جمعت السيدة زمرد خاتون بنت عبدالله بين كونها زوجة الخليفة المستضيء وكونها أيضاً والدة الخليفة الناصر لدين اللّه . وكانت نشأتها نشأة تقى وورع، كما كانت كثيرة الزهد، راغبة في أفعال البر والخير . وقد ترجم لها عمر رضا كحالة في أعلام النساء (2/39) فقال عنها: إنها من نساء البر والإحسان، حجت مرة، فأنفقت ثلاثمئة ألف دينار، وكان معها ألفا جمل، وتصدقت على أهل الحرمين، واصلحت البرك والمصانع، وعمرت التربة عند قبر معروف الكرجي والمدرسة إلى جانبها، وكانت وفاتها سنة (599هـ / 1202م) .
وذكر المؤرخون القدماء، أنها كانت قد عمرت المدارس والربط والجوامع والمساجد . وقد أوقفت كثيراً منها . وأما مدرسة زمرد خاتون المعروفة إلى اليوم، فقد أنشأتها بجوار تربتها التي ما زالت عمارتها قوية ومتينة إلى عصرنا الحاضر، بالجانب الغربي من مدينة بغداد، حيث تعرف بين العامة بالست زبيدة بالقرب من تربة الزاهد المشهور معروف الكرخي . وهي تعرف أيضاً بمدرسة الأصحاب، كما يقول ابن الفوطي في الحوادث الجامعة (5/398) . وقد وصفها فقال: إنها من كبريات المدارس ببغداد . وذكرها الباحثون الآخرون، فقالوا عنها: وقد حالفها الحظ، فاستمر التدريس فيها بقية العصر العباسي وطوال العصرين المغولي والجلائري، حتى إن بنيانها ظل قائماً حتى العهد العثماني القريب .
القبة المخروطية
وإذا كانت مدرسة السيدة زمرد خاتون قد نالت منها يد الدهر، فإن مرقدها إنما يقع في جانب الكرخ من بغداد، بجوار مرقد الشيخ معروف الكرخي كما ذكرنا . وتعرف القبة التي تعلو المرقد باسم الميل لكونها ذات رأس مدبب كالحربة . وهي مخروطية الشكل . في أعلاها من الخارج نوع من القرنصة البنائية الجميلة، والتغصين الجانبي، مما يشبه جوانب الزهرة قبل التفتح المسماة بالجنبذة . ويقول المهندسون والمعماريون، ممن لهم باع طويل في ميدان عمارة القبب المخروطية الإسلامية، إن هذه القرنصة جعلت لتظليل الكوى/ الفتحات التي تنير القبة من داخلها . وهذه القبة ومثيلاتها من القباب المخروطية أو الهرمية، تكاد تكون خاصة بأضرحة الأئمة الكبار منذ زمن العباسيين، حيث شاع نموذجها المعماري في العهد السلجوقي الذي عرفته بغداد/ دار السلام .
وتقوم قبة السيدة زمرد خاتون، على قاعدة مثمنة الأضلاع وهذه الأضلاع الكثيرة، تساعد على قيام بناء مخروطي عليها . أي قيام دوائر من العمارة متضائلة شيئاً فشيئاً، ويبلغ ارتفاع القبة المخروطية زهاء ثلاثة عشر متراً . وقد تمت تغطيتها من الداخل والخارج بطبقة من الجص . أما الجدران الثمانية، فقد زينت بزخارف آجرية على شكل حشوات تملأ مربعات كبيرة . وتبدأ الزخارف بشروط من اشكال متدرجة من قطع الآجر، تؤلف ما يشبه الأشكال الحصيرية . وقد ازدادت تجسيماً نتيجة بروزها عن سطح الجدار . أما الزخارف الأخرى، فقوامها قطع من الآجر ذات أشكال هندسية بعضها على شكل نجوم ذات ثمانية رؤوس . وتملأ القطع المذكورة زخارف نباتية قوامها أغصان وفروع مورقة، يغلب عليها التناظر والتكرار، بأسلوب فني تمتزج فيه الطبيعة مع خيال الفنان . وعندما توفيت ضرتها السيدة بنغشة سنة 598 هـ / 1201م، دفنت في التربة نفسها، وكذلك دفن في هذه القبة أبو الحسن علي بن الناصر لدين اللّه سنة 612هـ / 1215م . كما دفنت فيها السيدة عائشة زوجة حسن باشا والي بغداد سنة 1131هـ / 1718م .
مدرسون ومعيدون
وإذا كانت قبة مرقد زمرد خاتون، هي وحدها التي تحدد لنا مكان مدرستها بالجانب الغربي من بغداد، فإن المؤرخين قد تحدثوا عن المدرسين والمعيدين الذين كانوا يدرسون أو يعيدون التدريس بعد المدرس . وقال ابن الدبيتي أن ابا عبدالله محمد النوقاتي (549 - 637هـ / 1154 - 1239م) الذي كان أعاد الدرس عن أبيه في مدرسة السيدة زمرد خاتون، سمع ببغداد من فخر النساء، شهدة بنت أحمد بن الأبري، ومن أبي المعالي عبدالمنعم بن عبدالله الفراوي ومن أبي القاسم عبدالرحيم بن إسماعيل الصوفي، وجماعة عظيمة وغيرهم .
وحين توفي فخر الدين النوقاتي، ولي التدريس من بعده في مدرسة زمرد خاتون الفقيه أبو الحسن علي بن علي بن سعادة بن الجنيس الفارقي، ولم يزل بها حتى وفاته سنة 602هـ / 1205م . وقد ولد هذا العالم الزاهد في ميافارقين وسمع بها الحديث، وقدم بغداد، وتفقه بالمدرسة النظامية، ثم صار معيداً بها، ثم ناب في التدريس بها بعد وفاة مدرسها الشيخ الفقيه أبي طالب المبارك بن المبارك الكرخي . وقد بقي في هذه المدرسة معيداً، حتى ولي التدريس بها سنة 592هـ / 1195م وخلع عليه وأعطي طرحة الدبيتي .
كذلك يحدثنا ابن الساعي، أن ابا القاسم عبدالرحمن بن محمد بن بدر بن جامع بن سعيد الواسطي البرجوفي الشافعي المتوفى سنة 628هـ / 1230م، كان قد ولي التدريس في مدرسة السيدة زمرد خاتون في مفتتح سنة 604هـ / 1207م . وهو يقول في حوادث تلك السنة: في يوم السبت غرة المحرم، درس الكمال عبدالرحمن بن محمد بن المعلم البرجوني بالمدرسة المجاورة لتربة منشئتها والدة الإمام الناصر لدين اللّه (9/217) . أما ابن القوطي فقال في الحوادث الجامعة: ودرس بمدرسة الأصحاب المجاورة لتربة أم الناصر في المحرم سنة اربع وست مئة في حين قال المنذري في التكملة: ودرس بمدرسة والدة الخليفة الإمام الناصر لدين اللّه قدس اللّه روحهما (3/2364) .
والواقع أن كتب المصادر استطاعت أن تحتفظ بجملة من أسماء مدرسي مدرسة زمرد خاتون، مما يدل على أهميتها ومنزلتها في العصور التي تتالت .