يتداول في الساحة النقدية العربية الآن مصطلح نقد النقد، وهو يشير إلى القراءة المحللة للنص النقدي المنتج، أو هو بمعنى ما قراءة القراءة . في التحقيق التالي حاولنا الاقتراب أكثر من فضاءات هذا المصطلح، واكتشفنا أن معظم الآراء المشاركة قدمت رؤية انتقادية للحالة النقدية العربية في تجلياتها الأدبية على وجه الخصوص، الأمر الذي يؤكد أن المنتج النقدي العربي وبصورة إجمالية يحتاج إلى مراجعة شاملة لا تقتصر على الراهن وحسب، بل تمتد إلى لحظات التأسيس في الثقافة العربية المعاصرة، مراجعة تخبرنا عن وجوه الاتفاق والاختلاف بين مراحل النقد المختلفة ومدارسه وتياراته ومصطلحاته المترجمة والمخترعة اختراعاً . وإلى أي مدى تطابق التنظير مع التطبيق؟ وهل كان النقد يوماً متخلفاً عن الحالة الإبداعية كما هو الحال الآن؟ قضايا عدة وأسئلة ملحة تفرض نفسها على المهموم بالنقد الأدبي ومراجعاته، نرجو أن يكون تعاطينا معها فاتحة لمساءلة ثقافية شاملة يأتي النقد على رأس أولوياتها .
قال الناقد والباحث د . عبدالمعطي سويد: (النص، سواء أكان نصاً شعرياً، أم مسرحياً، أم سرداً قصصياً أم روائياً، أم قطعة موسيقية أم أغنية موجه قبل كل شيء إلى المتلّقي، أو القارئ، أو السامع، وبلغة أخرى إلى الآخر .
هذا الآخر، أو شريحة المتلقين للنص لهم الحرية الكاملة في تذوق، وفهم، ووعي العمل الفني، ولكن هذه الحرية يُطلب أن يضبطها العقل المبدع أو صانع النص، ويوجهها نحو تنمية الذائقة الجمالية، وتعميق المستوى الفكري لدى الآخر أو المتلقي، وضمن هذه القاعدة البسيطة التي لا يجهلها المبدع، ولا الناقد، نقيّم أو نرى من خلالها العمل الأدبي، وعندما يكون الفن راقياً، أو هابطاِ، فهو تعبير عن حالة ثقافية تعيشها المجتمعات .
والواقع، أن الكثرة المطلقة من المتلقين للعمل الفني تقف عند البحث عن: المتعة الجمالية، وتسعى إلى تغذية الحس الجمالي، وهي تتلقى النص، وقد تكون غير معنية بالبحث عن الفكرة أو ثقافة المبدع، أو سياق العمل الفني، أو خلفية المبدع، السيكولوجية، والمعرفية، والاجتماعية والتاريخية، وقد لا يسعف النقد الأدبي الكلاسيكي القارئ أو المتلقي في مساعدته للخوض في هذه الخلفيات المذكورة، لذلك فقد تم، ومنذ ربع قرن تقريباً تجاوز النقد الأدبي (التراثي) المعروف لدى المتأدبين العرب كنقد العمدة أو الصناعتين أو سر الفصاحة وغير هذه المرجعيات النقدية العربية .
لقد أخذت تنصّب الاتجاهات النقدية الأدبية منذ تلك الفترة وحتى اليوم نحو نمط جديد من النقد، ونقد النقد لقد نشر كاتب هذه السطور عام 1994 كتاباً: في (دراسات في التفكير العربي - القاع الشعري، وجاء في الصفحة الأولى من الكتاب تعليقاً على مقولة العرب السائرة في مختلف الأوساط بأن الشعر ديوان العرب، والتي فهمها صاحب الكتاب المذكور بأنها تعني الفضاء الفكري وباعتبار أن الشعر كان عند العرب طريقة في التفكير، فدراسات المؤلف لم تكن نقداً أدبياً بالمعنى التقليدي المألوف، بل كانت ترمي إلى تحليل المضمون الفكري للعمل الشعري، ومحاولة للكشف عن الغطاء - الشعري- الوجداني للتفكير أو الثقافة العربية، حيث إن (البيان) هو النمط الفكري - المعرفي في الثقافة العربية على حد تعبير الدكتور الجابري .
