يقصد بالكفاءة في النكاح مساواة الرجل ومماثلته للمرأة التي يريد زواجها وأهلها في أمور مخصوصة، وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الكفاءة، فيرى الحنفية والحنابلة وجوبَ مراعاة كفاءةِ الرجل للمرأة وأهلِها، بحيث يَحرم على الولي تزويج المرأة من غير الكفء إلا برضاها، ويرى بعض المالكية أن للمرأة ووليها ترك الكفاءة وعدم مراعاتها فيمن يريد الزواج، ويرى الشافعية كراهة تزويجها من غير كفء إلا إذا كان ثمة مصلحة في تزويجها منه فلا كراهة حينئذ، ويرى جمهورُ الفقهاء أنه يصح عقد النكاح، فيصح عقد النكاح من دونها، وللمرأةِ وأوليائِها إسقاطُها لأنها حقهم، فقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بناته ولا أحد يكافئه، وزوج مولاه زيدَ بن حارثة من زينب بنتِ جحش الأسْدية، وهي ابنة عمته أميمة بنت عبدالمطلب، وأمر فاطمة بنتَ قيس وهي قرشية بأن تتزوج مولاه أسامة بن زيد، وأنّ أبا حذيفة تبنى سالماً وهو من الموالي وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، ويرى بعض المالكية والحنابلة وما يفتى به عند الحنفية أن الكفاءة شرط في صحة النكاح، بحيث يفسد النكاح عند عدمها، لما روي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا لا يزوّج النّساءَ إلا الأولياءُ، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: أنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم، ولقول عمر رضي الله عنه: لأمنعنّ فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، ولم يشترط بعض الفقهاء الكفاءة في النكاح، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه، وكان حجاماً، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزويج عند عدم الكفاءة، ولو كانت معتبرة لما أمر به عند عدمها، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، ولما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا فضل لعربيّ على عجميّ ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، والكفاءة عند من يشترطونها تعتبر عند العقد ولا عبرة بما يكون عليه حال الزوج بعده، وخصالها في الجملة: التدّينُ، والنّسبُ أو الحسب، والحرفةُ، واليسارُ، والخلو من العيوب المثبتة لخيار فسخ النكاح، بأن تراعى في الرجل هذه المعاني وفقاً لما عليه المرأةُ وأهلُها منها، بحيث لا تكون بينه وبينهم فوارقُ هي من قبيل أضداد ما هم عليه، وليس الفقهاء على سنن واحدة في اعتبار هذه الأمور، إذ اعتبر جمهور الفقهاء التدين، واعتبر الحنفية والشافعية والحنابلة الكفاءة في الحسب، ولم يعتبره المالكية ومن وافقهم، ومذهب الشافعية والمفتى به في مذهب الحنفية ومشهور مذهب الحنابلة اعتبار الحرفة في كفاءة النّكاح، ولم يعتبرها المالكية، واعتبر الحنفية يسار مريد النكاح إن كانت المرأة وأهلها من الموسرين، وهو مشهور مذهب الحنابلة ووجه لبعض الشافعية، ومذهب المالكية وبعض الحنابلة والأصح عند الشافعية عدم اعتبار اليسار في الكفاءة، ويرى المالكية والشافعية وبعض الحنابلة اشتراط السلامة من العيوب الموجبة لفسخ النكاح ضمن الأمور المعتبرة في الكفاءة، خلافاً للحنفية وجمهور الحنابلة في عدم اعتبارها، والمقصود بالتدين: أن يكون مريد الزواج ملتزما بشرعة الإسلام إن كانت المرأة ملتزمة بها، ويقصد بالحسب النّسبة إلى الآباء، لأنّ العرب تفتخر به فيهم دون الأمهات، ويراد بالحرفة: ما يطلب به الرزق من الصنائع وغيرها، ووفقاً لما ذهب إليه جمهور الفقهاء لا يكون الرجل صاحب الصّناعة أو الحرفة الدنيئة كفؤا لبنت صاحب الصّناعة أو الحرفة الرفيعة، والمقصود باليسار: الغنى، وتبعا لمن اشترطه في الكفاءة لا يكون الفقير كفؤا للغنية، والمعتبر في اليسار عند بعض الفقهاء القدرة على مهر مثل الزوجة ونفقتها، ويرى البعض أن المعتبر تساوي الرجل والمرأة في الغنى، وإن كنت أميل إلى رأي القائلين بعدم مراعاة الكفاءة بمعانيها السابقة، اكتفاء بتوافر الخلق والدين فيمن يريد الزواج بالمرأة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، والذي رتب على عدم تزويجه الفسادَ الكبير، وتأسيا بنهجه صلى الله عليه وسلم في تزويج بناته وقريباته وبنات المسلمين، وإذا كانت الكفاءة في هذه الأمور حقاً للمرأة وأوليائها فإن الفقهاء يرون جواز عدم مراعاتها في مريد الزواج، إذا اتفقت المرأة وأولياؤها على ذلك، إذا كانت المصلحة في عدم مراعاتها راجحة على مصلحة مراعاتها، وإذا كانت مراعاتها عند التزويج حتى لا تتزوج المرأة بمن يظلمها أو بمن تعير وأولياؤها به، وليكون هذا أدعى لدوام العشرة بينهما، فإن زواجها من ذي الخلق والدين لا يفضي إلى ظلمها، أو التفريق بينهما، ولا تعير به وأهلها بل يفخرون به ويعتزون بمصاهرته، في زمن عز فيه الخلق الحسن والالتزام بأحكام الشرع الحنيف.