الخشبة
من الطقوس القديمة المتعلقة بتاريخ الملح، أن بعض الشعوب تلجأ إلى رش كمية منه على الخشبة قبل العرض المسرحي، وذلك تبعاً لمعتقد شعبي يفيد أن الملح يطرد الأرواح الشريرة .
بناء على ذلك، الخشبة المسرحية هي فضاء للمحبة الإنسانية وللحياة والخير والكثير من الكتّاب في العالم يرون في المسرح فن الحياة، وهناك من يقول إن الحياة هي مسرح كبير .
في المسرح بوصفه إبداعاً فنياً، فإن القاعدة الأساسية فيه هي الخشبة، أي تلك الأرضية الفسيحة التي يؤدي عليها الممثلون أدوارهم التي رسمها لهم المخرج الذي هو مايسترو العمل المسرحي وضابط ايقاعه .
تعاين عين المخرج أرضية الخشبة قبل العرض، هنا، يجري بروفاته ذلك الرجل الذي يحول النص المسرحي المكتوب إلى عرض، وما من عرض إلا ويجري على خشبة، لكن المسرحيين لم يكتفوا بالخشبة، بل أخذ بعضهم بالعرض في الهواء الطلق، وقالوا لنخرج من العلبة الايطالية، هل العلبة الايطالية هي الخشبة على وجه خاص أم أنها الفضاء المسرحي المحدود بالصالة والخشبة والستارة والمتفرجين؟ يجيب عن هذا التساؤل الاستفهامي بالطبع أهل الاختصاص في هذا الفن الذي كان ميلاده الأول في الشعر، وكأن المسرح هو الإيقاع، أو هو الغناء .
على الخشبة التي هي وطن الممثل في لحظة العرض تتمثل روح فريق مسرحي بكامله وهو يتناغم ويتآلف في عرض يستمر ساعة وربما إلى أكثر من ذلك بكثير .
تصبح للخشبة بعد هذا الوقت ذاكرة ذات صلة بالممثل نفسه، أي أن الخشب يمتص الصوت ويعيد إنتاجه من جديد على شكل أصوات كما يقول المايسترو الموسيقي يوسف السيسي في كتابه دعوة إلى الموسيقا وهو يتحدث عن صالات الموسيقا وليس صالات العرض المسرحي، ولكن كل من يحب المسرح ويقرأ فيه ويعشق مواسم عروضه يعرف أن علبة المسرح تحتوي أيضاً على تلك البهجة الموسيقية على الخشبة .
الموسيقا
المخرج ذاته أيضاً يقترح فضاء من الموسيقا لعرضه المسرحي، وإلا كيف يمتص الخشب الصوت، وكيف تصبح للخشبة ذاكرة؟
الموسيقا في العمل المسرحي ليست عاملاً مساعداً أو جمالياً أو إضافياً أو تكميلياً . . بل هي خيط من النسيج العام والأساسي في العرض المسرحي، والموسيقا ليست أداء صوتياً مجرداً ومعزولاً من السياق الكلي للعرض المسرحي، بل هي جزء من النص نفسه بوصفها مادة مكتوبة، وتم تأليفها بكل حرفية كي تلتقي مع جوهر العمل المسرحي الذي يؤسسه أكثر من واحد خصوصاً في حالة العرض، فالمخرج يزامل المؤلف، والموسيقي يزامل المخرج، ومهندس الديكور هو الآخر زميل للمؤلف والموسيقي والمخرج .
الموسيقا، أيضاً، بعيداً عن فن الخشبة هي في جوهرها عمل مسرحي .
بحيرة البجع ليست عملاً موسيقياً وحسب، هي أيضاً عمل مسرحي، كما أن المقدمات الموسيقية التي تسبق العرض أو تختتم به هي أيضاً خيط من خيوط النسيج العام للعرض .
أحياناً يطلب المخرج من عنصر الموسيقا في العرض المسرحي أن يرفع صوت الموسيقا عند مشهد بعينه، وأحياناً يطلب منه خفض الصوت إلى درجة متناهية وبعيدة ونائية كأن الموسيقا أرض .
يطلب المخرج أحياناً من الممثل بث موسيقا من جسده، وهنا هي مهمة صعبة للغاية .
المخرج العراقي الفذ جواد الأسدي، وفي بعض التجارب المسرحية الإماراتية التي اشرف عليها في أوائل ثمانينيات القرن الماضي هنا في الإمارات كان يقترح مثل هذه الموسيقا الطاقة المتفجرة من جسد الممثل، ولذلك يعول الأسدي دائماً على البروفة . . قبل العرض، لأنه يكاد يرهق الممثل في التدريبات الأولى والثانية والثالثة لكي يصنع منه، أي من الممثل، جنوناً موسيقياً على الخشبة .
