكترونية الحديثة المتصلة بالشبكة العنكبوتية، دون وعي أو توجيه أية نصائح لهم.
ورغم ذلك يشير إلى أنه من خلال الدراسات والأبحاث وُجد أن هناك تحسناً في درجة الوعي، وبحثاً من الأهل حول معرفة الجديد من طرق الحماية، ولكن النسبة لا تزال ضئيلة، مقارنة مع التطور اليومي السريع.

الانتباه جيداً

يلفت عبد الله لشكري، عضو الجمعية ومدير «مركز الإيجابية للتدريب والتطوير»، إلى أن مراكز التنمية الأسرية المنتشرة في أنحاء الدولة لها دور كبير وفعال، في حماية الأسرة والتوعية من مخاطر الإنترنت، لكن على الأهل دور كبير في التوعية بتثقيف أنفسهم. كما أن المدارس والجامعات تقدم العديد من ورش العمل والنصائح للطلبة، بخصوص مخاطر الإنترنت التي يجب أن يدركوها ويتعاملوا معها بحذر.

ويشير إلى أن على أولياء الأمور الانتباه جيداً للفئة المساعدة من الخدم، ذوي الثقافات المختلفة، والذين قد يلتقطون صوراً للأبناء تخترق خصوصيتهم. وأنه يجب التنبيه عليهم قبل الدخول للمنزل وبدء العمل، بأن هناك محاذير في استخدام الهواتف داخل المنزل، وعادات وتقاليد ومبادئ إسلامية لأهل البيت يجب احترامها. مع أهمية توفير وقت للأبناء، وتحديد أوقات معينة يمنع فيها استخدام أي من وسائل التكنولوجيا وتخصيصها لتجمع الأسرة وتبادل أطراف الحديث.

بدائل مفيدة

لمعرفة دور أولياء الأمور في التصدي لمخاطر الإنترنت على الأبناء، وعلاج الأسباب التي تؤدي إلى المشكلة قبل وقوعها، تقول إيمان البريمي، موظفة بوزارة الصحة: بالتأكيد نحن كأولياء أمور ندرك أن هناك أضراراً وسلبيات لاستخدام التكنولوجيا الحديثة، بتركها في متناول أيدي الأبناء لفترات طويلة. ولذا أحاول مشاركة ابني الصغير في استخدام التقنيات الحديثة في أشياء مفيدة، مثل مشاهدة قصص مختلفة تزرع بداخله قيم الخير، وتكون مناسبة لعمره. كما أن هناك ألعاباً إلكترونية على الهواتف الذكية، تعمل على تنمية ذكاء وقوة ملاحظة الطفل.

وتضيف: كما أنني أعمل على تقنين عملية الاستخدام؛ إذ أحدد ساعات معينة أثناء اليوم لاستخدام الأجهزة الذكية والإنترنت. وفي المقابل تعدد أنشطة الأبناء وشغل أوقات فراغهم، مثل ممارسة الرياضة ومشاركة الأم في الأعمال المنزلية، وذلك حتى لا يضيعوا أوقاتهم أمام شاشات الهواتف والألواح الذكية.

العقاب بالحرمان

شيماء الحايك، مهندسة ديكور، تروي ملاحظتها عن تأثير التكنولوجيا الحديثة والإفراط في استخدامها في الأطفال، فتقول: لاحظت أن أختي الصغيرة التي لم تتعد عشرة أعوام، تمكث فترات طويلة أمام شاشة الهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية، وهي تحب الطهي؛ لذلك تتابع برامج الطهي باستمرار على «يوتيوب» الخاص بالأطفال. لكني وجدت أن قضاء هذا الوقت الطويل غير مناسب لعمرها، وأنه سيؤثر فيها صحياً ودراسياً، لذلك نبهتها، وعملت على تحديد ساعات معينة للاستخدام.

تتابع: سأعاقبها بالحرمان من استخدام الهاتف، إذا قل معدلها الدراسي عن المعدل المعتاد منها، وقد حرصت على شراء هاتف لها، يقوم بإرسال تقرير بعدد ساعات مشاهدة «يوتيوب» و«واتس أب» ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك ليسهل على أولياء الأمور متابعة ومراقبة أبنائهم، ومعرفة مقدار الوقت الذي يقضونه أمام شاشات الهواتف.

اعتقاد خاطئ

تشير مروة كارورة، خبيرة تنمية بشرية، إلى المخاطر التي قد يتعرض لها الأبناء من قبل أولياء الأمور الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، فتقول: الاعتقاد السائد هو أننا كأولياء أمور لنا حق التحكم واتخاذ القرار بالنيابة عن أطفالنا، باعتبارهم صغاراً، من دون وعي بعواقب القرارات التي نتخذها عندما يكون الأمر متعلقاً بشبكات التواصل الاجتماعي، وهو اعتقاد خاطئ.
وتوضح ذلك: علينا قبل التفكير في نشر أي فيديو أو صورة لأطفالنا، أن نتأكد تماماً من أن الصورة أو الفيديو مناسب للنشر، ومن الهدف الحقيقي وراء النشر، ومعرفة ما هو تأثير نشر هذه المادة الخاصة بالطفل في نفسيته وشخصيته، ومنظومة معتقداته التي هي في طور النمو و الترسيخ، إضافة إلى تأثير ذلك في تقديره لذاته، وبعد ذلك يأتي دور الطفل في الموافقة على نشر صورة أو فيديو خاص به. فعلينا كأولياء أمور أن نحترم خصوصية ورغبات أبنائنا، لأن في احترامنا لهم ترسيخاً لمبدأ احترام الذات أولاً ومن ثم احترام الآخر.
وتضيف أنه لا توجد برامج للتوعية أو قوانين تحمي الأطفال من سوء استخدام الأهالي لأبنائهم، كمادة تجارية، أو لاكتساب أكبر عدد من المعجبين على شبكات التواصل ، فعندما يتعرض الطفل لما يعد انتهاكاً لخصوصيته يتسبب له ذلك بصدمات نفسية، فينسحب من الحياة العامة التي يعيشها الأطفال ممن هم في مثل سنه، ويشعر بأن ليس لديه رغبة في خوض أي تجربة جديدة.

خطوط حمر

تنصح تانيا فاخوري، مدربة في الذكاء العاطفي لدى الأطفال، بعدم السماح للأبناء باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي قبل عمر الثالثة عشرة، تقول: يجب أن يعطي الأهل للأبناء قدراً من الحرية مع النصح بشكل مستمر، وأن يتوقعوا ارتكابهم الأخطاء، وإدراك أن تلك فرصة لكي يتعلم منها الأبناء مع مراعاة عدم تكرارها مرة أخرى، ويجب مضاعفة النصح والإرشاد مع المراقبة، خصوصاً عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ووضع خطوط حمر للابن للتعامل معها لا يجب أن يتعداها، وأن يكون على حذر دائم من الغرباء.
وتتابع: يجب أن يعلم الأبناء أن الأهل دائماً يتابعونهم على وسائل التواصل، ويتحرون عن الأشياء التي يتداولونها، والأشخاص الذين يتواصلون معهم. مؤكدة أن الحوار والتواصل بين الأهل والأبناء من أكثر الطرق الفعالة لمعرفة ما يدور بتفكيرهم، ومناقشتهم حتى تتضح الصورة أمامهم، لضمان عدم الوقوع في الخطأ، والمهم في ذلك جعلهم يلجأون للأهل، وهم على يقين أنهم سيساعدونهم من دون عقاب. كما يجب تحديد عدد الساعات التي يقضيها الأبناء أمام شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة، ليكون الأمر محدداً ومقنناً.