ونحن هنا نقدم نخبة مختارة من النساء الخالدات اللاتي يعتز بهن الإسلام، لنوضح للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها ووطنها وأسرتها، خاصة في هذا الزمن الذي يموج بتحديات ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة عن القيام بدورها الذي رسمه لها دينها الحنيف .
خير الختام . . امرأة عظيمة كرمها الله أعظم تكريم، وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، ونفخ فيها من روحه لتنجب نبياً ورسولاً من الصالحين . وجعلها وابنها آية إلى يوم الدين .
إنها مريم ابنة عمران التي أنزل فيها قرآناً يتلى، يقول سبحانه "إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، إذ قالت امرأة عمران ربّ إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" (آل عمران 33-37) .
قال أصحاب التراجم إنها مريم ابنة عمران أم عيسى عليه السلام يمتد نسبها إلى سليمان بن داود عليهما السلام، وأبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وأمها حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وزكريا نبي ذلك الزمان زوج خالة مريم في قول الجمهور .
يقول المؤرخون: إن أم مريم كانت عاقراً لا تلد، فرأت يوماً طائراً يرزق فرخاً له، فتاقت نفسها للولد، فنذرت لله إن حملت ولداً لتجعلن ولدها محرراً أي صبياً في خدمة بيت المقدس، فحاضت من فورها، فلما طهرت واقعها زوجها فحملت في مريم "عليها السلام" فلما وضعتها جعلتها في خدمة بيت المقدس .
كفالة زكريا
استجاب الله عز وجل لدعاء هذه الأم الصالحة وتقبّل منها نذرها، وحين وضعتها لفتها في خروقها وذهبت بها إلى المسجد الأقصى وسلمتها إلى العباد المقيمين فيه فتنازعوا فيمن يكفلها، وكان زكريا راغباً أشد الرغبة في هذه الكفالة فاتفقوا على أن يقترعوا بأن يلقي كل منهم قلمه، ثم حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلاماً صغيراً فأخرج واحداً منها فكان قلم زكريا . فأعادوا الاقتراع بإلقاء أقلامهم في النهر فمن جرى قلمه على خلاف جريان الماء كانت له كفالتها، فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جريان الماء . فطلبوا الاقتراع مرة ثالثة، بإلقاء أقلامهم في النهر فمن جرى قلمه على سواء جريان الماء كان الفوز من نصيبه فلما فعلوا جاءت القرعة لمصلحة زكريا عليه السلام، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون" (آل عمران 44) .
واختار زكريا لمريم مكانًا قصياً في المسجد، لا يدخله أحد سواه، وفي هذا المكان كانت مريم تعيش تذكر الله، وتتعبده وتقوم بما يجب عليها من الخدمة في وقتها . وكان زكريا رجلاً فقيراً، وكان يعولها في حدود ما تسمح به قدراته غير أن الله عز وجل تكفل بزرق مريم وكان رزقها كريماً واسعاً: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" (آل عمران 37) .
كان زكريا يدخل على مريم في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء، ويدخل عندها في الشتاء فيجد لديها فاكهة الصيف، فكان ذلك من عجائب الله . ومن إعجاب زكريا بأحوالها الكريمة وصفاتها الشريفة تمنى أن يكون له ولد من صلبه وكان قد بلغ من الكبر عتيا: ''قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء" (آل عمران 38) .
بشرى تحملها الملائكة
جاءت البشرى الطيبة لمريم: " . . إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين، قالت ربّ أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون، ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولاً إلى بني إسرائيل أنّي قد جئتكم بآية من ربكم أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين . ومصدقاً لما بين يديّ من التوراة ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" (آل عمران 45-51) .
كانت البشارة متعددة النواحي والأركان فهي بشارة باصطفاء الله عز وجل لها على نساء العالمين، وبشارة بولد وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين .
وتمضي الآيات الكريمات في ذكر صفات هذا النبي ورسالته إلى بني إسرائيل، وذكر المعجزات التي سوف يبعث بها، كما تضمنت بشارة الملائكة أمراً لمريم بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لله رب العالمين . فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج لها ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون .
إيمان راسخ
سلمت أمرها لخالقها ورازقها وواهبها الحياة، بعد أن أدركت بحسها الإيماني أن ما يريده الله ويقدره، يحمل لها ولقومها الخير كل الخير، فاعتزلت قومها للتفرغ لعبادة ربها واتخذت لها مكاناً خاصاً لا يصل إليه أحد، وبينما هي تخرج لبعض شؤونها فانفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام في صورة إنسان، فحسبته رجلاً يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه، وطلبت منه أن يفارقها إن كان تقياً يخاف الله، فأخبرها أنه رسول ربها جاء يبشرها بغلام زكي، فتعجبت من ذلك، وقالت: كيف يكون لي غلام ولم يمسسني زوج؟ ولم أك من البغايا ولن أكون أبداً؟
فقال لها جبريل كما حكى لنا القرآن الكريم هذا ما قضى به الخالق القادر، وهو أمر هين عليه، وسيجعله للناس آية يرون فيه عجائب صنعه ودلائل قدرته، وأمر الله نافذ وقضاؤه محتوم، فنفخ جبريل "عليه السلام" فيها من جهة الصدر، فحملت في الحال . . ولما ظهرت على مريم علامات الحمل احتجبت عن قومها واتخذت لها بيتاً بعيداً عنهم، هو بيت لحم، على ما قال أكثر المفسرين والمؤرخين .
فلما جاء موعد ولادتها، جاءها المخاض فأمسكت بجذع نخلة كانت هناك حتى وضعت حملها فتمنت يومها أن تكون في عداد الموتى ينساها الناس فلا يذكرونها أبداً .
براءة من السماء
كان حمل مريم في عيسى، وولادتها له، بداية معجزات هذا النبي الكريم، فقد كان كلامه الفصيح المعجز وهو في المهد غاية في الإعجاز والشهادة ببراءة أمه "عليهما السلام" . فقد قرر هذا الغلام المعجز وحدانية الله عز وجل وعبوديته هو له . كما قرر ما منحه الله من قدرات ومعجزات . فقد دعا قومه وهو في الصبا لعبادة الله الواحد الأحد، ونزّهه عن الولد، وقد انتقلت به أمه من موضع ولادته في بيت لحم إلى بيت المقدس .
وروى بعض المؤرخين أنه لما ولد عيسى ابن مريم عليه السلام كان وهو صبي يأتي بالعجائب إلهاماً من الله سبحانه، فشاع ذلك في أوساط اليهود . وعندما ترعرع عيسى همت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر وفي ذلك يقول عز وجل: "وجعلنا ابن مريم وأمّه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" (المؤمنين 50) وقيل: إن هذه الربوة قرب دمشق في بلاد الشام .
وقال بعض المؤرخين "إن عيسى عليه السلام لما بلغ ثلاث عشرة سنة، أمره الله بأن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا، فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا، وأقام بها عيسى عليه السلام حتى أنزل الله عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام وإعلام الناس بما يدخرون في بيوتهم، وقد تحدث الناس بقدومه وتعجبوا من معجزاته فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره" . ويروى أن الإنجيل أنزل على عيسى ابن مريم "عليه السلام" في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم . وذكر ابن جرير في تاريخه انه أُنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل ابن أربع وثلاثين .
وقال المؤرخون الثقات: إن مريم عليها السلام توفيت بعد رفع ولدها عليه السلام بست سنين، وكانت مدة حياتها أكثر من ستين سنة . ولما ماتت دفنت في بيت المقدس وقبرها يزار هناك الآن . . ولقد كانت في مولدها معجزة وفي حياتها قدوة وأسوة حسنة ويكفيها فخراً وعلو مكانة ما وصفها به القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: "خير نسائها (أي الأرض) مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد"، وقال بعض المفسرين إن كل واحدة منهما، كانت خير نساء الأرض في عصرها .