تتنوع المغامرات التي تستهوي روح الشباب وهواة المغامرة، مثل تسلق الجبال، والتزلج عبر المناطق الجليدية المتجمدة أو اجتياز الغابات، والسفر عبر الصحارى المجهولة للتعرف إلى أماكن وشعوب وعادات وتقاليد جديدة، لكن يبقى الإبحار حول العالم أقدم شكل للمغامرات في التاريخ .

أصبح ظاهرة لافتة للنظر وجود عدد كبير من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين ال14 وال16 عاماً يجوبون البحار بقوارب صغيرة منفردين، وعلى الرغم من النجاح الذي صادف الكثيرين منهم، وغدوا أحاديث العالم، ومصدر إلهام لآخرين، فإن منع القضاء الهولندي المراهقة لاري ديكر 13 عاماً من الإبحار بمفردها في جولة حول العالم حرصاً على سلامتها، ربما يضع بعض الحدود أمام هذه المغامرات غير المأمونة العواقب ويسلط الضوء على حدود المخاطر التي يمكن أن يضع فيها الشباب أنفسهم، ويعطي إفادات للكثيرين الذين يطمحون إلى تحدي الذات وخوض الصعاب، بضرورة التفكير ملياً في ما يرغبون في القيام به .

كان المراهق البريطاني مايكل بيرهام قد سجل عام 2006 في موسوعة جينيس للأرقام القياسية على انه اصغر إنسان يبحر عبر المحيط الأطلسي بمفرده، عندما أتم وهو في الرابعة عشرة من عمره رحلة لمدة ستة أسابيع، قطع خلالها 3500 ميل محارباً أمواجاً عاتية، وأعاصير مدارية، وأسماك قرش جائعة، وانتزع بذلك الرقم السابق المسجل باسم المراهق سيب كلوفر الذي تمكن العام 2003 من عبور الأطلسي وهو في الخامسة عشرة . وخصص بيرهام الأموال التي جمعها لصالح مؤسسة أطفال في حاجة ومؤسسة RYA سايل آبيليتي التي تدعم فرص الإبحار للمعاقين غير القادرين .

أعاد بيرهام التحدي من جديد بعد مرور أربع سنوات، وأصبح عمره الآن الثامنة عشرة، ليبحر مع المغامر الأسترالي دون ماكنتير واثنين من البحارة بقارب تقليدي يشبه ذلك المستخدم من القرن الثامن عشر، ليقوم بنفس رحلة الكابتن ويليام بيلي الشهير نفسها على متن السفينة بونتي .

اختار بيرهام يوم الثامن والعشرين من ابريل/ نيسان ليوافق الذكرى ال221 للرحلة الشهيرة التي قام بها الكابتن ويليام مع بحارته في قاربهم الصغير، بعد التمرد الذي قاده فليتشير كريستيان على متن السفينة بونتي، ووصل بهم إلى بر الأمان من جزيرة تونجا وحتى كوبانج في تيمور الشرقية، في رحلة استغرقت سبعة أسابيع أبحر خلالها 3700 ميل بقارب حمولته زائدة وتنقصه المؤن الغذائية، ويسجل واحدة من أشهر المغامرات البحرية في التاريخ .

أما بيرهام فسينفذ الرحلة في الظروف نفسها تماماً من دون خرائط، ومواد غذائية قليلة للغاية، وسيكون الاعتماد الرئيسي على قطع البسكويت المحمص، والمياه التي سيتناولها أعضاء الرحلة الأربعة لن تزيد في الإجمال على لترين يومياً، تحت لهيب أشعة الشمس، بملابس عادية وقبعات شمسية من القماش . ولن يلجأ الفريق إلى استخدام الملاح الآلي إلا في حالات الضرورة القصوى التي قد يتعرضون لها، وتتهدد بقاءهم أحياء .

ويعتزم بيرهام توجيه الأموال التي سينجح بجمعها لصالح دعم معهد أبحاث الأمراض العصبية الحركية في شيفلد .

تحدث بيرهام إلى صحيفة تليجراف البريطانية قبل بدء المغامرة قائلاً أهوى اكتشاف المجهول وتحدي الذات، وتكرار تجربة الكابتن بيلي لن تكون مهمة سهلة، لكنها بالتأكيد مختلفة عن تجربتي الأولى، وأتمنى النجاح، وأكثر شيء سأفتقده هو آي بود، وأكثر ما أخشاه الأمطار الغزيرة، والعطش، وآخر ما أتمناه هو حدوث تمرد مثل الذي حدث على بونتي .

وانشأ بيريهام وأصدقاؤه موقعاً خاصاً على الإنترنت لمتابعة أخبار رحلتهم والتبرع لمعهد شيفلد، www .bountyboat .com .

