حوار: جمال سالم
حذر الشيخ شعبان موباجي، مفتي أوغندا ورئيس المجلس الإسلامي بها، من المخاطر التي تهدد الهوية الدينية لمسلمي بلاده في ظل تفشي ثلاثي الفقر والجهل والمرض.. وأشار إلى ضرورة تفاهم القادة الدينيين في العالم لمواجهة مخططات العولمة والنظام العالمي الجديد، الذي يكرس سيطرة الأقوياء والأثرياء على ضعفاء وفقراء العالم بلا رحمة.. وحث المؤسسات الإسلامية على التعاون الدعوي والخيري مع مسلمي بلاده في ظل الأوضاع الخطيرة التي يعيشون فيها.. وكشف عن تعاون القيادات الدينية في أوغندا والدول المجاورة في حل مشكلات المسلمين في شرق ووسط إفريقيا من خلال «مجلس البحيرات العظمى».

على مائدة الشيخ موجابي العلمية والفكرية جلسنا معه خلال زيارته للقاهرة للمشاركة في المؤتمر الإسلامي العالمي الذي ينظمه سنويا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر.. فكان هذا الحوار:

نريد نبذة مختصرة عن دخول الإسلام إلى بلادكم؟
دخول الإسلام إلى أوغندا تم على مراحل كانت في بداية القرن الثالث الهجري من خلال قوافل التجار المسلمين الذين جاؤوا من الشمال الإفريقي، خاصة من مصر والسودان، واتصف هؤلاء التجار بالالتزام الديني، حيث خلطوا الدعوة إلى الإسلام بنشاطهم التجاري فقاموا بحمل كثير من البضائع والهدايا إلى ملوك القبائل الأوغندية، وعرضوا مبادئ الإسلام وسماحته على كل من يتعاملون معهم، وأثمرت هذه الجهود اعتناق العديد من ملوك القبائل وعامة المواطنين للإسلام، وكانت أغلبيتهم من الوثنيين، إلا أن النقطة الكبرى في تاريخ انتشار الإسلام في أوغندا عندما اعتنقه الملك داود الثاني ملك قبيلة بوكندا، التي كانت تسيطر على وسط أوغندا، ومنها انتشر إلى العديد من القبائل الأوغندية، أما المرحلة الثانية في انتشار الإسلام، فكانت عن طريق الحملات التجارية المصرية مع سكان منابع النيل في القرن التاسع عشر أيام حكم محمد علي، وكان معها عدد كبير من الدعاة الذين أسلم على أيديهم كثير من الوثنيين.
الفرق الضالة
يقال إن هناك بعض الفرق الضالة التي تنتسب ظلماً للإسلام.. فهل هذا صحيح؟ وماذا تفعلون لمواجهتها؟
يوجد أتباع للجماعات المشبوهة مثل: البهائية والقاديانية وغلاة السنة والشيعة، إلا أن نسبتهم قليلة وسمومهم مازالت موجودة نعمل على تفنيد أكاذيبهم بصحيح الدين ووسطيته، عن طريق كبار الدعاة الذين يقدمون الحق، وتلقائيا تتم محاصرة الباطل، لأن سنة الله في خلقه بينها في قوله تعالى: «.. كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال».
هل تغير وضع المسلمين حالياً عما سبق من أيام الاستعمار؟
تعتبر فترة حكم الرئيس الأسبق عيدي أمين الفترة الذهبية للوجود الإسلامي، حيث نالوا حقوقهم كاملة وحاصر حملات التبشير، وحارب الفقر والجهل والمرض بين جميع سكان أوغندا بمن فيهم المسلمون، ولهذا عمل المستعمرون وأنصارهم على إسقاطه عن طريق القلاقل الداخلية والخارجية، أما الوضع الآن ففيه تحسن نسبي عما مضى، أن المناصب الرئيسية في الدولة ليست في أيدينا ويتولى المسلمون الوزارات الهامشية، وأعلى منصب هو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، في حين نطالب برفع تمثيل المسلمين ليكون منهم نائب لرئيس الدولة.