ثم جاءت في بداية العام 2000 المحطة المهمة في ممارسة النقد الحديث أعني نشر الدكتور: عبدالله الغذامي (النقد الثقافي) عام ،2000 وخلاصة محاولة الغذامي، تقوم على التركيز في النقد (الأدبي) على السياقات التي تؤطر العمل الأدبي، كسياق النطق (الكلمة) وسياق الثقافة وسياق الإشارة، مادة النص، أو ميدانه، (ص135 - 143) إذ إن النص المقروء كما يقول المؤلف هو شبكة معقدة من السياقات المتداخلة، وليس بالضرورة أن يعيها كاتب النص، وهو على الأغلب لا يعيها، ولا القارئ العادي، وإن تفكيك هذه الشبكة يقع على عاتق الناقد، والمفترض أن يكون مجنداً بآلية نقد عصرية تتخللها طريقة علمية في النقد، إضافة إلى الاطلاع على العلوم الإنسانية - والاجتماعية، والفلسفة، والتاريخ الفكري، والسياسي، الاقليمي والدولي، كي يوضع العمل الفني في هذا الإطار الشامل، وموضعة الكاتب ونصه وبسط هذه الأجواء، أو السياقات الثقافية، ونحن نميل إلى نظرية الغذامي في النقد .
والمحطة الأخيرة، في النقد - الأدبي أو الثقافي تتجسد في عالم اليوم الذي يعيش تغيرات متسارعة، وجذرية في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة ما يدفعنا إلى تغيير نمط تفكيرتا الناقد، بداهة وطواعية وفي ضوء التغييرات الجارية، فنحن نعيش في أجواء من المطالب الاجتماعية والسياسية التي تتركز في التنوع والتعددية، والمطالب الإنسانية، والعيش المشترك بين المتناقضات ولم نعد نقرأ أي حدث أمامنا، قراءة واحدة .
إن ما يجري في بلدان (الربيع العربي)، هو نص بامتياز يُلهم الراغبين في صناعة العمل الابداعي، ويُلهم أيضاً النقاد في البحث عن آليات ثورية في فهم وتحليل وتفسير، ووعي العمل - الفني - أو النص، وحبذا لو تكون الآلية الثورية الجديدة في النقد خاضعة لضوابط العقلانية، والروح العلمية .
وقال د . أحمد الزعبي: إذا كان مصطلح نقد النقد يُعنى بالناقد من حيث دراساته النظرية أو التطبيقية للنص الأدبي، فإن فوضى المصطلح وإساءة فهمه وخلل تطبيقه قد أفقده الرؤية الفلسفية والفكرية والجمالية التي نشأ وأسس من أجلها .
فمنذ العصور القديمة، وفي كل آداب الدنيا كان النقاد يتعرضون لنقاد سبقوهم فيتفقون مع رؤاهم وتحليلاتهم وتنظيراتهم للنصوص الإبداعية ومفاهيمهم النقدية، أو يختلفون معهم في هذه الرؤى والمفاهيم، واستمرت هذه العلاقة الحتمية بين المبدع والناقد، ثم الناقد الذي يليه . . . وهكذا إلى يومنا هذا .
وكانت هذه العلاقة والدراسات المتنوعة اتفاقاً أو اختلافاً، كانت في أغلبها تثري النص الأدبي الإبداعي مثلما تثري المفاهيم النقدية، فتحفز المبدع على التجديد وتلافي الهنات في كتاباته، كما تحفز الناقد على تطوير أدواته النقدية والاستفادة من الرأي الآخر أو النقد الذي يتعارض مع رؤيته أو فهمه أو تحليله للنص الإبداعي أو النقدي .
ومع انفتاح الإبداع والنقد في عصرنا على حقول المعارف المختلفة ومجالات النشاط العقلي البشري في العلوم والإنسانيات، اختلط الحابل بالنابل، واختلط الأدب والنقد والإبداع بعلوم الفيزياء والرياضيات والفلسفات واللسانيات والبنيويات والسيميائيات إلى غير ذلك من خلط هجين بين ما يصح ومالا يصح في العملية الأدبية التي لها مجالاتها المرتبطة بالموهبة والإبداع والخيال . . إلى غير ذلك .
من هذا الخلط تحول النص الأدبي والنص النقدي إلى رموز وإشارات وإحصاءات ولوغرتمات أخرجت الأدب والنقد من طبيعته ودوره الفكري والجمالي الذي يعتمد على الارتقاء بالإنسان نحو الكمال والنقاء والسمو، وأمثلة ذلك كثيرة شائعة في نصوص أدبية كثيرة، ليس فيها من الأدب شيء، وفي نصوص نقدية، ليس فيها من النقد الذي يكشف مواطن الجمال والقوة أو الضعف في النص الأدبي شيء أيضاً .
