د . عادل أحمد الرويني
قال تعالى: "إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"، (آل عمران 35 - 36) .
"فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"، (آل عمران: 37) .
كانت امرأة عمران واسمها حَنّة فاقوذ، وهي أم مريم بنت عمران عليها السلام لا تلد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولداً، فحملت، فلما تحقق حملها واستبان نذرت لله تعالى إن كان ما في بطنها ولداً أن يكون محرراً أي خالصاً مفرغاً للعبادة لخدمة بيت المقدس . فلما ولدت وكانت المولودة أنثى اعتذرت إلى ربها مما كانت نذرت في حملها، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأجدر بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول المسجد لما يعتريها من الحيض والنفاس ودعت لابنتها التي سمتها مريم ولذريتها أي عيسى عليه السلام بالحفظ من الشيطان الرجيم .
السؤال: لمَ سُميَ ما في بطن امرأة عمران محرراً؟
الجواب: كان المُحّرر يطاق على المُفَرّغ والمُخَلّص لخدمة بيت المقدس وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكراً من باب التشريف له، لأنه حين يتفرغ لخدمة بيت المقدس فكأنه حُرّر من أَسْر الدنيا وشهواتها وقيودها إلى حرية عبادة الله تعالي . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الخبر في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: "قالت رب إني وضعتها أنثى"؟
الجواب: الغرض التحسر والأسى والأسف والحزن لخيبة رجائها، لأنها كانت ترجو المولود ذكراً لتخلصه للعبادة ولخدمة بيت المقدس . والله أعلم .

الرضا بقضاء الله

السؤال: ما الذي أفادته الجملة المعترضة "والله أعلم بما وضعت"؟
الجواب: وقعت تلك الجملة التي هي من كلام الله تعالى بين قوله سبحانه حكاية عن زوجة عمران "رب إني وضعتها أنثى" وقوله "وليس الذكر كالأنثى" وجاءت تلك الجملة المعترضة تعظيماً لموضوعها، وتعليماً لها بأن من فَوّض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقب تدبيره . ومعنى الجملة: إن الله أعلم بالذي وضعت وما ينتظره من عظائم الأمور، والله أعلم .
السؤال: لِمَ عبر بالموصول لغير العاقل عن العاقل في قوله: "ما في بطني محرراً"؟
الجواب: لأن ما في بطنها مبهم أمره، والمبهم أمره يجوز أن يعبر عنه ب (ما)، كما أنه لما كان ما في بطنها لا تمييز له ولا عقل فقد عبر ب (ما) التي لغير العقلاء . والله أعلم .
السؤال: لِمَ قُدم الذكر على الأنثى في قوله تعالى: "وليس الذكر كالأنثى"؟
الجواب: ظاهر السياق أن يقال: "وليست الأنثى كالذكر"، ولكن عدل عن ذلك، لأنها بدأت بما كانت ترجو أن يولد لها، وهو المتلَجْلجْ في صدرها والمتعلقة به نفسها، فجرى لسانها بما كانت ترغبه، والله أعلم .
السؤال: لمَ تكرر التوكيد على لسان امرأة عمران في قوله: "وإني سميتها"، "وإني أعيذها بك"؟
الجواب: هذا التكرار في الجملتين على لسانها مبالغة في التأكيد، لأن ما ظهر من حال كراهيتها لما وضعته، لعدم أهليته لخدمة بيت المقدس يؤذن بأنها ستعرض عن مولودتها إلا أنها كررت التوكيد إظهاراً للرضا بما قدّره الله تعالى لها، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها الدال على الرضا والمحبة . والله أعلم
السؤال: ما علة مجيء خبر (إنّ) جملة فعلية في قوله "وإني أعيذها بك . ."؟
الجواب: للإشارة إلى أن مقصودها طلب استمرار الاستعاذة أي التحصين والحفظ والإجارة به سبحانه وديمومتها لابنتها من دون انقطاع . والله أعلم .
السؤال: لم عُبر بالماضي في قوله: "إني وضعتها"، "وإني سميتها مريم"؟
الجواب: لانقطاعهما وعدم تكرارهما، فوضع أم مريم لابنتها وتسميتها لها يكونان مرة واحدة وينقطعان . والله أعلم .
السؤال: لماذا قدم الجار والمجرور "بِك"، المعاذ به على المعطوف "وذريتها" في قوله تعالى: "وإني أعيذها بك وذريتها" حيث كان ظاهر السياق أن يقال: "وإني أعيذها وذريتها بك"؟
الجواب: قدم المعاذ به على المعطوف اهتماماً له . والله أعلم .