الثلاثي اللعين
يدخل أعداء الإسلام دائماً إلى مواطني إفريقيا من بوابة «الفقر والجهل والمرض» فكيف تواجهون ذلك؟
- لا ينبغي هنا توجيه اللوم للمواطن الإفريقي الفقير أو الجاهل أو المريض إذا ما وقع فريسة للمنظمات والحملات التبشيرية التي تستهدفه وتقدم له أفكارها وسمومها مع الغذاء والدواء والكساء.. بل علينا أن نوجه اللوم لمن يتركونه من أثرياء المسلمين يواجه الاستغلال من قبل منظمات غير إسلامية.
وقد ركز المناهضون للإسلام في إفريقيا على مؤسسات التعليم الأولى عبر الإرساليات المدعومة من الاستعمار الغربي، مما جعل كثيراً من المسلمين يرفضون إلحاق أولادهم بها خوفاً على عقيدتهم ما تسبب في تزايد معاناة المسلمين من الجهل الذي جلب معه الفقر والمرض بعد افتقاد مناطق المسلمين خطط التنمية، وهو ما وفر بيئة مناسبة لأنشطة المنظمات المناهضة للإسلام لاستغلال هذه الأوضاع المتردية من خلال إنشاء المستشفيات والمدارس ورعاية الأيتام ومساعدة الجوعى، ووصلت الإغراءات إلى تكفلهم بدفع مصاريف التعليم ونفقات العلاج ما أثر سلبياً في عقيدة المسلمين.. ونحن نواجه هذه الحملات التي لاتزال مستمرة حتى الآن عن طريق تقديم ما نملك من دعم فكري وثقافي وإغاثي للمسلمين في بلادنا، لكننا نظل في حاجة إلى دعم إخواننا خاصة أثرياء المسلمين، فمساعدة الفقراء في كل البلاد الإفريقية واجب ديني وإنساني لا ينبغي أن يتكاسل عنه أحد.
كانت هناك ممالك إسلامية عديدة في وسط وشرق إفريقيا استمرت قروناً عديدة، فكيف انطفأت عصور الازدهار الإسلامي في منطقتكم؟
- نحن جزء من الأمة الإسلامية، وحين كانت هناك حضارة إسلامية قوية كان هناك ازدهار إسلامي والعكس صحيح حين خطط الاستعمار الغربي لضرب هذه النهضة الإسلامية من خلال الوقيعة بين المسلمين وغيرهم من أتباع الأديان السماوية والوضعية والوثنيين تنفيذاً لمخطط «فرق تسد»، وفي الوقت نفسه عمل على نشر الثلاثي اللعين المدمر لأي تقدم وهو «الأمية الفقر والمرض»، وفي الوقت نفسه احتضن الحملات المعادية وشجعها بكل الوسائل، خاصة أن المسلمين كانوا يمثلون أغلبية السكان مقارنة بمعتنقي الأديان والملل الأخرى، وشيئاً فشيئاً وبمرور الوقت ارتد بعض المسلمين واعتنقوا المسيحية بسبب ضعف الدعوة الإسلامية وقوة حملات التنصير، وتم سحب البساط من تحت أقدام المسلمين وأصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للدولة بعد أن تناقص عدد المسلمين قليلا عن ربع عدد سكان البلاد البالغ 37 مليونا، بعد أن كانوا أكثر من النصف في قرون سابقة، وتواجههم حالياً العديد من المشكلات أهمها: التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، ما يؤثر سلباً في تمثيلهم في مناصب الدولة.
مواجهة غير متكافئة
يعتبر الإعلام وسيلة فعالة في حروب الهوية الدينية والثقافية في العالم.. فكيف تستخدمونه في ترسيخ الهوية الإسلامية لديكم؟
- هناك العديد من الإذاعات التي تمتلكها منظمات معادية للإسلام، ونحن نحاول مواجهة ذلك من خلال إذاعات تتبنى قضايانا الشرعية وتعمل على تنمية الوعي لدى مسلمي أوغندا وتحذيرهم من مخاطر التبشير والفرق الضالة التي تحاول الانتساب إلى الإسلام لخداع عامة المسلمين، فضلاً عن النشاط المكثف لأنشطة الأندية الماسونية المحاربة للإسلام مثل: الروتاري والليونز وغيرهما، ولكن إذاعاتنا قليلة العدد لا تمتلك إمكانات عالية مثل إذاعات التبشير، ولهذا نحلم بفضائية إسلامية ذات قدرات كبيرة لنشر الوعي الإسلامي، ليس في أوغندا فقط بل في الدول الإفريقية المحيطة بها أيضاً.