وطال هذا الخلط مصطلح نقد النقد الذي جاء استجابة لتعدد القراءات في النص الأدبي، ولاختلاف المفاهيم في تفسير النظريات النقدية، وكل هذا يصب في إثراء النص والنقد لأن تعدد القراءات ورصد زوايا النظريات النقدية من وجهات نظر عديدة، لابد أن يكشف مواطن القوة أو الضعف أو الإبداع أو الإقناع أو المنطق أو الجمال في النص الأدبي أو النص النقدي .
الفوضى التي اجتاحت مفهوم نقد النقد في الدراسات المعاصرة أنه أخذ على مآخذ الاختلاف ليس لأي مفهوم فكري ولا لأية قيمة جمالية، فإذا قال ناقد أن (بيكيت) زعيم مدرسة اللامعقول يستحق جائزة نوبل مثلاً بعد مسرحيته (بانتظار غودو)، فإن ناقداً آخر يرد أنه لا يساوي شيئاً . وإذا قال ناقد إن أدونيس كان رائد الحداثة والتجديد في الشعر المعاصر والنقد المعاصر رد عليه آخر بأنه (لايفهم شيئاً)، ولا يساوي شيئاً . . وهكذا، وبالتأكيد هذا ليس المقصود بالنقد على النقد أو نقد النقد، وإنما هو عبث أو جدل أخرج الأدب والنقد عن مجالهما .
ثمة خلط آخر شاع وذاع في مفهوم نقد النقد وهو أن يهاجم الناقد ناقداً آخر درس شوقي مثلاً أو نجيب محفوظ أو محمود درويش أو شكسبير دراسة فنية أو نفسية . . .،إذ يبدأ الهجوم بالقول: بأن الناقد الأول لم يتوقف عند (الحنين إلى الوطن)، عند شوقي، ولا منع نشر (أولاد حارتنا) عند نجيب محفوظ، ولا (خروج محمود درويش) من الأرض المحتلة، ولا كراهية شكسبير لكل من هو غير إنجليزي . . . وهكذا . . . كأنه لا علاقة له بموضوع النقد الذي يفترض أن يقتصر على جانب معين لدى الكاتب الذي يدرسه، وهو أمر يسيء للناقد نفسه أولاً وللقارئ ثانياً وللمنظومة الأدبية والفكرية ثالثاً .
وأخيراً، فإن الناقد المعاصر الواعي المتميز يدرك وظيفة النقد الجمالية والفكرية والاجتماعية إدراكاً عميقاً ومسؤولاً، ويتعامل مع سابقيه من النقاد أو معاصريه تعاملاً فكرياً أو أدبياً أو جمالياً، ولا يسقط في هوّة الصراعات الضيقة المعروفة ولا يقبل أن يتحوّل (نقد النقد) عنده إلى حالة ذاتية/ شخصية /تناحرية /إيديولوجية/ عرقي .
الناقدة أ . زينب عيسى الياسي تقول: إن مصطلح نقد النقد من المصطلحات الحديثة التي أفرزتها ترجمة الناقد سامي سويدان لكتاب تودروف تحت عنوان نقد النقد، بينما كانت الممارسات النقدية مشرقاً ومغرباً تتم دون إدراج نشاطها خلف نقد النقد على وجه صريح، بل كان الاهتمام مرتكزاً إلى العملية النقدية بعيداً عن مسمياتها الخارجية، واشتغال الناقد بالأساس كان متجهاً إلى التنظير للأدب من حيث آلياته ومقوّماته وضوابطه، وبموازاته تحليل الإبداع العربي، وكشف كوامنه وجمالياته المضمرة .
إنّ نقد النقد في أوضح تعريفاته هو الفعل النقدي القائم على فعل نقدي آخر أو هو تلك الكتب النقدية التي ألّفها أصحابها لتحليل كتب نقدية أخرى بحيث تتم قراءة الخطاب النقدي بقراءة نقدية تالية، فالنقد تتوجه بوصلته هنا إلى النقد وليس إلى العمل الأدبي والإبداعي، من هنا يمكننا القول أن نقد النقد هو القراءة المتجهة إلى قراءة القراءة .
من خلال هذا التعريف نستجلي أن الخطاب النقدي، جعل من النقد نفسه موضوعاً للتفكير والتحليل والتفنيد، رغم أن نقد النقد لا يزال مشروعاً تتضافر اجتهادات نظرية من أجل بلورته ككيان معرفي، وحقل ابستمولوجي في العلوم الإنسانية .