"خادمة الرب"

السؤال: لِمَ سمت امرأة عمران ابنتها باسم (مريم)؟ ولماذا استأثرت هي بتسمية ابنتها؟
الجواب: لأن (مريم) تعني في لغتهم (العابدة) خادمة الرب فأرادت بذلك التفاؤل لها بالخير والتقرب إلى الله تعالى والتضرع أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها، وأنها وإن لم تكن صالحة لخدمة بيت المقدس حيث كان عرفهم مقصوراً على الذكور فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات الزاهدات .
واستأثرت امرأة عمران بتسمية ابنتها، لأن عمران مات وأمها حامل بها . والله أعلم .
السؤال: لمَ قيل: "امرأة عمران" ولم يقل: "زوج عمران"؟
الجواب: لأن زوجها مات عنها وانقطعت بذلك عُرى الزوجية بدليل أنها انفردت بتسمية مولودتها .
ومن خلال الاستقراء تبين أن لغة القرآن الكريم تطلق على زوجة الرجل كلمة (امرأة) في الحالات التي تختل فيها عُرى الحياة الزوجية سواء كان ذلك الاختلال بموت أحد الزوجين كالآية المذكورة وكقوله تعالى: "و إن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله بما تعملون خبير"، (النساء: 128) أو لاختلاف الدين بين الزوجين مثل: "ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك"، (هود: 81) فامرأة لوط عليه السلام كانت على دين قومها، أو كانت العلاقة الزوجية قائمة على دين غير صحيح .
أو كانت الحياة الزوجية لا إنجاب فيها نحو قوله: "وكانت امرأتي عاقراً"، (مريم: 8) أو كانت المرأة غير ذات زوج، نحو ما جاء في شأن ابنتي شعيب: "ووجد من دونهم امرأتين"، (القصص: 23) أو كان الزواج لا دخل له بالمعنى المراد كما في الشهادة على الدّين فإنها تصح من المرأة سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، اقرأ في هذا قوله تعالى: "فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء"، (البقرة: 282) .
ولعل السر في هذا والله أعلم أن المرأة أو الزوجة في الحالات المشار إليها ليست أهلاً للوصف ب (الزوج) أو الزوجة، ومعنى الزوج في اللغة (الاثنان) المضموم أحدهما إلى الآخر، ولذلك سُمّي الزوج زوجاً مضموماً إلى زوجته وسميت الزوجة زوجاً مضمومة إلى زوجها، وهذا الضم لا يكون على تمامه إلا في حالات الوئام التام، والصفاء الخالص بين جناحي الأسرة . والله أعلم .

القبول الحسن

السؤال: ما المقصود بقوله: "فتقبلها ربها بقبول حسن"؟
الجواب: أي قبل الله تعالى مريم، ورضي بها في النذر مكان الذّكَر، ولم يكن ذلك مشروعاً من قبل . والله أعلم
السؤال: ما دلالة الفاء في قوله تعالى: "فتقبلها ربها بقبول حسن"؟
الجواب: للإشعار بسرعة إجابة دعاء امرأة عمران أم مريم . والله أعلم .
السؤال: لماذا عُبر عن القبول بصيغة (تفعّل) في قوله "فتقبلها" ولم يعبر عن بصيغة (فَعِل) فيقال: فقبلها؟
الجواب: عبر بصيغة التفَعل مطابقة لدعاء امرأة عمران لابنتها في قولها "فتقبل"، وفي هذه الصيغة إشعار بتدرج وتطور وارتقاء، ولو قيل:(فقبلها) لدل على أنه قبول واحد منقطع عن التواصل والتتابع . والله أعلم . وفي هذه الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب (التفَعل) فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ونحوهما فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة، فهذا ههنا التقبل أي المبالغة في إظهار القبول .
السؤال: لِمَ قيل: "فتقبلها ربها بقبول حسن" ولم يقل: "فتقبلها ربها بتقبل حسن"، حتى تصير المبالغة أكمل بوجود صيغتي (تَفعل)؟
الجواب: لأن لفظ التقبل وإن أفاد المبالغة في القبول إلا أنه على خلاف الطبع، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع، فذكر التقبل ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك على وفق الطبع . وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى إلا أنها من حيث الاستعارة تدل على حصول العناية العظيمة في تربيتها . وهذا الوجه مناسب معقول . والله أعلم .

عبادة وطاعة

السؤال: ما المقصود بقوله تعالى: "وأنبتها نباتاً حسناً"؟
الجواب: المقصود رَباها ربها تربية حسنة في عبادة وطاعة له سبحانه - وأنشأها إنشاء صالحاً وعلى كل ففي الفعل (أنبتها) استعارة تصريحية تبعية .
وقيل إن المعنى: يتعهدها بما يصلحها في سائر أحوالها، وعليه يكون الكلام استعارة تمثيلية أو مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم، فالزارع يتعهد زرعه بسقيه عند الاحتياج وحمايته من الآفات وقلع ما يخنقه من النبات . والله أعلم
السؤال: ما دلالة الباء في قوله سبحانه: "فتقبلها ربها بقبول حسن" حيث كان من الظاهر أن يقول: "فتقبلها ربها قبولاً حسناً"؟
الجواب: الباء دلت على تأكيد قبولها ولصوقه بها إشعاراً لمدى العناية الإلهية لها بهذا القبول الذي لم ينفك عنها . والله أعلم