بعض الرجال يرون أن ليس لزوجاتهم حقوق عليهم سوى النفقة والإعفاف وتوفير المتطلبات المادية، وتناسوا تماما أن لهن حقوقا أخرى معنوية على أزواجهن، مثل أن يحافظوا على مشاعرهن ويروحوا عنهن حتى يستطعن أن يؤدين واجباتهن على أكمل وجه.
والحقيقة تؤكد أن هذا الحق ليس مطالبا به الزوج فقط بل إن الزوجة أيضا مطالبة بالمحافظة على مشاعر زوجها وتوفير جو المرح والاستقرار داخل البيت.
الدكتور مبروك عطية الأستاذ في جامعة الأزهر يؤكد أن كلا الزوجين مطالب بتوفير جو المرح والدعابة في بيت الزوجية، فالحياة ليست كلها جهدا وعملا، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك، فكان ضاحكا باسما في وجه كل المحيطين به خاصة زوجاته. فعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أضحك الناس وأطيبهم نفسا.
والترفيه المباح بين الزوجين يكون غير خادش للحياء ولا يزعج الجيران ولا يميت القلوب وليست فيه سخرية ولا غيبة ولا عيب في أحد، لكنه يجدد النشاط ويقضي على الرتابة والملل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: روحوا القلوب ساعة فساعة.
ويضيف: وكان الرسول عليه الصلاة والسالم يداعب زوجاته ويمازحهن فامتلأت بيوته- صلى الله عليه وسلم بالمرح والسعادة، فعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، قالت فسابقته فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، قال: هذه بتلك.
وعنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الصبية يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم (أمل) فاقدروا قدر الجارية (أي الزوجة) حديثة السن، الحريصة على اللهو.
ويشير د. مبروك عطية إلى أن المحافظة على شعور الزوجة تصلح من عيوبها وتجعلها زوجة صالحة ومطيعة، ويقول: الزوج الصالح هو الذي يصون لسانه عن رمي زوجته بالعيوب التي تكره أن تعاب بها، سواء أكانت خلقية لا تملك من أمر تغييرها شيئا كدمامة وقصر أو كانت خلقية لها دخول بها كتباطؤ في إنجاز العمل أو ثرثرة، فالله سبحانه وتعالى نهى عن السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب والسباب. والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يخص المرأة: ولا تضرب الوجه ولا تقبح.
ويحذر د. عطية الأزواج من الاشمئزاز من الزوجة وإظهار النفور منها، فكما أن فيها عيوبا فيها محاسن ينبغي ألا تغفل، والله سبحانه وتعالى يقول: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيها خيرا كثيرا.
سنة عن النبي
الدكتور علي السبكي أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر يرى أن الزوجة حينما تنتقل من بيت أسرتها تشعر بغربة لأنها تكون قد ابتعدت عن والديها والجو الذي ألفته، وهي في هذا الوقت أحوج ما تكون إلى زوج يعوضها ويهيئ نفسيتها لتحمل أعباء الحياة الزوجية التي تصبح مكلفة بها.
ويقول: المزاح مع الزوجة وملاطفتها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أنه كان يلاطف عائشة رضي الله عنها وهي البكر صغيرة السن بالطعام والشراب في موضع فمها ويقبلها ويرتاح في حجرها، وقال عليه الصلاة والسلام: إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله.
ويشير د. علي السبكي إلى أن لهو الرجل مع زوجته لا يكون عبثا، فقد قال الرسول- صلى الله عليه وسلم: كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه وتأديبه لفرسه وملاعبته لامرأته، فإنهن من الحق.
ويرى د.السبكي أن أهم سبل الترويح عن الزوجة بسبب الأعباء المنزلية والزوجية التي تنهك قواها طوال اليوم، أن يبيت زوجها معها في فراش واحد أو على الأقل في غرفة واحدة لأن ذلك يؤنسها ويديم المحبة والقرب بينهما وكذلك عدم السهر في الخارج أو البعد عنها ما لم تكن هناك ضرورة ملحة، والعودة إلى البيت دائما بابتسامة ومرح وشوق لها ولا مانع من استئذانها في حالة الرغبة في الترويح عن النفس مع الأصدقاء والأقارب من دون اصطحابها معه.
لكن د. السبكي يرى أن الزوج إذا كان مطالبا بالترويج عن الزوجة فهي في المقابل مطالبة بألا تكون زوجة نكدية فتحاول التخفيف عنه من وطأة مسئولياته المنوط بها في العمل والبيت وتهيئ له لحظات المرح وتوفر الجو الهادئ له ليستأنف عمله بنشاط، خاصة في أوقات الإجازات والراحة، ومشاركته وجدانيا في أفراحه وأحزانه وإبعاد الهم عنه ما أمكن، كما فعلت السيدة خديجة رضى الله عنها مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين جاء الوحي لأول مرة، فطمأنته بأن الله لا يخزيه أبدا وأخذته إلى ورقة بن نوفل حتى تبعد الهم عنه ويسكن قلبه.
