1
ماهي الميديالوجيا؟
بدلا من دراسة وسائط الاعلام، ودراسة التوسطات . تهتم الميديالوجيا بالإنسان الذي يرسل الذي ينقل رسالة عبر الزمن، عن الإنسان الذي يتصل الذي ينقل رسالة عبر الفضاء . ومع ذلك، مجتمعاتنا المعاصرة طورت غزواً للفضاء، فاقدة سيادة الزمن .
النقل الثقافي بين الناس يمضي عبر وسائل تقنية، ولكن لم تجعله هذه الوسائل التقنية فقط ممكنا . خلف هذه الوسائل، هناك مؤسسات اجتماعية . نموذج المكتبة، ليس فقط كتب مخزنة بدقة، وانما الأداة التي تمنحها صفة المؤسسة الاجتماعية (دولة، كنيسة، جامعة، رابطة . . .) لكي تخلد على مدى الزمن، وهي تحقق ميولا أخرى، وكتابا آخرين . المكتبة، على اعتبار أنها مكان، وسيط جذاب، وليست محركا . المقررون الذين يبرمجون ويشيدون شبكات توزيع المعلومات، المعقدة شيئاً فشيئاً، بدون أن ينشغلوا بالظروف المناسبة للحشو والتعليم، هم ضحايا التشويش .
حقل البحث في الميديالوجيا اجتاز كافة أدوات الاتصال: العمارة، الاحتفالات، التي تمثل جزءا من مجاله .
ما يؤسس الإنسانية يتمثل في مقدرة الإنسان على نقل بعض من وظائفه إلى الموضوعات التي تظل طويلا بحيث تسمح له بنقل الثقافة، وتراكم المعارف . في هذا المعنى، مجموعة الأدوات الما قبل تاريخية هي أيضا مصرف المعطيات المادية، ذاكرة حافظة . (يلقي باحث في الميديالوجيا جانبا مرتبة الذات المفكرة، عليا / موضوع مادي، مبتذل . الذات الإنسانية تنبني مع وبواسطة الموضوع، في حركة رائحة غادية دائمة) . في البدء كانت العظام os وليس اللوجوس logos . تعد العظام، أي العظام المحفوظة في المقابر، أول أرشيف، متبوعة بصورة مباشرة بالآثار الجنائزية، تدوينات الإنسان عبر الزمن، قبل الكتابة .
2
عنوان كتاب ماكلوهان: الوسيط في المرسلة . مفارقة جلية . ولكن ماهو الوسيط؟ في الكتاب، تتبدى الكتابة، لغة المؤلف، الورق، الناشر، اجراءات الطباعة والتوزيع . . . على رغم من امتلاكنا مقدرة انتاج الموضوعات، فإننا أيضا ننتجها: الكتابة ليست فقط تقنية نسيطر عليها، بل أنها تحدد فضاءنا، زمننا . (التاريخ الصغير لركائز الكتابة) .
تميز الميديالوجيا بين ثلاثة حقول للميديا (العصور الإنسانية المحددة عبر التقنية الرئيسية للاتصال / النقل): حقل اللوجوس (الكتابة)، حقل الخطاطة (المطبعة)، حقل الفيديو (السمعي البصري، الذي سيكون ربما مدخلا إلى الحقل المفرط، أي الحقل الرقمي) .
تثير الميديالوجيا الشك في المفارقة القائمة: ثقافة / تقنية . بالتأكيد، الاختلاف الكائن بينهما موجود، وهي تتبدى في تاريخ اللحظة التي أخذت التقنية فيها تتطور بطريقة دليلية . الثقافة، هي الاتصال عبر الزمن (حتى لمس أرغفة الباجيت في الصين اليوم كما قبل خمسمائة عام)، التقنية هي الاتصال عبر الفضاء (مثلما حدث مع السلالم الكهربائية في الصين وفرنسا على حد سواء) . التقنية، على خلاف الثقافة، لا تمتلك حدودا . اختلاف آخر، التقنية هي مكان التقدم . مع ذلك، لا ثقافة من دون تقنية ولا تقنية من دون ثقافة . الفن هو النموذج الكامل لهذه الرابطة الحميمية: في الفن النص مرصع، في شروطه، بالايضاح، كما معنى البيت الشعري في ايقاعه، أو معنى اللوحة في ألوانها . في اليونان القديمة، عرف الفن بلفظة تقنية TKNE . ومع نهاية العصور الوسطى بدأ يحتل مكانا متميزا، وقد تحرر من العناء اليدوي لكي يكون موضوعاً ذهنياً . هذه الحركة تتمدد مع ظهور علم الجمال كمجال متميز . بلورت النظرية الكانطية في الفن هذا المحو لكل ما يربط الابداع بالصناعة . أصبح الفن مسعى ثقافياً . ومع ذلك، لا يستطيع أحد، بعد أن فتح أحد مخبأ التوسطات، أن يرى ما أقصاه البعد الموضوعاتي والمادي لكي يتمكن الفن من تعريف نفسه بنفسه، باعتقاد فاسد: في اللحظة التي تمكنت الصناعة فيها من إعادة الإنتاج بكميات مثيلة، تماهى الفن مع الترقيق الصناعي النادر: سحب محدد بالطبع بحروف بارزة، تحديدات لعدد من المنحوتات الأصلية، اثباتات موقعة في التصوير الفوتوغرافي، الخ) . النتاج الاجتماعي للفنان، للتخلص - بصورة استثنائية - من الشرط المألوف ( . . .) لقواعد الاختيار الاجتماعي للسوق .