الموسيقا على الخشبة المسرحية، أيضاً، هي أحياناً، غطاء لعري الممثل واستكمالات صوتية شعرية غنائية رائعة لذلك الفراغ الذي يحدث فجأة أو من دون سابق إنذار على الخشبة وفي اثناء العرض، أي أن الموسيقا في العمل المسرحي هي ضابط احتياط في حال أي فراغ، مثل موت الممثل بالمعنى المادي وبالمعنى المجازي، ومثل نسيان الممثل، ومثل خلل الذاكرة، أو خلل الاضاءة أو تدخل الاضاءة في العمل المسرحي من جراء سهو أو من جراء اجتهاد في ذلك السطوع أو الخفوت الذي يراه مناسباً أحياناً مهندس الضوء .
الإضاءة
تنسكب الاضاءة على خشبة المسرح من نوافذ أو عيون اضاءة مثبتة في سقف المسرح، وثمة اضاءة تنبعث من اطراف المسرح أو من حوافه، وثمة اضاءة تنبعث من وجه الخشبة نفسها أي من وسط المسرح، وثمة اضاءة تأتي من بوابة المسرح ومن خلفه، الاضاءة في العادة تحيط بالمسرح كله، وفي لحظة تعتيم كامل على مشهد مسرحي أو في مشهد مسرحي تكون الاضاءة أيضاً حاضرة، إنها هنا اضاءة سوداء .
الاضاءة في المسرح مرئية تماماً، كأنها حارسة مفتوحة العينين على مسار العرض، لكن الموسيقا، بالطبع، ليست مرئية، ولكنها مع ذلك تشبه الاضاءة، أي أن الموسيقا هي الأخرى تحيط بالعرض من كل جوانبه، وهي أيضاً حارسة أخرى للعرض المسرحي .
شعرياً وبعيداً تماماً عن التفاصيل الحرفية في علم المسرح، وقريباً من اجتهاد الشعر، يرى المتذوق الشعري وهو من يشاهد عرضاً مسرحياً من تلقاء ذاته أن الاضاءة الصفراء تحيله إلى طعم ذي مذاق مالح، وأن الاضاءة الحمراء تحيله إلى نكهة التفاح أو رائحة النار أو ثقافة النار أو تاريخ النار، وأن الاضاءة الشمسية النيون أو البيضاء قد تحيله إلى لون الكفن أو لون الموت، وقد تحيله إلى لون معين من الورد، أو قد تحيله إلى لون تأكيدي، واللون الأبيض كما اللون الأسود لونان تأكيديان أو ربما حازمان أو صارمان، الصح هو الصح، والخطأ هو الخطأ، أما الرمادي فلا مكان له في المسرح، لأنه لون حيادي، لون امتزاجي أو هجين من الأبيض والأسود، ويظهر الرمادي في الرسم أو في الفن التشكيلي ولكنه لا يظهر، أو من الصعب أن يظهر على خشبة المسرح . وكما الاضاءة لها احالاتها على الخشبة ولها مدلولات وتأويلات، كذلك الموسيقا لها مثل هذه الاشارات الشعرية، فالصوت على خشبة المسرح، أي صوت الممثل، هو صوت مسرحي وليس صوتاً بشرياً مادياً بالمعنى الفيزيائي لهذا الصوت، وكذلك صوت الموسيقا على الخشبة، فإنه يتحول من صوت تأليفي مباشر منطلق من أداة أو من اسطوانة أو من حنجرة أو من آلة موسيقية كالعود أو الناي أو من المجموعات التأليفية الموسيقية بمجموعها الحاضر في فضاء المسرح، يتحول الصوت الموسيقي المباشر إلى صوت مسرحي اشاري تأويلي مقروء في اللغة النقدية المسرحية على أكثر من مستوى له صلة بالمستويات أو بالحيثيات التي يطرحها العرض في النهاية، والعرض المسرحي كما نعرف جميعاً مهما كان اتساعه بعدد كبير أو صغير من الممثلين أو مهما كان اختزاله إلى ممثل واحد المينودراما، فإن فضاءه أي فضاء العرض يقع في منطقة أخرى بعد الخشبة والاضاءة والموسيقا، وهي منطقة الديكور .
