مملكة النمل، عالم النمل قائم بذاته، فالنمل يبني المدن، ويشق الطرقات، ويحفر الأنفاق، ويخزّن الطعام في مخازن ومستودعات، وبعض أنواع النمل يقيم الحدائق، ويزرع النباتات ليتغذى عليها، وبعض أنواعه يحتفظ بمواشٍ خاصة به حيث يحلب رحيقاً خاصاً في بطونها . والنمل يشن الحروب على قبائل النمل الأخرى، ويأخذ الأسرى من النمل المهزوم ويسخره لخدمته، وبعض أنواعه يستأنس حشرات أخرى في أوكاره للاستفادة منها، ويصل عدد أنواع النمل إلى نحو 10000 نوع في العالم، وفي العام 2004 عثر علماء الآثار في البرازيل على ما يمكن تسميته بحق بمدينة النمل السرية، فهي مدينة معقدة في بنائها ويسكنها الملايين من النمل وغيرها من الحشرات، هذه المدينة التي شيّدها نوع من النمل يسمى القاطع للأوراق، تضم طرقاً عامة، وممرات فرعية، وحتى حدائق، ويعتقد أنها موطن لأكبر تجمع للنمل في العالم، قام الخبراء بصب عشرات الأطنان من الأسمنت السائل جداً في الفتحات التي يصنعها النمل كقنوات للتهوية، وذلك لتصليب تلك القنوات وغيرها من التجاويف والممرات والدهاليز والغرف، وقد استغرقت عملية الصب هذه عشرة أيام، وذلك لتعبئة مساحة تبلغ 46،5 متر مربع على عمق ثمانية أمتار تحت سطح الأرض، وبعد شهر واحد بدأ الباحثون بقيادة البروفيسور في علم الأحياء لويز كارلوس فورتي والمتخصص بهذا النوع من العمليات، بالحفر الذي أدى إلى اكتشاف هذه المدينة العظيمة التي وصفوها بأنها أعجوبة سور الصين العظيم لدى النمل بخاصة أنها تضم أكثر من عشرين مليون نملة!

ويعتبر النمل من المخلوقات الخارقة بسبب قدرته العجيبة على التنظيم، فكل نملة يمكنها حمل أثقال حتى خمسين ضعف وزنها وتمشي بها مسافات تقدر بعشرات الكيلومترات، وهي تقوم بهذه العملية بشكل متكرر، وفي ما يتعلق بهذه المتاهة فإنه يقدر أن جماعات النمل قامت بحفر نحو 40 طناً من التراب لعمل مثل هذه الشبكة التي تسمح بتهوية جيدة لمجتمع النمل، وتوفر أقصر الطرق، فهناك طرق رئيسة تربط بين الغرف وطرق جانبية تؤدي إلى دهاليز حيث توجد الحبات الصغيرة، التي جمعها النمل، إضافة إلى حدائق شكلتها الفطريات التي نمت على البقايا الخضراء التي جمعها النمل، والتي تسهم في حماية يرقات النمل، وإذا كان الباحثون قد ضحوا بهذا الكم الهائل من النمل عن طريق الحقن بالأسمنت، فإنهم فعلوا ذلك وهم يعلمون أن هناك ملايين أخرى في قارة أمريكا اللاتينية أي أن عملهم هذا لا يعرض هذا النوع للانقراض .

ويقول الباحث فورتي إن النمل المصمم لهذه المدينة الفائقة في التصميم والنظام يصمم ثاني أعقد المجتمعات في العالم بعد الإنسان، وتحكم هذا النوع من النمل ملكة تقوم بجمع 300 مليون نملة من الذكور قبل أن تنشئ مملكتها، بعدها يقوم النمل الذي خرج من بيض الملكة والذي يختلف دوره باختلاف حجمه، ببناء المدينة وجمع قطع الأوراق الخضراء، وعندما يكبر النمل ويتقدم به العمر، يصبح مسؤولاً عن تنظيف المدينة والتخلص من الفضلات بإلقائها خارج المدينة، وأهم هذه الفضلات هو بعض أنواع الذباب الذي يتطفل على النمل والذي تقوم بزرع بيوضها في رؤوس تلك العاملات، ولذلك يمكن تشبيه تلك العاملات بالجيش الذي يدافع عن المدينة .