3
الميدالوجيا ترتبط بالعلاقات القائمة بين الموضوعات، وليس بين الموضوعات نفسها، مثال: العلاقة بين اليوتوبيات الاشتراكية ومهن الكتاب (برودون، بابوف، بيار لورو، ماو . . . كانوا من محترفي الكتاب) . مع انفجار الرقمي، نستطيع أن نتوقع برج بابل متنامياً في الفضاء الاجتماعي (عن البرنامج أو النصوص الموزعة، ولكن عن الخدمات التفاعلية الملائمة لكل فرد)، والتأكيد على النزعة الفردية الجديدة . (أنظر: الثورة الرقمية واعادة بناء الفرد)، أحد تقارير مجلة كراسات الميديالوجيا، باريس 1999) .
هذا الارتباط بالعلاقات بين المستويات المختلفة يبيّن أن الدراسات الميدالوجية تقترح دوما جداول مقارنة، حيث توضع مختلف الموضوعات في علاقات (يكشف النتاج رقما معينا، وانما اضماري لكي يعرض ضرورة وجوده هنا من دون شروحات تفصيلية) .
الميديالوجيا لا تمتلك رؤية محددة . العامل التقني يجعل الأشكال الثقافية ممكنة، ولكنه لا يحددها أبدا . مثال: اكتشاف مبدأ المطبعة في الصين قبل خمسة قرون عن أوروبا، الا أنها ظلت تقنية مستخدمة بصورة ضعيفة، فن النقش على الخشب، إذ إن الشروط الأخرى لم تكن مجمعة . بالمثل، لم يكن من قبيل الصدفة إذا كانت الدول اللا مركزية تبنت الويب بحيث أن الفرد يشعر بكونه مسؤولا عن نفسه . في الواقع، من غير الضروري المبالغة في تقدير الوسيط بالنسبة إلى الوسط . ومع ذلك، اذا كان الوسيط ديناميكي، فإن الوسط متراجع، غير قابل للانحباس . الفكر الغربي غير مسلح للتفكير في الوسط (يقيم الفعل الفردي، الذات)، تحديدا بالنسبة إلى الفكر الصيني .
ما هي البشائر للميديالوجيا؟ هذه المقاربة كانت فعل الفنانين، الكتاب، الشعراء عن الفلاسفة . في بادئ الأمر لأنها تفرض معنى الدائرة القصيرة عن المسعى التحليلي، ثم ولأن الفنانين يعرفون أننا لا نستطيع التفكير في مرسلتها من دون التفكير في بداية في وسيطها . نجد انعكاسات ميديالوجية على التقرير التقني / الثقافي لدى ديدرو، بلزاك، شاتوبريان . .
مراجع قريبة: لوروا - جورهان، ثم سيريس، ديريدا، فرانسوا داجونيية .
4
الميديالوجيا ليست عقيدة . تقتصر على تحليل الأساليب التي بواسطتها من الممكن تصدير مرسلة، ودورانها وبقائها آمنة . على عكس البسيكولوجيا أو السوسيولوجيا، لا تتطلب أي مطالب علاجية .
في مجتمع يتبدى التطور التقني فيه كقوة شريرة تسلب من الإنسان تاريخه، أو على العكس مثل فجر الإنسان الجديد، فإن الميديالوجيا تبحث بدقة عن فضح أوهام العلاقة القائمة: تقنية / ثقافة بالكشف عن التفاعلات بين العوامل التي تدخل في الطريقة التي اعتمدتها الآلة أو المرسلة المنقولة . مثال: أثر الركض: في بداية القرن العشرين، تنبأ العلماء بأن أعضاءنا الداخلية سوف تضمر، بفعل تطور وسائل النقل الميكانيكي، في الواقع، نمشي قليلا، غير أننا لا نركض أبدا . بالمثل، في زمن العولمة التي تقضي بمحو الاختلافات الثقافية بين الناس، نرى العودة بقوة إلى المطالبات المتماثلة، الانغلاقات التقاليدية . الخ .
عن: GROUPE ECRITURES HYPERTEXTUELLES 16 MAIS 2000