عنوان للرجولة
أما الدكتورة سعاد صالح أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر فتقول إن من سعادة الأسرة أن يتجاوب الزوج مع زوجته في رعاية مشاعرها وأن يسايرها في الاهتمام بهواياتها المباحة ويشاركها في لهوها ولعبها، ما كان ذلك مباحا، وما دام لا يشغل عن عبادة ولا يبعد عن طاعة.
وتقول: كما ينبغي أن ينمي في نفسه صفات الفكاهة والمرح في بيته في بعض الأحيان وبخاصة مع زوجته لإدخال السرور عليها وتقوية أواصر المحبة والمودة بينهما.
ولضرورة هذا التجاوب جعله الإسلام حقا للزوجة على زوجها، وقد ضرب الرسول الكريم المثل والقدوة في هذا لتسعد أسرته وليبين أن الإسلام دين يسر وحب وصفاء وفيه نسمة للهو والمرح المباح، تجديدا للحياة وإدخالا للسرور.
وتضيف: وليعلم المسلمون أن مسايرة الزوجة في هواياتها المباحة هي عنوان الرجولة الحق، وأن الحياة بين الزوجين ليست معاشرة جنسية فقط، وإنما هي امتزاج روحي وعاطفي ومشاركة فعالة في كل جوانب الحياة.
ارتقاء فوق المشكلات
الدكتورة سميرة يوسف أستاذ الصحة النفسية في كلية التربية جامعة عين شمس تشير إلى أن الحياة الزوجية تمر بمنعطفات كثيرة، فمن ظروف الحياة ومعاناتها إلى خلافات وصولا إلى تربية الأبناء ومتلطباتهم مما يجعلها تتحول لدى بعض الأزواج إلى روتين يومي ممل، خال من المشاعر والعواطف تجاه الزوجة والأبناء، وتقول: ويعتبر الترويح عن الزوجة أهم الأساليب التي تؤدي إلى حل المشكلات في العلاقات الزوجية؛ فعندما يشعر أحد الزوجين أو كلاهما بأن الحياة الزوجية تمر في مرحلة حرجة وخطرة يجب أن يبادر كل منهما بالارتقاء فوق المشكلات وعدم الخوض فيها أو في مسبباتها والخروج من هذا الجو المشحون بالترفيه عن النفس بالخروج في نزهة أو السفر لمكان هادئ لكي يستمتعا بالصفاء الذهني والنفسي.
وتنصح د. سميرة يوسف الأزواج بتفهم الزوجة وطبيعة التكوين النفسي بالمرأة عامة والتي تجعلها عرضة لتوتر العلاقة بينهما والإصابة بالاكتئاب. لذلك فإن الزوج الذي لا يتفهم طبيعة زوجته واحتياجاتها النفسية يجد نفسه في نكد مستمر.
وتنبه د. سميرة يوسف الأزواج إلى الفترات الحرجة التي تمر بها المرأة بشكل مستمر، مثل فترة الحيض وفترة ما بعد الولادة وفترة انقطاع الطمث؛ إذ تكون المرأة ضعيفة وهشة نفسيا وجسمانيا ليس لديها أي حماس لإنجاز أي فعل، ومن هنا فهي أحوج ما تكون في تلك الفترة للدعم النفسي خاصة من الزوج والأبناء ولابد أن يتفهم كل زوج طبيعة ما تعانيه زوجته خلال هذه الفترات فيترفع عن النرجسية ولا يعتبر بعض أقوالها أو أفعالها متعمدة لإغضابه.
وتنبه الدكتورة هبة العيسوي أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، إلى أن إهمال الزوج حق زوجته في الترويح وقضاء أوقات بعيدة عن الأعباء والخلافات والمسؤوليات قد يؤدي إلى زيادة حدة الخلافات والمشكلات وقد ينتهي الأمر بانفصالهما عن بعضهما، والسبب في ذلك ليس المشكلات الحادة ولكن بسبب تجمد مشاعرهما وعدم وجود لحظات سعادة وحب بينهما.
وتشير د.هبة العيسوي إلى أن اليد الحانية من الزوج والكلمة الحلوة وإبداء مشاعر الحب، كفيل بإذابة أي خلافات بينهما والاعتذار أيضا ينسي الزوجة أي شيء قد يبدر من زوجها.