ومن وظائف هذا النمل القيام بجمع العلف ضمن النظام التراتبي في مستعمرته، ويمتلك النمل قاطع الأوراق، الذي يحتل المرتبة الوسطى، فكين سفليين حادين كمبضع الجراح، ولكن على امتداد حياته تكلّ شفراته، التي تتخذ شكل حرف (V)، جراء تقطيعه المتكرر لأوراق الشجر إلى شرائح صغيرة، وبدلاً من أن يحيل هذا النمل نفسه إلى التقاعد، فإنه يتحول إلى تأدية دور آخر يتجلى في حمل النباتات الجاهزة إلى العش، حيث يبدأ إنتاج الغذاء، من خلال مراقبة نمل يعيش في بنما، من جنس (cephalotes Atta) أي النمل قاطع الأوراق، توصل روبرت سكوفيلد وفريقه من جامعة أوريغون في الولايات المتحدة إلى أن النمل الذي أصاب شفراته الكلل يستخدم نحو ضعف الطاقة والوقت المستخدمين من قبل رفاقه من ذوي الشفرات الحادة لتقطيع ورقة إلى شرائح صغيرة، ما يدفعه إلى تغيير الوظيفة، ويقول سكوفيلد إنها حياة اجتماعية ربما ليست مألوفة لدينا نحن بنو البشر، فالناس لم يعد في مقدورهم القيام بمهام معينة لايزال في وسعهم تقديم إسهامات قيمة للمجتمع على غرار هذا النوع من النمل! .

مدينة متكاملة

كان على الباحثين البرازيليين أن يقوموا بعد عملية صب الأسمنت بالحفر والتنظيف، ورفع كل التربة لإماطة اللثام عن مكونات هذه المدينة المتكاملة بطرقها وشوارعها وممراتها الجانبية وأماكن التهوية العمودية والغرف المشيدة بنظام مذهل على هيئة عناقيد العنب، والتي يصل عددها إلى أكثر من 8000 غرفة، ومن أكثر الأمور التي أدهشت الباحثين اتصال الغرف في ما بينها على شكل شبكة معقدة توصل إلى أبعد الغرف عن طريق ممرات قصيرة لا يمكن حتى للإنسان أن يفكر فيها، أو أن يتصورها! بل إن ثمة طرقاً بديلة يمكن للنمل استخدامها فيما لو تعرضت الطرق الأصلية لتخريب ما، ريثما يتم إصلاحها! ولم تتوقف دهشة العلماء عند هذا الحد، بل تعدتها إلى الوقوف بذهول أمام نظام التهوية الخارق الذي شيده هذا النمل والذي يسمح بتجديد التهوية بشكل مستمر داخل الأعشاش، هذا الأمر يأتي بحسب رأي العلماء من خلال أعمدة التهوية المرتبطة بالممرات والتي تولد تيارات هوائية ضعيفة بشكل مستمر، لكنها مع الوقت تصبح فعالة جداً وتحدث تياراً هوائياً كما يحدث لو قمنا بفتح نافذتين في المنزل كل في جهة مضادة، ويشير الباحثون إلى أنه لولا هذه الأعمدة لاختنقت هذه التجمعات الهائلة من النمل تحت تأثير ثاني أكسيد الكربون عالي التركيز .

ويتساءل الباحث جاي ثيرولاز مدير البحث العلمي في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمتخصص في هندسة أعشاش النمل: كيف تسنى لهذه المخلوقات التي لا يتجاوز حجم أدمغتها حبة رمل، أن تقوم بهذا الإنجاز المعماري الهندسي عالي المستوى الذي لا يمكن للإنسان نفسه أن ينجزه بخاصة إذا ما علمنا أن عمل النملة ربما لا يتجاوز عملية حفر الممر وتقطيع الورقة ثم حملها ونقل المخلفات الأخرى، بمعنى أن كل نملة لها وظيفة معينة لا تتجاوزها! وربما كان على هذا الباحث أن يقرأ ما جاء في القرآن الكريم عن هذا الأمر عله لا يصاب بهذه الدهشة ويعلم حينها أن تصرفات هذه الكائنات الصغيرة التي تعمل معاً كدماغ واحد هي معجزة كبيرة من الخالق، حيث يقول تعالى: الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (طه الآية 50) . وقول الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (سورة الأنعام: 38) .

ويختم الباحث قوله بنتيجة مفادها أن عمل النمل هذا عبارة عن ذكاء جمعي وليس مجرد تصرف وملكات فردية، فكل نملة تمتلك ما يزيد على 100 ألف خلية عصبية، وكل هذه الأعمال مسجلة في خلاياها (مقابل المئة مليار خلية عصبية عند الإنسان)، وبالتالي فإن العمل الهندسي هذا ناتج عن عمل جماعي متراص ومنظم بحكمة!

ويضرب الباحث مثالاً على ذلك من عملية حفر الأنفاق، فعندما يشرع النمل في الحفر، فإنه يعين مدخل النفق بمادة كيميائية تسمى بالفرومون، وهذه المادة تمكّن بقية النمل من التواصل بين بعضه بعضاً على الرغم من أن المعلومات المشفرة في هذه المواد بدائية للغاية .