إنّ بلورة نقد النقد وفق قواعد علمية سيفضي إلى عدد من الإيجابيات التي تخدم المعرفة الإنسانية، وفي مقدمة إيجابيات نقد النقد المرتقبة:
1- كشف وإبراز وإيضاح نظريات نقدية تخللها الكثير من الغموض والإبهام بسبب عدم الحفر المعرفي في التأويلات الفكرية والفلسفية لنظرية وأخرى .
2- معالجة العديد من الإشكاليات كإشكالية المصطلح النقدي وبشكل خاص بعد انتشار الترجمات وتعددها للمصطلح الواحد، ما أدى إلى أزمة كبيرة في تحديد المصطلح الأدق والأعمق للمعنى .
3- إنّ نقد النقد سيفرز صنفين من النقّاد: صنف يتوجه بأدواته المعرفية نحو الإبداع على اختلافه، وصنفٌ يتوجه بأدواته نحو المنجز النقدي المقدّم حول الإبداع الأدبي، وهذا الصنف الأخير يتطلّب ناقداً ضليعاً في المدارس النقدية ونظرياتها وآراء نقادها، وممتلكاً لزمام النظرية وتفنيداتها وآلياتها ومقوّمات نهوضها أو تساقطها بحيث يتمكن من إضافة وعي جديد بالنظرية .
هذه الإيجابية قد تُسهم في بذر نواة إشراقة معرفية تؤسس لنظرية أو مفهوم يضع لبنة في بناء المعرفة الإنسانية، وهنا سيخرج الناقد من حيّز التبعية والاجترار للنظريات السابقة إلى فضاء الإسهام في البناء والصياغة للمعرفة الإنسانية .
إن نقد النقد رغم الدراسات الحديثة المتجهة إليه، يعدّ حراكاً فاعلاً ينهض بالخطاب الفكري والمعرفي ومن ثم توليد نظريات جديدة تخدم الإنسانية، وبموازاته يعيد تشكيل نظريات وقواعد معرفية وفق نمط قرائي جديد، وبالتالي سيؤدي إلى قراءة العلوم بشكل عام وقراءة الأدب بشكل خاص، وفق قواعد متجددة ستمنح الانتعاش للمعارف الإنسانية جلها .
الناقد والأكاديمي الأردني د . سليمان الأزرعي، أكد أهمية انتهاج نقد النقد المبني على أسس علمية دقيقة بما يكفل تفنيد المطروح ونسف نسبة كبيرة مما يدرج ضمن النقد من دون تقديمه رصداً واقعياً وسليماً وحيادياً في مختلف مجالات الأدب والفنون .
وقال: لا يوجد نقد كامل، وإنما هناك كتابات نقدية منقوصة يأتي دور نقد النقد جهة تصويبها وتدارك هفواتها، ويكون في المستوى الثاني لعملية النقد الأولى التي تترواح بين سطح النص وأعماقه، وقال: إن مهمة نقد النقد تنصب عادة على التنظير بصورة مكثفة ويفترض أن يتولاها بعض الأكاديميين اعتماداً على دراسات متخصصة، لكن هؤلاء يلوذون غالباً في أبراج عاجية ويبتعدون عن ذلك بعدما انصرفوا عن مراجعة قيمة ما يجري تناوله من نتاجات معاصرة، وانحسرت اهتماماتهم في بحوث استفاضت في استعراض الأدب العربي والعالمي، وما يرتبط بدعم مسؤولياتهم المهنية ودرجات ترقيتهم، وهذا أسهم في تفشي كتابات نقدية لا يجري نقدها وهي أحوج إلى ذلك وربما يجب إقصاء استمرارها على الساحة .
وتابع الأزرعي: لا مبرر لهذا الترفع والابتعاد وعدم الانتباه أو الانتباه مع التجاهل للممارسات النقدية، وحتى حال أراد هؤلاء العودة وتفنيد ما يطرح لن يفيدونا كثيراً، ولن يقدموا إسهامات كبيرة بعدما فصلتهم مسافات واسعة عن الساحة وعاشوا تغريباً طويلاً في زمانه عن مداخل الحصاد الأدبي .
وأضاف: لاشك في أن إتقان نقد النقد على أصوله من شأنه كشف زيف ورغاء وخواء كثير مما ينسب إلى النقد ومواجهة العدائية والشخصنة والمجاملات الفارغة والشللية المفرطة وضعف البناء النقدي والتصفيات والمناكفات والاحتفائية المبالغة وغيرها من تفاصيل تنطوي ضمن هذا النوع الأدبي والفني وهو منها براء .