أما أشهر المراهقين الذين أبحروا في قواربهم منفردين في مغامرات محفوفة بالمخاطر، فكان الأمريكي زاك سندرلاند 17عاماَ الذي أكمل جولة حول العالم قطع خلالها 28 ألف ميل ( 45 ألف كيلومتر ) خلال13 شهراً، واجه خلالها العواصف العاتية، ومخاطر القراصنة الموجودين بأعالي البحار .

كان زاك قد أدخر حوالي 6 الآف دولار حصيلة عمله الصيفي، واقنع والده باستكمال المبلغ اللازم لشراء يخت صغير ينفذ به رحلته حول العالم، غادر زاك من مارينا ديل راي كاليفورنيا في 14 يونيو/ حزيران ،2008 متجهاً نحو المحيط الهادي، واستراليا وجزر مارشال ثم المحيط الهندي وموريشيوس ومدغشقر، ثم رأس الرجاء الصالح، وجنوب إفريقيا ثم غرباً نحو غينيا بابو الجديدة، ثم جزر جالابوس . بعض التوقفات كان بسبب أعطال بالقارب، ولم يكن مخططاً لها، وأخرى كانت لتفادي مخاطر القراصنة .

كان زاك على اتصال دائم بعائلته عبر الأقمار الاصطناعية، واعتمد على الملاح الآلي برحلته الطويلة، وتوقف للقاء والده في عدة محطات كان متفقاً عليها، وحرص خلال رحلته على اصطحاب مواده الدراسية للاستذكار .

اعتمد زاك خلال رحلته على الأغذية المجمده المحفوظة، وعانى قلة النوم، خوفاً من انحراف اليخت عن مساره، وتعرض لهجوم من القراصنة في المحيط الهندي، لكنهم ابتعدوا عن قاربه بعد إطلاقه النيران من مسدسه عليهم، واكتشافهم انه لا يحمل ما يساوي مهاجمته .

يعتزم زاك تكرار التجربة مرة أخرى، بالإبحار حول الدائرة القطبية المتجمدة، إلا إن الرحلة تحتاج إلى قارب بتجهيزات فنيه خاصة، من كاسحة للجليد ونحوه حتى يستطيع إتمام المغامرة وهو ما يعمل على توفيره حالياً قبل الإعلان عن الموعد المغامرة المقبل .

أما المثير في تجارب المراهقين حول العالم، فهو ان شقيقة زاك قامت هي الأخرى بمغامرة من النوع نفسه مطلع العام الحالي عندما بدأت آبي وعمرها 16 عاماً الإبحار من مارينا ديل ري في كاليفورنيا لتسجيل رقم قياسي جديد لأصغر شخص يتم رحلة حول كاب هورن وهو آخر بقعة من الجزء الجنوبي لأمريكا الجنوبية عند جزيرة هورن التشيلية، ويمتد على مساحة طويلة داخل المحيط الهادي، وله جوانب شديدة الانحدار ويتميز بالطقس شديد البرودة والعواصف، ويخشى الملاحون استخدامه، ويفضلون العبور عن طريق قناة بنما، وعلى الرغم من كل هذه المخاطر لم تتوقف عزيمة آبي التي صممت على القيام بالرحلة .

وبدأت أول أيام الرحلة المنفردة في 23 يناير/ كانون الثاني 2010 وبعد ثمانية أيام حدثت للقارب مشاكل تتعلق بامدادت الوقود والطاقة، وخلل في أجهزة قياس سرعة واتجاهات الرياح، فتوقفت الرحلة في كابو سان لو كاس بالمكسيك، واستكملت في 6 فبراير/ شباط عابرة خط الاستواء جنوب المحيط الهادي، وسادت مخاوف كبيرة على فرص نجاتها وبقائها على قيد الحياة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب تشيلي يوم 27 فبراير الماضي بسبب موجات تسونامي التي تبعته ومثلت تهديداً حقيقياً لقاربها، إلا إنها كانت قد عبرت مناطق الخطر، لكنها توقفت عند إحدى الجزر حتى يستقر المحيط، ثم عادت لاستكمال رحلتها في 13 مارس/ آذار ثم عادت للتوقف مرة أخرى بسبب سوء الأحوال الجوية، ثم عادت لاستكمال الرحلة في 21 مارس/ آذار حتى وصلت نهاية الشهر إلى كيب تاون في جنوب إفريقيا .

وعلى الرغم من الوقوف المتكرر للمراهقة الأمريكية، فإن هذا لا يمنع أن تكون آبي أصغر من أكمل الدوران إبحاراً في هذه المنطقة الصعبة من العالم .