ويعمل هذا الفيرومون على جذب النملات العاملات من أجل الشروع في فتح الدهليز، ولكن هل تكفي هذه المادة للقيام بمشروع يتزايد مع الوقت ليصل إلى الحجم الذي كشف عنه الباحثون؟

في هذا الصدد يقول الباحث جاي ثيرولاز: يبدأ العمل على النحو الآتي إذا تشرع إحدى النملات في الحفر وفي هذه اللحظة تضع بضع قطرات من الفيرومون وراءها، الأمر الذي يؤدي إلى جذب نملة أخرى ثم تشرع هذه النملة بوضع بضع قطرات بدورها أيضاً لجذب نملة مجاورة جديدة وهلمّ جرّا . ونتيجة لهذا السلوك الفطري تصبح رائحة الدهليز قوية للغاية وهو ما يسهم في جذب المزيد من العاملات إلى المكان للمشاركة في عملية الحفر وتفريغ النفق حتى ولو كانت العاملات يشاركن في حفر نفق مجاور! ولكن في أي لحظة يقرر النمل إنشاء أنفاق جديدة ثانوية وغرف جديدة مزودة بأبراج للتهوية؟ يشير الباحث ثيرولاز إلى أنه استناداً لسلوك نوع من النمل يسمى (messor sancta) وهو نوع تسهل تربيته في المختبرات، فإن هذه الحشرات تتأثر بعدد الأفراد الموجودين في الأنفاق وعندما يلاحظ الجمع أن الأنفاق باتت مزدحمة وأنه أصبح من الصعوبة بمكان الاستمرار في العمل فإنهم يشرعون على الفور بحفر نفق متفرع لتخفيف الضغط على النفق الرئيس حتى يتمكن عدد كبير من النمل من التحرر من ضغط المكان من خلال نفق ثانوي إلى أن تتشكل في النهاية غرف جديدة فرعية تستوعب الأعداد المتزايدة من النمل، وبهذا الشكل يعمل النمل على زيادة عدد الغرف خوفاً من الازدحام والموت اختناقاً داخل الأنفاق تحت الأرضية!

سر أبراج التهوية

تعتبر أبراج التهوية أمراً ضرورياً ومحورياً في عملية حفر الأنفاق تحت الأرضية وهي تنتج بحسب آراء العلماء كرد فعل لازدياد كمية ثاني أكسيد الكربون داخل الدهاليز والممرات المحفورة، فالنمل يشرع على الفور في تشييد أبراج التهوية، وإلا فإن المستعمرة برمتها يمكن أن تتعرض لخطر الاختناق والفناء، ويعتقد الباحثون المتخصصون بعالم النمل أن هذه الحشرات عندما تلاحظ ازدياداً في كمية ثاني أكسيد الكربون يتجاوز حداً معيناً فإن ملكاتها الفطرية تشير عليها بالمسارعة في بناء أبراج للتهوية لتجديد الهواء، ويشير الباحث ثيرولاز إلى أن هذا السلوك يوجد لدى حيوانات أخرى مثل كلاب البراري وأنواع من القوارض (المَرْموط) .

وعندما ندقق النظر في هذه المدن تحت الأرضية المعقدة، فإننا نجد أنها نتيجة لسلسلة كبيرة من التقاطعات البسيطة جداً التي أوجدها النمل جراء امتلاكه تعليمات فطرية زرعت في خلاياه إلى درجة أن هذه التعليمات المترابطة على شكل سلسلة كبيرة جداً تؤدي إلى اتخاذ قرارات جماعية مقررة مسبقاً، وهو ما أسهم إلى حد بعيد في هيمنة فكرة الذكاء الجماعي عند النمل في القرن الماضي . واليوم يبدو أن هذا السلوك الفطري يشغل بال كثير من الباحثين في مجالات عدة مثل البيولوجيا، حيث يرى أن هؤلاء مجتمعات النمل ستبقى محاطة بكثير من الغرائب والأسرار لاسيما في موضوع عملها المعقد . أما المهندسون فيستلهمون أعشاشاً لتطوير أنظمة التهوية في العمارات التي يشيدونها، في حين أن مهندسي البروبوتات يرون فيها نموذجاً مثالياً لتشغيل عدد كبير من الروبوتات في آن واحد على غرار العمل الجماعي النابع من سلوك بسيط جداً لدى مجتمعات النمل! وإذا كان هذا شأن هذه الحشرات البسيطة التي غدت نموذجاً يتعلم منه العلماء، أفليس حرياً بنا أن نقول سبحان الله الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى؟