ورأى الأزرعي أن مفهوم نقد النقد السليم والراقي محدود التطبيق عربياً، وكان تحقق بصورة أو بأخرى في كتابات محمد مندور، وطه حسين، ومحمود أمين العالم، وغالب شكري، وإدوارد سعيد، مؤكداً أن افتقاده ضمن فعالية شمولية متواصلة يظهر غياباً ملموساً في هذا السياق، فيما اعتبر جميع محاولات التصويب والتصحيح تستحق التقدير .
ورأى رئيس رابطة التشكيليين الأردنيين الناقد غازي نعيم أن قراءة متأنية لما يكتب تحت مسمى النقد كفيلة بإظهار حاجة أغلبيته إلى مقصلة نتيجة ضربها بالأصول النقدية عرض الحائط وعدم التزامها المنهج الصحيح وانحيازها صوب الوصف والانطباعية والتشدق بكلمات الإعجاب الخادعة من دون تقديم تفكيك وتحليل حيادي ومنطقي للمادة الأدبية والفنية .
وقال نعيم: هناك من نصبوا أنفسم نقاداً وهم يكتفون بسرد عموميات دارجة بعيداً عن إبراز الجوانب السلبية والإيجابية وفق أسس مهنية ويستفيضون في شرح الفوارق بين المدارس الفنية بصورة بديهية، فيما بعضهم لا يعرفون شيئاً عن إصدارات وملاحق ومعارض متخصصة يفترض عليهم متابعتها تفصيلياً للإلمام بالحركة الإبداعية قبل التعليق والتعقيب والتوضيح .
وأضاف: إن تطبيق نقد النقد حال أتيحت المساحات الإعلامية والملتقيات الفكرية ذات الشأن سيثبت على الملأ أن أكثر من 90% مما يكتب اليوم لا علاقة له بالنقد الحقيقي إطلاقاً، فضلاً عن كشفه تعمد بعض من يزعمون إجادة النقد استثناء تجارب مهمة لأسباب بعيدة عن الموضوعية .
يقول الناقد الدكتور محمد ولد عبدي: لا شك أن الخطاب النقدي في تعريفه البديهي خطاب على خطاب، إذ هو يحقق شرط وجوده لغة واصفة، بقدر ما تسبر النص الإبداعي الذي تعاينه تحقق هي ذاتها وجودها المستقل نصاً وإبداعاً ينادي على نفسه، وإذا حقق الخطاب النقدي شرطه هذا، فإنه ليس بمنأى عن أن يكون هو نفسه موضوعاً للمساءلة والتحليل والتأويل، لأنه ما لم تتم مراجعته وإحراجه بالأسئلة الصعبة حول أدواته المنهجية وأسسه الفكرية، فإنه لا شك سوف يركن إلى المجهود الأدنى في مواكبة النص الأول، أعني النص الإبداعي، ولعل الخطاب النقدي العربي المعاصر هو في أمسّ الحاجة إلى هذه المراجعة لإبراز مدى قدرته على التجدد والتجاوز والإبداع المستمر سواء على مستوى المصطلح أو على مستوى الرؤية أو على مستوى المنهج .
إن ما يمر به الخطاب النقدي العربي المعاصر من نمطية وترهل وركون إلى التنظير دون التطبيق ناتج في الأساس عن شعور أصحاب ذلك الخطاب بغياب هذه المساءلة، فهم يحسبون أنفسهم في مفازة من النقد وأن أحكامهم مطلقة ورؤاهم ثلج اليقين، وذلك وهم كبير لأن الأحكام النقدية نسبية، وقابلة للخطأ، وقد ساعدهم على ذلك الوهم غياب القارئ الناقد القادر على وضع ما يقرأه تحت مبضع المساءلة .
إن غياب نقد النقد في الأدب يتصل ببنية أكبر من ذلك هي بنية العقل العربي الذي لا يكاد ينعكس على نفسه فيسائلها ويراجعها، رغم أنه ظهرت في الوطن العربي منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي محاولات فردية هنا وهناك لإقامة منهج للنقد يسائل العقل ويفكك خطاباته، لكنها في معظمها لم تكن سوى تطبيق لمناهج مستوردة قصد التأكيد من قدرتها الإجرائية، ولم تكن توليداً ذاتياً ينعكس فيه العقل على العقل، ويقوم فيه النقد بمساءلة النقد، وهو شرط أحسبه ضرورياً لكل إنتاج يراكم المعرفة ويؤسس لمستقبل في ظل حضارة إنسانية شاملة، ووجود أمة ما مشروط بمدى إسهامها في صنع تلك الحضارة .