وأنهت المراهقة الأسترالية جيسكا واتسون 17 عاماً قبل أيام جولتها البحرية حول العالم منفردة، والتي بدأتها شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من دون أن تحطم الرقم القياسي السابق . وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي واجهتها واتسون في بداية الرحلة، بسبب عدم خبرتها وصغر عمرها خاصة بعد حادث اصطدام يختها (ايلاس بينك ليدي) بناقلة فحم عملاقة خلال عملية إبحار تجريبية بميناء سيدني، مما دفع حكومة ولاية كوينزلاند إلى طلبها التخلي عن المشروع، واتهامها بأنها كانت نائمة وقت التصادم الذي بلغت تكلفة إصلاح خسائره 64 ألف دولار أمريكي، إلا إنها رفضت التراجع عن الرحلة، وأكملت استعدادها الجاد مؤكدة انها استفادت من درس التصادم، وبدأت بالفعل رحلتها وقام بتوديعها عدد من القوارب ورافقها خفر السواحل الحكوميون عند خروجها من ميناء سيدني الذي عادت إليه لتجد في انتظارها استقبالاً مهيباً رغم فشل تجربتها لكسر الرقم القياسي السابق المسجل باسم مواطنها جيس مارتن الذي تمكن من الإبحار حول العالم منفرداً عام 1999 وهو في الثامنة عشرة، برحلة استمرت حوالي 11 شهراً ومنح عام 2003 وسام الشباب من الحكومة الأسترالية .

وعلى الرغم من اعتماد معظم القوارب التي نفذ بها المغامرون رحلاتهم على تجهيزات حديثة، وأجهزة ملاحة آلية، إلا إن هذا لا ينفي المخاطر الكثيرة التي تعرضوا لها .

تجارب متفردة تتحول إلى أعمال توثيقية

كان الأمريكي روبن لي جراهام أول مراهق أمريكي يغامر بالسفر حول العالم بحراً عام ،1965 عندما كان في السادسة عشرة من عمره، حيث خرج بقاربه من جنوب كاليفورنيا، متوجهاً نحو الغرب، لكن رحلته استمرت خمس سنوات تزوج خلالها من باتي راتر التي رافقته في رحلة العودة إلى لوس انجلوس في بداية السبعينات، وسجل رحلته في كتاب بعنوان اليمامة صدر عام ،1972 وتحول إلى فيلم تلفزيوني بالاسم نفسه عام 1974 .

وتعتبر الأمريكية السويسرية تانيا آبي أصغر مراهقة تذهب منفردة برحلة حول العالم وهي في الثامنة عشره أتمتها وهي في الحادية والعشرين، بدأت رحلتها في 28 مايو / أيار ،1985 وأنهتها 6 نوفمبر/ تشرين الثاني ،1987 وتعتبر رحلتها إنجازا حقيقياً، إذ لم تتمتع بأي خبرة سابقة في الملاحة البحرية، وكان قاربها بدائياً يعمل بموجات الراديو، ولم يكن نظام الملاحة المرتبط بالأقمار الاصطناعية قد استحدث بعد، لذا واجهت مخاطر عدة بالبحار، وفقد أثرها أكثر من مرة، حتى استطاعت إثبات ذاتها وتنفيذ الرحلة التي كان هدفها الأول فيها هو إثبات قدراتها لوالدها .

سجلت رحلتها في كتاب مايدن فوياج وأعادت نشره مرة أخرى تحت عنوان كنت أتجول هنا صدر عام ،2005 وتكتب الآن في عدد من مجلات السفر والسياحة .

اكتشاف أماكن مجهولة على الأرض

ثورة على السفينة بونتي واحدة من اشهر المغامرات البحرية بالقرن الثامن عشر، سجلها بطلها الكابتن البريطاني ويليام بيلي، في كتاب سجل فيه يومياته بعد طرده من السفينة وإبحاره عبر قارب صغير مع 18 من بحارته، وكيف نجح في الوصول إلى جزر تيمور الشرقية، بعد سبعة أسابيع قضاها بعرض البحر، يصارع أمواجاً عاتية ودرجة حرارة مرتفعة، ولم يفقد سوى بحار واحد لقي حتفه من التضور جوعاً .

وتخلد القصة بطولة بيلي الذي عمل بحاراً منذ كان في السادسة عشرة من عمره، وكان ضابطاً بحرياً تحت قيادة القبطان الشهير جيمس كوك، واستطاع خلال رحلاته الكثيرة رسم العديد من الخرائط لمناطق جنوب المحيط الهادي، ساهمت بالتعريف بأماكن مجهولة من العالم، وبعد حياة حافلة في الأسطول البريطاني، عين حاكماً لولاية نيو ساوث ويلز في استراليا، وتوفي عام 1817 في بيته الريفي في احدى الضواحي خارج العاصمة البريطانية لندن .