هل معنى هذا أن المسلمين على وشك رفع الراية البيضاء في مواجهة الحملات ضدهم؟
إطلاقاً لأن الإسلام دين يرفض اليأس والقنوط من رحمة الله، حيث نشطت حملاتنا الدعوية في مواجهة الأنشطة المعادية ، خصوصاً في مناطق الوثنيين، حيث اعتنق كثير منهم الإسلام بشكل أثار حفيظة المؤسسات التبشيرية، وفي الوقت نفسه رجع بعض المسلمين الذين سبق أن ارتدوا إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، بعد أن تمت معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الردة.
الجمعة الخضراء
بجانب تولي منصب المفتي العام لأوغندا تترأسون المجلس الإسلامي الذي له تجربة فريدة أطلقتم عليها «الجمعة الخضراء».. فما فلسفة هذا المشروع؟
هو مشروع ديني للتربية على تعمير البيئة والمحافظة عليها، مما يسهم في تقديم صورة مشرقة للإسلام البريء من العنف والتعصب والتطرف، وقد بدأناه عام 2010، ومازال مستمراً حتى اليوم، حيث يتم تخصيص بعض أيام الجمعة للحديث عن البيئة، والحث على المحافظة عليها في خطب الجمعة بمختلف مساجد البلاد، والقيام عقب الصلاة مباشرة بزرع الأشجار المثمرة في محيط المساجد والبيوت المحيطة بها، ثم التوسع في ذلك إلى المناطق المجاورة، والآن يأكل الجميع مجانا من أشجار الفواكه المختلفة، ولاتزال الفكرة مستمرة.
كيف يتم اختيار رؤساء المؤسسات الإسلامية لديكم؟ وهل للدولة دور في ذلك؟
- يتم انتخاب المفتي وغيره من رؤساء المناصب الدعوية من جانب كبار الفقهاء ودعاة المسلمين، وذلك خلال جلسات خاصة بذلك، وهي انتخابات تتم بشفافية وموضوعية، ويظل المفتي في منصبه حتى بلوغه الخامسة والسبعين عاماً، وليس للدولة أي دور في ذلك، لأنه منصب ديني إسلامي لا شأن للدولة به، ولا يحق لها التدخل في اختيار المفتي أو رئيس المجلس الإسلامي.
تعاني القارة الإفريقية أسوأ أوضاع اقتصادية في العالم وأعلنت الأمم المتحدة مؤخراً أن الوضع في أوغندا على وشك المجاعة بسبب تدفق اللاجئين من الدول المجاورة.. فما الحل من وجهة نظركم باعتباركم مسؤولاً في مؤسسات حوار الأديان قارياً وعالمياً؟
يجب أن يكون النظام العالمي الجديد أكثر إنسانية ورحمة بالفقراء والجوعى واللاجئين، وليس لتكريس زيادة الأغنياء ثراء، يصل إلى درجة التخمة المميتة، وما أكثر من يموتون بسبب أمراض السمنة، وعلى الجانب الآخر نجد الفقراء يزدادون فقراً، يصل لدرجة الموت جوعاً، والمحزن أن الإحصاءات العالمية تؤكد أن أغلبية من يعيشون في مناطق الفقر والجوع والحروب والصراعات السياسية يدينون بالإسلام، ولهذا فإنني في مؤتمرات حوار الأديان أبرز علاج الإسلام لهذا التفاوت الكبير في الثروات، من خلال الزكوات والصدقات والأوقاف وغيرها من أبواب الخير، مع التأكيد على أن الله خلق من الخيرات في الأرض ما يكفي سكانها، وبالتالي فإنه ما جاع إنسان أو مات جوعاً إلا باكتناز غيره من خيراتها، ما يزيد على حاجته، حيث قال الله تعالى: «وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين». ولهذا أتحالف مع القادة الدينيين من مختلف الديانات في التوعية بمخاطر غياب العدالة الاجتماعية على المستوى الدولي ومواجهة آثار العولمة.