الديكور
كما في حفلة عرس، ذلك أن المسرح هو البهجة وهو المسرة، يتولى عدد من الفنيين انجاز الديكور العام لفضاء المسرح بحيث يتلاءم والعرض، فكل قطعة من الديكور القائم على الخشبة لها وظيفة ولها دلالة، وفي حين ينصرف بعض المشاهدين إلى التعلق تماماً بأداء الممثل ولغة جسده، فإن مشاهدين محترفين تعودوا على مشاهدة المسرح منذ طفولاتهم يذهبون إلى مراقبة كل شيء على الخشبة، وربما تقع عيونهم على الديكور قبل أن يتوجهوا بعيونهم إلى تلك الكاريزما التي من الممكن أن يبثها الممثل من جسده وهو يؤدي دوره الآن على خشبة مكشوفة تماماً للمشاهدين في غياب ذلك المايسترو، أي المخرج الذي لا يستطيع في وقت العرض أن ينقذ بطله الممثل من أي خطأ طالما أن البطل يؤدي دوره وحده الآن على الخشبة، وكأنه مقاتل وحيد بلا أي تعويل أو اعتماد على أحد في قتاله الجميل هذا على سوى على نفسه .
الديكور هو تأثيث مسرحي في النهاية، ولكن يظن الذين يشاهدون المسرح من زاوية شعرية مرة أخرى، أن الفنيين الذين يوكل إليهم المخرج مهمة الديكور هم ليسوا مجرد فنيين حفاة من أية مخيلة إبداعية، فالنجار الذي يعكف أياماً على بناء سرير يجب أن يظهر على الخشبة قد يتماهى في عمله هذا مع فكرة بناء سرير لحياته في غرفة نوم حقيقية، وهذا هو الفن الكامن في قلب المخرج الذي بوسعه في إبداعه المسرحي أن يوظف فريقاً من الأصدقاء ومن المحبين أولاً وأخيراً من أجل اخراج عمله المسرحي بصورة جميلة، وأكثر من الجمال هو الاقناع .
الممثل
في كل التفاصيل المقترحة في هذه المدارات المسرحية التأملية والاجتهادية في هذا الطرح الذي يقترب من الشعر أكثر مما يعتمد على العلم المسرحي المهني، يبدو الممثل حاضراً على الخشبة ومستحماً في الاضاءة وغارقاً في الموسيقا، وهو أيضاً المقيم الأول في هذه الحجرة المؤثثة بديكور دائري أحياناً، أو بديكور مبعثر أو بديكور مثلث التوزيع أو بديكور مستطيل في انتشاره الطولي على الخشبة ذات القياسات المحددة .
الديكور متحرك أحياناً على الخشبة في لحظة اضاءة معتمة حيث تتبدل المشاهد بسرعة، وفي هذه الحال على الممثل أن يكون مرناً وسريعاً، وأي تأخير في تبديل ثيابه أو في تبديل موقعه أو في تبديل أدائه وفق تبدلات الديكور على الخشبة فإنه يقع في ما يشبه الاضطراب أو التوتر الذي يلحظه المشاهد المحترف بسرعة على الخشبة .
إن المخرج وهو يشاهد العرض مثله مثل أي شخص جالس في الصالة يشبه شاعراً كتب قصيدة وأعطى مهمة إلقائها على الجمهور إلى قارئ منبري أدائي جيد، والمخرج في خلال ذروة العرض لا يستطيع التدخل، كما لا يستطيع الشاعر أن ينقذ قارئ قصيدته من أي ارتباك .
وكما نرى، فإن المخرج هو مثل الاضاءة ومثل الموسيقا ومثل الأثاث، بل المخرج، هو أثاث عرضه المسرحي وقلب هذا العرض إلى أن تسدل الستارة .
الستارة
لحظة أن يتم اسدال الستارة بعد نهاية العرض المسرحي وخروج المشاهدين من الصالة، وإزالة المكياج عن بعض وجوه الممثلين، ثم صعود المخرج إلى الخشبة وتحية ضيوفه الذين جاؤوا ليروا أثاث حياته في المسرح، وبعد نوم عين الاضاءة وصمت الموسيقا، وبعد أن يمسح الممثلون عرقهم المالح عن وجوههم بعد هذه الفرجة الحياتية الإنسانية، بعد كل ذلك، وبعد أن تهبط قماشة الستارة من أعلى لتغطي المسرح كله وتضع نقطة النهاية، فإن البداية هنا تبدأ .
ذلك أن المسرح هو فن البدايات دائماً، هو مرة ثانية فن الحياة، والحياة حقاً هي مسرح كبير علينا دائماً أن نرش على خشبته الملح والعطر والورد كي تبقى هذه الإنسانية البسيطة على وجه الأرض بعيدة عن الشر.