مجلس البحيرات
هل تنسقون مع القيادات الإسلامية في الدول المجاورة لحل مشكلات المسلمين في شرق ووسط إفريقيا؟
المسلمون في منطقتنا أقليات تختلف حرياتهم الدينية من دولة لأخرى، ولهذا ننسق مع القيادات الدينية في الدول المجاورة، خاصة فيما يتعلق بأحكام الشريعة والفتاوى، وقد أنشأنا مؤسسة تنسيقية أطلقنا عليها «مجلس البحيرات العظمى»، تضم في عضويتها القيادات الإسلامية في دول أوغندا ورواندا وتنزانيا وبوروندي وكينيا والكونغو الديمقراطية، وتصدر عن هذا المجلس فتاوى موحدة تتصدى لمحاولات التجرؤ على الدين وتناقش المشكلات التي تواجه المسلمين، سواء في كل من الدول أو أي دولة من هذه الدول تحدث فيها مشكلة، وتحاول وضع حلول لها.
ما أهم المشكلات التي تواجه الأسر المسلمة في أوغندا؟
تحتل المشكلات المتعلقة بالزواج والطلاق والميراث وعلاقات الأبناء بالآباء والأمهات المرتبة الأولى في القضايا التي تأتي إلى مؤسسات الإفتاء في العاصمة والمدن والقرى المختلفة، وهناك مشكلة تربوية أخرى تواجه الأسر المسلمة، وهي اهتمام المدارس الحكومية التي يتعلم بها كل أبناء أوغندا بمن فيهم المسلمون بدراسة المسيحية في مناهجها، في حين لا يوجد ضمن هذه المناهج الدراسية أي شيء عن الدين الإسلامي في بعض الصفوف الدراسية، وإذا وجد في صفوف أخرى فإنه عبارة عن قشور، لدرجة أن أبناء المسلمين يعرفون من خلال الدراسة عن المسيحية أكثر مما يعرفون عن الإسلام، وهذه مشكلة خطيرة لأن هذا النشء يقل انتماؤه لدينه في هذه السن المبكرة.
دراسة الأديان

ماذا تفعلون لمواجهة هذا الأمر الخطير الذي يهدد الهوية الإسلامية لأبناء المسلمين؟
نطالب الحكومة بالتوازن في دراسة الأديان، حيث يعرف الجميع عن الإسلام والمسيحية المبادئ والتعاليم الأخلاقية التي تؤدي إلى التعايش السلمي بين أبناء المجتمع الأوغندي، كما أننا نحاول معالجة هذه الثغرة الخطيرة من خلال المراكز الدينية والمساجد، حيث نعلم أبناء المسلمين تعاليم دينهم ببساطة بعيداً عن التعقيدات، وهذا الأمر يتطلب إمكانات كبيرة لاستيعاب كل أبناء المسلمين الذين تعاني الأغلبية العظمى منهم الفقر والجهل والمرض، كما نحاول إقامة دورات تعليمية باللغة العربية حتى يسهل حفظ القرآن ودورات في التربية الإسلامية في أوقات الإجازة المدرسية لتعليم الأبناء مبادئ دينهم، إضافة إلى دورات توعية للآباء والأمهات حول ضرورة الاهتمام بالتنشئة والتربية الإسلامية الصحيحة للنشء الصغير.
ماذا تطلبون من المؤسسات والهيئات والمنظمات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي لدعم المسلمين في إفريقيا بوجه عام ومسلمي أوغندا بوجه خاص؟
أناشدها تقديم يد العون لمسلمي القارة السمراء وفتح قنوات للاتصال معهم وتنشيط الهيئات الدعوية والإغاثية، كما كانت من قبل، حيث تأثر انتشار هذه الهيئات سلبيا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتم التضييق عليها، وقد تسبب هذا في أضرار كبيرة لمسلمي إفريقيا، حيث كان العمل الخيري يسهم في محاربة الفقر والجهل والمرض بين مسلمي القارة، ما يحميهم من حملات التبشير التي تستغل هذه الظروف السيئة لضرب الإسلام في مقتل بدلاً من تركيز جهودها على الوثنيين، وهم في القارة بعشرات الملايين.